كتابان فوق منضدة

إيمري كيرتيس

محمد ممدوح

وقَفَ المجرىّ الطيّب “إيميرى كيرتيس” فى ممر صحيفته ذات صباح لعام 1955م، يُنصت لصوت خطوات تقترب من ممرٍ جانبى باتجاهه، تضخّمتْ فى مخيّلته لخطوات طابور معتقلين؛ فألهمته فكرة كتابة روايته الأولى “لامصير”، التى حاز عنها، بعد 47 عاماً، جائزة نوبل 2002م.

بعد فوزه بـ24 عاماً، ومنذ شهرين تقريباً، وقفتُ فى ممرٍ مشابه بمقر عملى، أسمعُ خطوات أزيز الصمت خلفى بعد انصراف زملائى، تحت إضاءة خافتة وحميمة. لا أتذكَّر الآن سبب تأخُّرى، وبدلاً من انحرافى يميناً لأكمل فى ممرٍ آخر حتى باب الخروج الرئيسى، أكملتُ الممر حتى نهايته فى قاعة فسيحة تضم بعض المكاتب، لها باب جانبى يُفتح للخارج، برُكنها الأيمن منضدة منخفضة، فوقها كتابان سميكان، لم أهتم لوجودهما قبل ذلك، اعتقدتُ أنهما كتابا ديكور فيما يُعرف بـ”كُتُب طاولة القهوة”، ذات الكعوب السميكة الفارغة من الداخل؛ انتابنى لحظتها شعورٌ بالزيف أضحكنى: أننى أُمثِّل موقفاً مُنتحلاً لكاتب ينتمى لثقافةٍ أخرى، لا أعرف لغته ولا يعرف لغتى.

سُرعان ما تبخَّر شعورى، عندما أدركتُ أنَّ مشهدى كان وليد لحظة فراغ المبنى من زملائى، مع الكتابين فوق المنضدة أثناء مرورى شِبه اليومى عليهما؛ فاندمجا مع ممر المجرىّ الطيّب الذى استدعيته من الذاكرة، وبما أنه كان يُفكِّر فى روايته الأولى، كنت أرى كتابين مطبوعين بالفعل.

ارتحتُ لهذا الفارق الطفيف.

فتحتُ الكتاب الأوّل بلونه الأبيض اللامع، مُجلَّد ضخم، 700 صفحة، بعنوان: “ثمن التذكرة: مقالات مُجَمَّعة 1948 – 1985″، عن دار نشر سانت مارتنز، 1985م، قبل مولدى بعام، لجيمس بالدوين، ناقشَ فيها على مدار أربعين عاماً قضايا العدالة الاجتماعية والسياسية، إضافة لمقتطفات من سيرته الذاتية، بينما الكتاب الثاني: “ملح الأرض”، بغلافه الأسود عن نفس الدار، 1996م، بلغتُ أحد عشر عاماً وتوفِّى جدى لأبى قبلها بعامين، لجاك أولسن، عن جريمة قتل حقيقية للطفلة “بريندا سوجير”، 12 عاماً، ركَّزَ الكتاب على معاناة والدتها فى البحث عن قاتل ابنتها، ورواية القصة من منظور عائلتها.

جيمس الطيّب ولِدَ 1924م، فى هارلم، حي المضطهدين والمنبوذين، عاصمة الثقافة السوداء فى العشرينات والثلاثينات، فترة الكساد الكبير؛ ولِدَ فيها جاك 1925م، عاش طفولته بإنديانابوليس. والد جيمس ابناً لعبدين سابقين فى الجنوب الأمريكى، هاجرَ منه لهارلم، كان عامل يومية وقساً مؤقَّتاً لبعض الكنائس الصغيرة، مات بجنون الاضطهاد عام 1943م. عانى والد جاك الأبيض من فقر الكساد وديونه، هرب بسببها من مكانٍ لآخر، عمل بِمِهنٍ عديدة. والدة جيمس عملتْ خادمة بالبيوت لتسد جوع أولادها التسعة!.

1948م، هرب جيمس لباريس من الاضطهاد والتمييز، أقام فيها لـ26 عاماً، بينما أوائل الخمسينات بدأتْ مسيرة جاك الصحفية فى “شيكاغو صن تايمز” ومجلة “تايم”. مات جيمس بسرطان المعدة 1987م، بعد مولدى بعام، دُفِنَ بمقبرة “فيرنكليف” بهارتسديل، نيويورك، مات جاك بأزمة قلبية 2002م، بعد وفاة والدى بعامين، وحصول المجرىّ الطيّب على نوبل، ودُفِنَ فى مقبرة “فورت وارد” بفيرجينيا.

قُتلتْ “بريندا سوجير” بعمر 12 عاماً، السن الذي واجَهَ فيه جيمس بالدوين أوّل موقفٍ عنصرى من شرطيين قاما بتفتيشه بطريقةٍ مهينة. قُبِضَ على قاتل الطفلة، حُكِمَ عليه بالسجن مدى الحياة 1993م، بلغتُ ثمانية أعوام، لم أعلم أنّ أبى سيموت بعدها بسبع سنوات أثناء إجراء عملية بالقلب.

أرفع عينى عن الكتابين فى صمت القاعة، أتأمل المباني الزجاجية المجاورة عبْرَ زجاج الباب الجانبى، تطل على البلازا كساحة إعدام تفوح برائحة الجثث، فى ذلك الحي الراقى المستمتع ببلاهته.
اليوم التالى، أسأل أحد مديرى الحمقى عن الكتابين المتراكم فوقهما التراب، فيجيبنى باستهانة: ديكور.

تخيَّلتُ نظرتىْ جيمس وجاك، الازدرائيتان لمديرى، من مقبرتيهما فى فيرنكليف وفورت وارد.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع