ملامح الراوى الطفل فى “الحرب فى الشرق”

الحرب في الشرق زين عبد الهادي

محمد عبد الحافظ ناصف

بعد قراءة رواية “الحرب فى الشرق” للكاتب الروائي د زين عبد الهادى، استعدت أياما لها رائحة خاصة فى تاريخ مصر خلال السبعينيات؛ رغم صعوبتها إلا إنها كانت تحمل بالنسبة لى فرح الانتصار بحرب أكتوبر المجيدة التى استعادت الروح و الكرامة المصرية و العربية، وكانت أيضا بالنسبة لى حزنا عميقا لفراق صديق الطفولة حتى الصف الرابع الإبتدائى شريف، ابن شارع كسرى و المقدس الذى كان يشكل اسمه بالنسبة لى لغزا لم تكن تستوعبه الخبرة المعلوماتية لى كطفل، كانت كلمة المهاجرين تشكل بالنسبة لى بورسعيد و ناسها  المُهَجّرين منها بعد حرب يونيه، تتناول رواية “الحرب فى الشرق” فترة من  أصعب فترات مصر فى القرن العشرين، و هى الفترة من ١٩٦٧ و حتى ١٩٧٣؛ و هى الفترة التى أعقبت نكسة يونيه حتى تم الانتصار فى أكتوبر ٧٣، كانت تلك الفترة صعبة على مصر كلها و أكثر صعوبة و قسوة على أبناء مدن القناة  و خاصة أبناء بورسعيد الذين اضطروا لمغادرة مدنهم و أحلامهم و ذكرياتهم و عاشوا فى أماكن غريبة عليهم و على بعض عاداتهم؛ فى المدن و القرى القريبة لهم فى دمياط و الدقهلية و الغربية التي لم تكن أكثر استعدادا لاستقبالهم، فقد كانت تلك الأماكن من الفقر و قلة الإمكانيات بمكان كبير.

يأتى السرد فى الرواية متدفقا سلسا من خلال عين الراوى الطفل المختلف و المتغير الذى يجوب بنا أماكن كثيرة من بقاع الوطن الحزين، الوطن الذى أصر أن يسترد ما أخذ منه بالقوة كما أُنتزع منه بالقوة  فى يونيه 67 دون أن يجد جيشه الفرصة الحقيقية لكى يقاتل و يعبر عن نفسه و عن معدنه الأصيل الذى يعود به إلى فجر التاريج حين تم تأسيس أول جيش نظامى فى الحياة.

و يصور لنا الروائى زين عبد الهادى سيرة حياة أسرة مصرية مكافحة تتدثر بستر الله و تتلحف بالبساطة و الفن و الروح المصرية الأصيلة؛ كانت تلك الأسرة ممثلة لأبناء الوطن كله و خاصة الطبقة البسيطة المثقفة التى اتخذت من كلام الآباء دستورا لها، و تبنت ذلك و آمنت به، بعد أن شهدت إشارات و مشاريع قومية مهمة تسعى إليها الدولة المصرية قبل تلك الفترة العصيبة مثل السد العالي و العدالة الإجتماعية والخطة الخمسية الأولى و بناء المصانع و تطوير الصناعة و خطط و قانون الإصلاح الزراعي و بناء الجيش و تطويره؛ كل ذلك لكى تحسن الدولة حال المواطن و ترفعه و تجوّد حياته إلى الأحسن، لكن الرياح لم تأت بما تشتهى بها السفن؛ فيتعرض الوطن للمؤامرات من قبل قوى الاستعمار القديم (فرنسا و إنجلترا) و الجديد (أمريكا و إسرائيل) بعد أن شعرت بخطورة مصر التى كانت تسعى مع بعض دول العالم الثالث و عدم الانحياز لتفكيك و مقاومة ذلك، كانت مصر وقتها رائدة لتحرير الشعوب و مدافعة عن حقوق شعب فلسطين و باقى الشعوب المظلومة فى أسيا و أفريقيا.

و تتجول عين الطفل/عين الكاميرا الساردة لأحداث الرواية للبطل مذ كان طفلا صغيرا يمتلئ بأحلام و طموحات و أفراح و مخاوف و حتى أحزان صغيرة؛ كبرت و تضخمت تلك الاحزان بالطبع خارج بورسعيد الوطن الأعز على البورسعيدية المنتمين لتلك المدينة بمحبة تصل أحيانا لدرجة التطرف الإيجابي، تضخم الحزن كثيرا في الشخصية البورسعيدية فى الرواية حين وجدت نفسها مكومة مهملة فى عربة تجوب بها قرى الدلتا المسكينة الفقيرة من الإمكانيات و الكئيبة كالحة الوجه من شدة الكرب و الحزن؛ هذه القرى التي ليس بها من مبهجات العيش شيئا، بل و قاسية على أحلام الصغار الذين يعانون بالطبع الكثير من الحرمان و شظف العيش، فالماء ليس كماء بورسعيد و اللقيمات يابسة و الفول الوجبة الرئيسة ليست على ما يرام؛ و المضحك المبكى أن الراوى/البطل الصغير يقنع أخوته بأساطير حتى يأكلوا و هم صاغرون و مقتنعون و راضون تماما كما أقنعته أمه أن السبب فى عدم جودة الطعام السيئ يعود إلى تغيير الجو فقط، و أن هواء و ماء بورسعيد مختلفان عن هواء و ماء باقى المدن و القرى المصرية.

  استطاع الروائي زين عبد الهادى أن يقدم لنا بطلا من أطفال زمنه الذين عانوا شظف العيش و الحرمان و بعض مرارة الهزيمة؛ فنجد أن صورة الراوى الطفل لا تكتمل إلا مع انتهاء قراءة الرواية، و ذلك إن أردت أن ترى صورة البطل المكتملة، فنجد حكايات عنه و له متفرقة، و لكن الصورة تكتمل بعد تمام القراءة، فلا نعرف حكايات عن مولده إلا فى صفحة ٧٣، فنعرف كيف ولد  فى البحر عام ٥٦ حين كانت طائرتان بريطانيتان من نوع سي فينوم تهجم على المدينة فى حرب ٥٦ بسبب تأمميم قناة السويس التى أشعلت غضب إنجلترا و فرنسا و ضمتا معهما إسرائيل، فيقول الراوى عن أمه: ” فجأة اختل توازنها و سقطت فى المياه، ومع صرختها الأولى أسقط أنا من رحمها إلى مياه الكنال ليصرخ الجميع من مشهد بقعة الدم …..، وهكذا كان أول ما تذوقته من الحياة تلك المياه المالحة، وأظنني رأيت جنياتي الصغيرات فى تلك اللحظة و أنا أحاول فتح عيني فى الماء.”

من هنا يعلن الكاتب زين عبد الهادى بدء مرارة و ملوحة الحياة التى بدأ الطفل يواجهها، بداية من طيران العدو الذى يحيط به جنينا و  مولودا و رضيعا و طفلا صغيرا لم يتعد العاشرة بعد.

و يرسم لنا الكاتب صورة الطفل عبر مراحل و صفحات الرواية غير مقيد بالتتابع الزمنى للعمل؛ صعودا أو هبوطا و لكن عبر حالات منفصلة و لكنها متصلة بالحدث بالطبع، فمن الممكن أن نطلق على رواية “الحرب فى الشرق ” رواية الحالة كما كنا نطلق على بعض أنواع القصص القصيرة قصة الحالة غير المرتبطة بحبكة تقليدية تصاعدية؛ مع أهمية الطريقتين و الأمر فى النهاية متروك لقدرة الروائي على التناول الجيد، فالكاتب هنا استطاع إدارة طريقته فى الكتابة بشكل مكنه من مفردات عمله بشكل كبير؛ فجاءت فصول الرواية مثل حلقات و متواليات تصب فى النهاية فى موضوع واحد، وجاء عنوانها يتصل بأحداثها الخاصة بالحرب، والشرق هنا يعنى بورسعيد و لا تعنى أى شرق آخر؛ فبورسعيد عنده هى مفتاح الشرق و مصر و  العرب و إفريقيا ، فالحرب على أرضها تعنى الحرب على الشرق كله .

و يصف لنا الكاتب شكل الراوى الطفل و ملامحه السمراء الجميلة التى تنتمى إلى أحد الأجداد، و كيف أن هذا الجد الذى كان يرفض أن يبيع الخضار و الفواكه فى حى الافرنج الغنى حيث سعة الرزق يفضل أن يبيع بضاعته فى الحى العربى الفقير!

  لعب هذا الجد دورا مدهشا في الرواية بحكاياته و أساطيره الغريبة عن الجن و الإنس و العفاريت، و أشار الروائى إلى دوره المهم بكل تفاصيله التى ربما تحب كثيرا منها و تتحفظ على بعضها، ولكنه كان دورا مؤثرا فى حياة تلك الأسرة التى عانت من الحرب و اشتدت معاناتها من الظلم حين دخل الأب محمد المعتقل حين دافع عن أحد العمال البسطاء لما تعدى عليه رئيس مجلس الإدارة بالضرب فلم يجد محمد الأب الحنون الفنان إلا أن يمسك عصا مقشة و يطارد هذا الرئيس، ويُقبض عليه و يُعتقل و يُهتم بالتعدى و إهدار المال العام (تكسير المقشة)!!

و يبدأ البطل الراوى الطفل رحلة جديدة من تحمل المسؤولية فى الذهاب مع الأم لزيارة الأب المعتقل؛ وتأمره أمه بعد ذلك بالخروج للعمل حتى يساعدها، فيخرج للكفاح و فى فمه طعم الماء المالح و القهر الذى تعرض له والده و أمه زينب المكافحة القوية التى تمتلك صوتا رائعا مثل ليلى مراد، و بالرغم من ذلك الصوت الرائع ترفض أن تغنى رغم عرض عبد الوهاب عليها حين سمعها فى بورسعيد فى حديقة فريال، و تكتفى زينب الزوجة بحبها و أولادها و مفضلة زوجها محمد الفنان التشكيلى بالفطرة الذى يحب الرسم و يجيده، محمد الفنان الذى يفضل معها الحياة و إنجاب الأطفال و العمل فى شركة الغزل و النسيج، المدهش أنها تصر عليه و يصر عليها رغم أنها تكبره بعدة أعوام و ترفض الضابط الذى تقدم لها، و صار محافظا فى النهاية.

 حفلت الرواية بعدد من المشاهد الروائية التى تمتلك ذاكرة قوية ستظل باقية فى وجدان القارئ؛ و منها على سبيل المثال و ليس الحصر، مشهد الحذاء الأسطوري الذى لبسه الراوى/البطل الطفل لعدة سنوات و أراد أن يتخلص منه و نفذ ما أراد و ألقاه فى النار حتى يحرق تماما، و حين عاد لأمه زينب، لم يشعر أن أمه غضبت منه و لكنها استقبلت الخبر بهدوء كأنها كانت تريده أن يفعل ذلك.

و يقول الكاتب ص 121″ تنظر لى نظراتها التى أعرفها، لم تسألنى عن شيء، هى تعلم جيدا رغبتى فى التخلص منه، كانت أقوى رغبة عشتها فى حياتي، لم تكن لدى  أى رغبة أخرى فى الحياة سوى أن أتخلص من حذائي.” و يشير الروائى زين عبد الهادى بالطبع إلى شدة المعاناة و العوز الذى عانى منه هذا الطفل من هذا الحذاء الصعب تغيره، لأن الحالة المادية بالطبع كانت صعبة على الكل فى مصر؛ فالجميع فى هذا الوطن الصامد الحزين وقتها يعرفون أن طلبات الطفل دائما مجابة و خاصة الضرورية و عدم تلبيتها تعنى أن هناك شيئا صعبا يواجه تلك الأسرة.

ومن الحكايات المهمة التى لا تُنسى أيضا و التى تكشف روح الطفل الطيبة و الشفافة و العاشقة للحياة؛ كانت رفض نصب الفخاخ للعصافير مع خاله كى يتم ذبحها و معروف أن تلك العصافير كانت واحدة من وسائل الفقراء للعيش، فكانوا ينصبون الفخاخ لها لكل يجهزوا وجبة تسد رمق الصغار.

و يقول الروائي على لسان البطل الراوى الطفل ص 135:

– أنا مش ممكن أموت العصافير.

– و كمان ها ناكلها بعد ما نموتها.

-لا.

“أصبح صوتى يملأ الفضاء بينما يحاول هو إدراك ما حدث، أما أنا فقد كنت سعيدا فى المساء و أنا أحصى عدد العصافير التى أنقذتها من المذبحة”

و تأتي حادثة الذهاب إلى بورسعيد فى سيارة توزيع الجرائد واحدة من الأحداث المهمة التى جاءت فى الرواية و تستحق الوقوف عندها كثيرا لأنها حادثة متفردة و غير مسبوقة من طفل كان كل حلمه أن يعود إلى بلده التى نشأ و ترعرع فيها و لو للحظات قليلة، و تلك كانت هدية نجاحه فى المدرسة، وتتجول عين الطفل السردية بما تم من أحداث سبقت ركوب سيارة الأهرام التى توزع الجرائد هناك رغم ظروف الحرب التى تمر بها البلاد، و حين يصل البطل الطفل إلى بورسعيد يغادر السيارة النقل مسرعا إلى شارع كسرى، ويالها من صدفة تجمعنى بهذا الطفل العظيم المحب لمدينته؛ فشارع كسرى هو نفسه شارع صديقى شريف الطيب المهاجر الذى كان يسكن فى بيتنا فى المحلة الكبرى و عشنا معا أحلام كل شيء و تقاسمنا الفرح و الحزن و اللعب، و يسرع الطفل الراوى إلى بيته الحزين جدرانه و الذى يحمل ملامح اليوم الصعب القاسى الذى غادرونه فيه، فنجد بعض ملامح لذاكرة مازالت موجودة على الجدران؛ فنجد صورا لبعض نجوم تلك المرحلة و النقوش التى قام بها الطفل على الباب و الجدران و بعض بقايا لصور ملقاة على الأرض و بعض أماكن كنت تحمل ذكريات مهمة و عالقة فى الذهن مثل سينما الأهلى و ماشينة الثلج و المقاعد المغروزة على الشاطئ و بقايا شماسى و أدشاش مياة علاها الصدأ على البلاج و ذهاب طلاء أسماء الشواطئ.

و يقول الروائي على لسان الطفل ص 142 ” كنت أشاهد كل أحلامي القديمة تحترق، ذهبت لشارع كسرى و اشتريت بعض السمنية و التمرية من حلوانى عجوز قرر ألا يترك المدينة، سألنى عن اسم جدى و حين عرف اسم سيدى قرر ألا يأخذ منى شيئا.”  

و ختاما لقد مس الروائى زين عبد الهادى قلب كل الأطفال/الكبار الذين عاشوا فى تلك المرحلة و كنت واحدا منهم، ولا أنسى اليوم الذى غادرت فيه أسرة صديقى الطيب- البورسعيدية المهاجرة- المحلة، و ظللت أحمل معهم العفش بحماس دون وعى إلى سيارة النقل و أنا سعيد بمساعدتهم و غير فاهم أنهم سيغادون بيتنا و لن يعودون مرة أخرى، بعد فترة عرفت أنني سأخسر صديقى و لن أره بعد اليوم، و حين تحركت السيارة النقل ظللت أجرى وراها و تشعلقت بها حتى سينما النصر،لكنها توقفت فجأة و سقطت على الأرض، فنزل العم الطيب أبو شريف مسرعا،و ربت على ظهرى، مسح دمعة من عينى، و أعطانى خمسة و عشرين قرشا كانت كافيه لأن أدخل السينما التى أحبها عشر مرات لكنى لم أعبء بها، و ضاعت منى و ضاع شريف لأكثر من 43 عاما، ثم رأيته منذ عامين فى بورسعيد  مع أبنائه بعد أن خط الشيب شعره و سقط شعرى لكن أحلامنا معنا مازالت طفلة بعودة أخى الكبير من جبهة القتال !!

 

كاتب مسرحي وقاص وناقد ومترجم مصري من أعماله: أولاً: المسرح 1. طلوع النهار أول الليل – مسرحية – هيئة الكتاب…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع