محيى الدين بن عربى .. طريق القلب البعيد

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد

لم أكن أبحث عن صوفي بعينه، كنت أبحث عن نجاة؛ عن خيط نور أتشبث به وأنا أرى الروح تتوه في متاهات الطرق والأسئلة، في يقينيات صلبة لا تُنبت قلبا، وفي حروب وخلافات ترفع رايات السماء وتنسى السماء نفسها. كنت أبحث عن معنى يعيد ترتيب الفوضى في داخلي، عن نافذة صغيرة يدخل منها هواء مختلف، هواء لا يخاصم أحدا ولا يخاصمه أحد، هواء يكفي ليقول للروح: لستِ وحدك في هذا الاتساع المرتبك.

ذات مساء بعيد توقفت أمام كتاب مهترئ يحمل عنوان الفتوحات المكية، كان الاسم مربكا وملغزا وجاذبا في آن، كأنه باب مكتوب عليه سر لا يُمنح إلا لمن يتردد أمامه طويلا. سألت عنه فقيل لي ببرود قاطع: نحن لا نبيع هذه الكتب. خرجت وفي داخلي سؤال أشد إلحاحا من الرغبة في الشراء: لماذا يخيفنا النور حين يجيء من طريق لا يشبه طرقنا؟ ولماذا نرتاب من كل معرفة لا تمر عبر البوابات التي اعتدناها؟

يومها لم أكن أعلم أنني دخلت من باب محيي الدين دون أن أطرقه، وأن من يعبر عتبته لا يعود كما كان، لأن العبور هنا ليس انتقالا بين صفحتين بل انتقال من ضيق الرؤية إلى سعتها، من نور نضعه في جهة واحدة إلى حضور يملأ الأركان كلها، من إله نحاول الدفاع عنه إلى حقيقة تدافع عنا من أوهامنا. كان الدخول إليه أشبه باستدارة مفاجئة في الوعي، كأن القلب نفسه قد اكتشف أن له أفقا أبعد مما ظن.

قرأت ابن عربي لا كفيلسوف ينسج المصطلحات، ولا كمتصوف يتخفى خلف الرمز، بل كمرآة تعيد إلي وجهي وقد خلا من غبار الخوف. كان يكتب وكأنه يمسك النور بيد مخلصة وعارفة، يقول إن الحق لا يُدرك بتقليد بل بذوق، وإن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فلا أحد يُقصى من الرحلة إلا من أقصى نفسه. لم يكن يدعونا إلى اعتقاد جديد بقدر ما كان يدعونا إلى قلب جديد، إلى عين ترى ما وراء التعريفات، وإلى روح لا تضيق بما وسعه الله.

وحين تحدث عن وحدة الوجود لم يكن يصوغ نظرية تثير الجدل، بل كان يروي تجربة امتلأت بها روحه حتى فاضت كلماته. كان يرى أن الفصل بين الخالق والخلق خطأ في الرؤية لا في الحقيقة، وأننا حين نقول غاب إنما نعترف بأننا نحن الذين أدرنا وجوهنا عن الحضور. لذلك كان يحذر قائلا: لا تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، وكأنه يضع يد الروح على بابها المغلق ويدعوها إلى الاتساع، لا إلى الذوبان، إلى أن ترى الاختلاف بوصفه تجليات لوجه واحد، لا ساحات قتال بين وجوه متناحرة.

في عالم يتشقق كل يوم باسم اليقين، تبدو استعادة سيرته نجاة من التيه، لأنه يعلّمنا أن الله لا يُختصر في نص ولا يُحتكر في مذهب ولا يُحاصر في تعريف، وأن المحبة ليست عاطفة رخوة بل معرفة عميقة ترى في الآخر مرآة، وأن الإنسان الكامل ليس كائنا معصوما بل قلبا اتسع حتى صار الكون كله في داخله. لذلك قال إن قلب العارف قابل لكل صورة، مرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن، لا ليخلط العقائد بل ليعلن أن الحقيقة أوسع من حدودنا الضيقة، وأن من عرف سرها لم يعد يخاف اختلافها بين البشر، بل رأى في اختلافهم ثراء لا تهديدا.

كان يؤمن أن للوجود ظاهرا وباطنا، وأن ما نراه ليس إلا ستارا رقيقا يخفي عمقا لا ينتهي، وأن المعرفة ليست تكديسا للمفاهيم بل انكشافا تدريجيا، كلما ظننت أنك بلغت منتهاه اكتشفت أنك في بدايته. ومن هنا كان طريقه بعيدا، لا لأنه معقد، بل لأنه يمر عبر القلب، والقلب أبعد مما نظن، يحتاج شجاعة الاعتراف بالقصور، وصدق الرغبة في الاتساع، وصبرا على التحول.

وحين أتأمل روحه العابرة للزمن أجد أن استدعاءه اليوم ليس ترفا ثقافيا بل ضرورة وجودية، لأنه يعيد ترتيب الداخل قبل أن يطالبنا بترتيب الخارج، يهمس لنا أن الطريق ليس طريقا على الأرض بل نورا يسري في القلب، وأن التيه ليس في كثرة الطرق بل في نسيان الوجهة، فإذا تذكر القلب وجهته صار كل شيء دليلا، وصارت الخصومة جهلا عابرا، وصار العالم كتابا مفتوحا لا ساحة مغلقة. عندها فقط نفهم أن النجاة ليست في الانسحاب من العالم بل في رؤيته بعين أوسع، وأن الروح حين تتسع لا تفقد وجهتها أبدا لأنها تصير هي نفسها وجهة.

لا أزعم أنني فهمت ابن عربي، لكنني أعلم أنني كلما عدت إليه خرجت أقل خوفا وأكثر رحمة، أقل انشغالا بإدانة الآخرين وأكثر انشغالا بتهذيب نفسي. كأن كلماته ليست شروحا للوجود بل قوارب نعبر بها بحر الحيرة، وكل عبور يخفف عنا وطأة التيه. وذلك هو سره، وربما سر الحياة نفسه: أن نتذكر أن الله أقرب إلينا مما نظن، وأن الطريق إليه لا يُقاس بالمسافة بل بالانتباه، وأن القلب، مهما بدا بعيدا، هو أقرب الطرق كلها.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع