مسودة الليل الموازية: الحلم كمعالجة درامية للواقع

waleed khairy

وليد خيري

في المسافة الفاصلة بين غمضة العين ويقظة الوعي، توجد أعظم مدينة إنتاج وستوديو عرفه البشر. هناك، في العتمة الآمنة للجمجمة، لا يتوقف العقل عن الكتابة. ولكن، هل ما يكتبه هو توثيق لما حدث؟ أم إعادة خلق؟ هل الحلم اقتباس أم استعارة ؟

إذا افترضنا – جدلا – أن حياتنا اليومية، برغباتها المحبطة وانتصاراتها الصغيرة وروتينها الممل، هي النص الأصلي أو المخطوطة الخام، فإن الحلم ليس اقتباسا حرفيا. الاقتباس يتطلب أمانة في النقل، والحلم خائن بطبعه. الحلم، بالمعنى الفني، هو معالجة درامية إنه يأخذ التيمة من حياتك، لكنه يغير النوع (Genre)؛ فقد تتحول مأساة فقدان وظيفة في الصباح إلى فيلم رعب سريالي في المساء، أو تتحول رغبة مكبوتة في الحب إلى مشهد فانتازي من الطيران فوق المدن. إذن، الحلم هو السيناريو المعدل حيث المخرج اللاوعي لا يلتزم بتعليمات المنتج الوعي.

يعد الحلم تمردا على الواقعية، ولحظة يقرر فيها الدماغ أن قوانين الفيزياء والمنطق الأرسطي لم تعد سارية. الحلم لغة مجازية مكثفة. عندما تحلم بأنك تفقد أسنانك، فالنص الأصلي لا يتحدث عن فقد الأسنان، بل يتحدث عن الفقد، عن العجز، أو عن الخوف من التقدم في العمر، فالحلم يأخذ المعنى المجرد ويحوله إلى صورة حسية صادمة، إنه الشعر في صورته الخام قبل أن يهذبه العقل الواعي. ولطالما حفل التاريخ بالكتاب والفنانين الذين أدركوا أن مسودة الليل أصدق من نص النهار، فلم يقوموا فقط بتدوين أحلامهم، بل جعلوا منها منهجا للإبداع؛ فنجيب محفوظ في سنواته الأخيرة، وعندما ثقلت عليه كتابة الروايات الطويلة، لجأ إلى “أحلام فترة النقاهة”، تلك النصوص التي لم تكن مجرد أحلام، بل تكثيفا لحكمة العمر وصياغة لأحلامه لتكون نوعا من البرقيات إلى العالم. وكذلك كافكا، الذي يبدو أدبه كله كحلم طويل مرعب (كابوس)، فروايته “المسخ” تمتلك منطق الحلم؛ إذ أن الاستيقاظ لتجد نفسك حشرة هو استعارة تحولت إلى واقع مادي داخل النص. ولا ننسى سلفادور دالي والسرياليين الذين كانوا يعتقدون أن الحلم هو الواقع الوحيد الجدير بالرسم، فلوحات دالي هي سكرين شوت دقيق من أحلامه حيث الزمن ممثلا في الساعات يذوب.

في مدرسة التحليل النفسي عند فرويد، الحلم هو تحقيق رغبة. النص الأصلي لحياتك مليء بالرقابة: لا تفعل هذا، هذا عيب، هذا مستحيل. في الاقتباس المعدل الليلي، يقوم المخرج بحذف الرقيب، فتظهر الرغبات المكبوتة على المسرح، لكنها تظهر متنكرة في زي رموز لكي لا يستيقظ الحالم فزعا. هنا الحلم يعمل كصمام أمان لتخفيف الضغط النفسي. ولكن، العلم الحديث يقدم نظريات أكثر إثارة، منها نظرية محاكاة التهديد؛ حيث الحلم ليس مجرد تفريغ، بل هو تدريب. المخ يعتبر النوم معسكرا تدريبيا، ويضعك في مواقف مرعبة: مطاردة، سقوط، امتحان لم تستعد له، ليدرب جهازك العصبي وعواطفك على التعامل مع الخوف والألم في بيئة آمنة وهي سريرك. إنه “بروفة جنرال” للمآسي المحتملة في الواقع. وبهذا المعنى، نعم، الأحلام تدربنا على الألم لكي لا ننهار إذا واجهناه في اليقظة.

هل يمكن أن نتحكم في أحلامنا؟ فالإجابة علميا هي: نعم، عبر ما يسمى الحلم الواعي الجلي. في السينما، أنت مجرد متفرج في صالة السينما تتلقى الحلم، أما في الحلم الواعي، فأنت تدرك فجأة أنك تحلم. في تلك اللحظة، تتحول من متفرج إلى مخرج وكاتب سيناريو، ويمكنك أن تقرر الطيران، تغيير المشهد، أو استحضار شخصيات معينة. هذا النوع من الأحلام يمكن التدريب عليه: نحن نستطيع كتابة أحلامنا، أو على الأقل، يمكننا القيام بتعديلات على السيناريو أثناء التصوير. بعض المعالجين يستخدمون هذه التقنية لعلاج ضحايا الصدمات، حيث يدربون المريض على الدخول في كابوسه المتكرر وتغيير نهايته المرعبة إلى نهاية آمنة، إنها عملية إعادة كتابة (Rewriting) للصدمة النفسية.

أثناء النهار، يمتلئ عقلك بمليارات المعلومات الحسية التافهة والمهمة. إذا احتفظت بكل شيء، سينهار النظام. لذا، أثناء نوم حركة العين السريعة، يقوم المخ بعملية بيولوجية مذهلة تسمى التنقيح. تخيل محررا قاسيا يمسك بمخطوطة حياتك اليومية ويقول: هذا المشهد (طعم القهوة في الصباح) غير مهم.. احذفه، هذا المشهد (معلومة الامتحان) مهم.. انقله للأرشيف الدائم الذاكرة طويلة المدى. الحلم هو صوت هذه العملية، والصور العشوائية التي نراها قد تكون بقايا القصاصات التي يلقيها المخ في سلة المهملات، أو تكون عملية تثبيت للمعلومات المهمة وربطها بملفات قديمة. دون هذه الصيانة الليلية، نفقد التركيز، تضطرب عواطفنا، ونعجز عن التعلم.

في ثقافتنا العربية والإسلامية،هناك فرقا جوهريا بين الحلم والرؤيا؛ فالحلم (أضغاث الأحلام) هو الشوشرة النفسية والبيولوجية، وانعكاس لحديث النفس، ما أكلته قبل النوم، أو مخاوفك اليومية، إنه النص المشوش الذي لا يحمل بناء دراميا محكما. بينما الرؤيا هي رسالة، تأتي بوضوح شديد، مكثفة، ومرمزة بعناية فائقة. كأنها قصة قصيرة جدا مكتوبة بحرفية عالية لا يستطيع العقل الواعي تأليفها. الرؤيا تتجاوز المعالجة الدرامية لواقعك الشخصي لتلامس اللاوعي الجمعي أو حقائق روحية، وتترك أثرا شعوريا لا يمحى، بينما الحلم العادي يتبخر بمجرد طس الوجه بالماء.

الإنسان كائن سارد بطبعه، لا يتوقف عن السرد حتى وهو فاقد للوعي. حياتك هي المادة الخام، وأحلامك هي المعالجة الفنية، وذاتك الواعية هي الناقد الذي يحاول في الصباح فك شفرة ما شاهده في الليل. الحلم محاولة رائعة من الدماغ لإيجاد معنى للفوضى، إنه يحول أوجاعنا اليومية إلى أساطير شخصية. نحن نكتب أحلامنا بمعنى أننا نغذيها بمخاوفنا ورغباتنا، لكننا لا نملك حقوق المونتاج النهائي إلا نادرا. ولعل الإبداع الأدبي الحقيقي هو محاولة لجلب منطق الحلم الحر والجريء، إلى منطق اليقظة المنضبط. الكاتب العظيم هو الذي يحلم وهو مستيقظ، هو الذي يجعل من حياته وحلمه عملا متناغما، فيصبح هو الكاتب، وهو البطل، وهو الحلم ذاته.

 

وليد خيري

12 مقال
كاتب وناقد مصري صدر له: تجاوزت المقهى دون أن يراك أحدهم ـ ميريت 2006 حارس حديقة المحبين ـ العين ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع