محمود شاكر وطه حسين: حكاية علاقة ملتبسة

خصومة متوهَّمة وتأثير عظيم

طه حسين ومحمود شاكر

ممدوح فرّاج النابي

  “كانت الجامعة هي طه حسين”

محمود شاكر

          علاقة الدكتور طه حسين بالشيخ محمود شاكر، واحدة من أكثر العلاقات التباسًا في تاريخ الأدب العربي، ومرجع هذا الالتباس يعود إلى طبيعة العلاقة ذاتها، وما شابها من توترات ما بين السعي إليه، ثم الإعراض عنه، مرورًا بالقلق من أفكاره ووضع مسافة حذرة، وصولًا إلى التمرد عليه، ومخالفته في الكثير مما ذهب إليه، ونظرًا لهذه المخالفة في الأيديولوجيا والمنهج وتلقي النصوص (أو تذوق الشعر كما سماها شاكر)، أساء الكثير من الباحثين تأويل هذه العلاقة، وذهبوا فيها مذاهب بعيدة عن أصلها وطبيعتها، وما احتكمها من حبّ وتقدير وإكبار من جانب شاكر للعميد، وحدب وحنو وتقدير من جانب العميد لشاكر، بل اعتبروها خصومة بين الطرفين، على خلاف ما ذهب شاكر نفسه، ووصفها بأنها “خلاف بعيد الجذور، يبلغ حدّ التباين الكامل في الأصول” (عادل سيلمان، جمهرة مقالات محمود شاكر ج٢/١١٢٩)، وهناك مَن ذهب إلى اتهام الدكتور طه حسين، بأنه كان عقبة كؤود في حياة محمود شاكر العلميّة، مستندين إلى ذلك الخلاف الذي نشب بينهما في مقتبل عمر شاكر، عندما كان طالبًا في الجامعة يدرُس، وطه حسين أستاذًا له، وهَجْر شاكر الجامعة على إثره. أزمة الشعر الجاهلي جعلت ثورة شباب الطالب آنذاك محمود محمد شاكر تشتعل، فيندفع وينتقص من قدر أستاذه طه حسين، ووصفه بأحط صفة، ألا وهي السرقة، مستندًا إلى ما قرأه من بحث مارجليوث عن أصول الشعر العربي، الذي اعتبره شاكر / الطالب، الأصولَ التي اعتمد عليها طه حسين في محاضراته عن الشعر الجاهلي، دون أن يشير إلى مصدرها.

          ما تسعى إليه هذه المقالة – في أحد أهدافها الأساسية – هو استجلاء أو تفكيك العلاقة (التي تبدو متوترة لدى البعض إلى حدِّ الخصومة) بين الشيخ والأستاذ، وإظهار أنها لم تكن عداوة (أو خصومة) كما كان يحلو للبعض (من دراويش الشيخ)، وإنما كانت – في ظني – علاقة إيجابية (أو سجال فكري) ذات تأثير مباشر على الشيخ نفسه في تغيير مساره، وعلى كل ما أنتجه من أعمال، وكذلك على الثقافة العربية بصفة عامة، وقد وصفها سامي العجلان بأنها “تلاقح الأضداد”. (راجع، طه حسين الثاوي في محمود شاكر، تلاقح الأضداد، https://mana.net/17627/#_edn22“، وهو ما أميل إليه، بأن الأزمة أظهرت قوة تأثير العميد الإيجابي في الشيخ شاكر، وكيف وجد شاكر في أفكار العميد بكل ما تحمل من تضاد لفكره وأيديولوجيته، مُحرِّضًا له لأن يكون النقيض لها، وبالأحرى اكتشف شاكر نفسه من خلال تصادمه مع أفكار العميد.

          بداية، كان الشيخ الجليل على نحو ما تجلّى في كتاباته، والأوصاف التي وصف بها أستاذه؛ يجلُّ أستاذه، ويقدّره كثيرًا. أما السجالات التي دارت بينهما، فلم تكن إلا استجابة لقوة التأثير الذي أحدثه الأستاذ في تلميذه وفي أفكاره، ولولا قوة التأثير هذه، ووجود استجابة داخليه لدى الشيخ لها، أو على الأقل استعداد لتقبُّلها على ما بها من تناقض لأفكاره ومذهبه، لكان التلميذ انصرف عن متابعة أعمال أستاذه، بل على العكس تمًامًا، نراه يُولي ما يصدر عن أستاذه من أعمال وأحاديث، كلَّ اهتمام ومحبة، ويكتب عنها عروضًا ونقدًا في الصحف، بالطبع يختلف معها في بعض الأمور، وهو اختلاف لا يعني غياب التقدير أو الإعجاب، أو حتى الرفض المطلق لها، وإنما حوار وسجال؛ والاختلاف مع ما يطرحه العميد أيضًا في جانب منه، هو ثمرة من ثمار منهجه، الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، عندما اختبره في كتاب الأزمة “في الشعر الجاهلي” 1926، غرزه في أجيال معاصرة ولاحقة، تؤمن بإعمال العقل، والبعد عن النقل والتقليد، وحق الاختلاف لا الخلاف.

          الناقد المعنِّف

          على عكس ما يبدو ظاهريًّا من تناقض بين شخصيتي العميد وشاكر، يتراءى لي أن ثمة تشابهات وتقاطعات تجمع بينهما أكثر من تلك التي تفرقهما، فمثلما كان تكوين طه حسين في أولى مراحله أزهريًّا (وإن تجاوزه بالتكوين الغربي الحديث لاحقًا)، فمحمود شاكر أيضًا كان تكوينه أزهريًّا محافظًا وظل وفيًّا له، كما أن كليهما ينتمي فكريًّا إلى دروس الشيخ سيد بن على المرصفي، ومثلما كان طه حسين ناقدًا معنِّفًا، مارس نقدًا عنيفًا في الكثير من الآراء، التي قالها عن شخصيات عاصرها، أو في كتابات قرأها في مناسبات مختلفة، سواء جاءت على هيئة حوارات صحفية أو لقاءات تلفزيونية، أو مقالات في صحف؛ كانت عنيفة بعض الشيء، وهو ما يدخل بالعميد في دائرة الناقد الأبويّ المُعنِّف. وسبق أن عالجت هذه المسألة في كتاب “استرداد طه حسين” (دار خطوط وظلال، عمان، 2023)، وبيَّنت أنه قدَّم لنا نموذجًا لسلطة الناقد الأبويّة، صورة الناقد المعنِّف في حقيقة الأمر، هي جزءٌ من شخصية أو تكوين طه حسين، اللافت أنها صارت صفة ملازمة له، فلم تفارقه في كتاباته، وأيضًا في أحاديثه ومداعباته أو حتى سخريته. وقد أرجعت هذا العُنف الذي بدت عليه آراؤه إلى تكوينه الاجتماعي والفكري، فاتسمت أحكامه بالغلظة والقسوة، وعدم التهاون في الخطأ.

          في ظني أن محمود شاكر سَلَكَ مَسلك أستاذه، وصار هو الآخر ناقدًا معنِّفًا، في أحكامه وآرائه، وكتاباته، وأحاديثه ومجالسه أيضًا؛ ففي معظم كتاباته نرى صورة الناقد المعنِّف، معتمدًا على أسلوب السخرية والتهكُّم من خصومه، وهو أسلوب لم يعتمده طه حسين، بل كان حادًّا، وصارمًا في آرائه، ومثلما كان للتكوين الاجتماعي والفكري أثره البالغ فيما اتسمت به شخصية طه حسين، وانعكس على نقده، لا يختلف الأمر كثيرًا في حالة محمود شاكر؛ فالتكوين الاجتماعي كان له تأثيره فيما اتسم به من حِدَّةٍ وعنفٍ مع خصومه، ومَن اختلفوا معه في الرأي.

          طه حسين كانت عاهته هي السبب لاتخاذ العنف حيلة دفاعية ضدّ مَن يستهزؤون به، وشاكر- أيضًا – اتخذ العنف والحدة حيلة دفاعية لموارة النقص (بترك الجامعة) وعدم إتمام تعليمه مقارنة بأصدقائه محمود الخضيري وغيره، فسعى إلى أن يثبت أنه أفضل منهم، كما كان لطبيعة تنشئته أثر في إذكاء هذا العنف، فعلى نحو ما تروي عايدة الشريف في كتابها “محمود شاكر قصة قلم” عن طفولته نكتشف أنها أثرت كثيرًا عليه، فتروي نقلًا عن أخيه محمد قائلة: “كان لأخيه محمود مربية سودانية عصبية المزاج، وكانت إذا غضبت من أحد أفراد الأسرة، فإنها كانت تصعد به حيث حجرتها، فلا تدع أحدًا يحمله أو يداعبه، بل إنها كانت إذا انشغل الطاهي عن إرسال الطعام لها، فإنها تستنكف أن تطلبه… وبدلًا من ذلك تصطاد العصافير، وتشويها وتطعمه إياها، بل إنها جعلته يستسيغ أكل الحريف من توابل الطعام كالشطة وغيرها، والتي لازمته طوال حياته” (عايدة الشريف، حياة قلم، ص 169).

          هذه التربية التي نشأ عليها، جعلته محرومًا من طفولته، لم يعشها، وبلا شك فقد تأثَّر كثيرًا بسلوكيات مربيته، وقد انطبعت تصرفاتها عليه، فهي أكثر شخص يلازمه، بالإضافة إلى إن عدم عيش طفولته، جعله يعيشها مع ابنه فهر، فكما تقول عايدة الشريف: “وهذه الكلمات العفوية التي جاءت على لسان أخيه محمد، حلّت لي لغزًا شغلني كثيرًا أيام كان ابنه فهر طفلًا صغيرًا، فقد كان كلما جاء أحدهم بلعبة كهدية لفهر، فإن محمود شاكر الذي لم يعش طفولته، كان يحجز هذه الدمية عنه، خوفًا من أن يدمرها، بينما الحقيقة أن الأب كان يديرها خفية، ويعلب بها مرات ومرات، وأخيرًا يسلمها لفهر بعد أن يُعلِّمه طريقة تحريكها”.(عايدة الشريف، ص 170).

          لو تأمَّلنا هذه التربية القاسية التي تلقاها من مربيته السودانية، وسلوكياتها الغريبة التي طُبعت في ذهن الطفل، وما تبعها من حرمان لطفولته، وعدم شعوره بالحنان من أبويه، ثم علاقته الجافة بابنه، وسعيه لأن يرسم له نهجًا يتعارض مع سلوكيات مرحلة الطفولة، لو جدنا أن التربية القديمة قد آتت أكلها، بأن انغرست في وجدانه، وانطبع خُلقه وسلوكه بها، فصار سلطويًّا معنِّفًا، ومتحكمًا حتى على أقرب الناس إليه، ابنه، فحجز الدمية خوفًا من تحطيمها، مع أن عادة الطفل يلهو ويحطّم، خشية ألا يلتزم بأصول تشغيل الدمية، أي خوفًا من الخروج عن منهج والده، ولم يتركها له إلا عندما تيقَّن من أنه صار مُدرِكًا لآليات تشغيلها. فالحجر على سلوكيات الطفل، بمثابة الحجر على العقل في مرحلة اللهو وما يتبعها من تحطيم وتدمير للأشياء من أجل اكتشافها، فالحجر يرادف التحديد والتوجيه لعقل الطفل، ماذا يفعل؟ وكيف؟ ومتى؟ أي أنه يرسم له منهج اللعب واستخدام الدمية، ومن ثم لازمته هذه الصفة في معاركه، فكل مَن يخرج عن منهجه، هو مخالف له، والأمثلة على ذلك كثيرة. فهو يعتبر نفسه مُنذَرًا لمهمة سامية، فحسب قوله: “… ثم صار حقًّا عليّ واجبًا أن لا أُعرّج على بُنيّات الطريق، إلا بعد أن أجعل الطريق الأعظم الذي تشعّبتْ منه واضحًا لاحبًّا مُستبينًا” (شاكر، أباطيل وأسمار: ١٠-١١).

          ما كان يفعله مع طفله وهو صغير، ولازمه وهو كبير، وإيمانه بأنه مُنذَر لرسالة ما، تضخم فجعل من نفسه وصيًّا على الآخرين، فيقول في مقالة له في الرسالة (في العدد 346، لسنة 1940)، تحت عنوان تهكمي: هل يمكن؟ :”لقد جعلت مقامي في هذا الباب (يقصد باب الأدب في أسبوع) مقام المذكِّر الذي يُحبُّ أن يؤدِّي واجبه، لمن يقرأ كلامه، فأنا لا أستطيع إلا أن أتكلم بكلامي، إن أغضب مَن لا يرضى إلا بما يرضيه من الملق والدهان والمماسحة، ولقد انقضت أسابيع طوال من أسابيع الأدب، وأنا أزداد كل يوم شكًّا في مقدرة أدبائنا على الإنتاج الأدبي الرفيع، الذي يمكن أن يخلد في تاريخ الأدب، وقد تتبعت أقوال هؤلاء وأساليبهم، فلم أجد إلا كل ما يحفزني على المصارحة والنصح وإبداء الرأي مكشوفًا غير مكفَّن”.

          حالة السخط التي كان عليها الشيخ، والتي تحوّلت إلى تمرُّدٍ وعنفٍ، تعود أيضًا إلى أزمته في التعليم، ففي عام 1916 التحق بأوَّل مراحل التعليم بمدرسة الوالدة أم عباس، وقد اجتاز أوَّل امتحان في اللغة العربية، وهو على شفا الرسوب؛ لأنه كان يلقاها مع علوم الإسلام في آخر الحصص، بينما نجح بتفوق في الإنجليزية؛ حيث فُتن بحروفها الغريبة النطق، التي يتلقاها على الريق في أول حصة، وهذا كان من نتاج نظام التعليم الذي عرف بـ”نظام دنلوب”، وهو النظام الذي فرضه الاحتلال البريطاني على المؤسسات التعليمية في مصر، وكان سببًا لنكسة ونكبة الأمة العربية الإسلامية، فكَرِهَ التلاميذ اللغة العربية كراهية شديدة!! في المرحلة الابتدائية! وكان غرضه الأساسي هو تفريغ النشأ تفريغًا يكاد يكون كاملًا من ماضيه كلّه، من علومه، وآدابه، وفنونه! بهتك أكثر العلائق التي تربط التلاميذ بالماضي! اجتماعيًّا وثقافيًّا ولغويًّا، ومع ملء هذا الفراغ بالعلوم والآداب والفنون، ولكنها فنونهم هم وآدابهم هم وتاريخهم هم ولغاتهم هم أعني الغزاة”.) شاكر، المتنبي، (صفحة: 20-27) بتصرف)

          تكرَّرت صدمته في التعليم الذي تلقاه من مدارس دنلوب، وما نتجَ عنه من ضياع اللغة العربية على حساب اللغة الإنجليزية، عندما التحق بالجامعة، ووجد أستاذه يُردِّد كلام مرجليوث، ومن هنا كانت ثورته على أستاذه، فهو يعي جيدًا مخاطر هؤلاء، واعتبر كل مَن يسير على هذا النهج نصيرًا للمستعمر في محاولاته تغريب الطلاب، وهدم الدين والتراث العربي الإسلامي، فالمستشرقون (أو طائفة الأعاجم المستشرقين) عنده يفتقدون للشروط الثلاثة اللازمة لاستيعاب هذا التراث: بلغته، وثقافته، وصدق الانتماء إليه ومن ثم كانت حملته هوجاء عليهم، وعلى  كل أعوانهم في الحياة الثقافية، الذين كانوا سببًا في فسادها. ويمكن القول إن فشله في اللغة العربية في أوَّل مراحله التعليمية، كان سببه الاستعمار، وتركه للجامعة في مقتبل شبابه كان أيضًا بفضل الاستعمار، ولو بطريق غير مباشر؛ أي عن طريق أعوانهم وأنصارهم كما كان يصف المجدِّدين.

          النزاع القديم

          يبدأ سُوء الفهم لهذه العلاقة السجالية بين الشيخ والأستاذ من اتهام شاكر للعميد بالسرقة، وهو ما راج من قِبل دراويش شاكر، وسعوا إلى إثبات خصومة، وصلت إلى حد اللّد بينهما، خاصة بعدما أثبت شاكر الحكاية في مقدمة كتابه عن “المتنبي“. وصار من المُسلَّم به عداء الشيخ شاكر لطه حسين. الحقيقة أن اتهام شاكر لطه حسين، كان اتهامًا من قبل شاب مندفع ثائر حادّ المزاج في أول طور من أطوار حياته، خاصة أن مسألة الشك في الشعر الجاهلي، كانت أسبق من مرجليوث تاريخيًّا، سواء من حيث التناول النقدي لها عربيًّا من قبل الباحثين والمؤرخين والنقاد بدءًا من ابن هشام الأنصاري، وهو يُشكّك في مرويات ابن إسحاق كما وردت في السيرة، ثم ابن سلام الجمحي في طبقاته، والأصمعي، وصولاً إلى الجاحظ والسيوطي، أو غربيًّا من قبل المستشرقين، الذين قدَّموا بحوثًا سبقت ما تناوله مارجليوث، ويعتبر المستشرق الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) أوّل مَن تناول هذه المسألة بدراسة قدَّمها سنة 1847 بعنوان “بحث تاريخي ونظري في اللغات السامية بشكل عام وفي اللغة العبرية بشكل خاص”، ولكنه تراجع عن آرائه؛ بسبب شخصيته المترددة، وقلقه الدائم، وخشيته من صعوبة الموضوع.

           كما كان غائبًا عن شاكر أن مقالة مارجليوث جاءت تعقيبًا على مقالة ولهلم ألڤرت (1828- 1909، “ملاحظات عن صحة القصائد العربية القديمة” (1972)، وهو ما أكده مرجليوث نفسه بقوله إنه كتب مقالته كردّ على ما كتبه المستشرق الألماني فيلهلم ألڤرت والمستشرق الإنجليزي تشارلز ليل، حيث أورد في هامش المقالة ما يشير إلى ذلك حيث قال: “فموضوع هذا البحث سبق أن عالجه ألڤرت في رسالة مفردة بعنوان: “ملاحظات حول صحة القصائد العربية القديمة” (جريفسفلد سنة 1872)، والأهم من هذا وذاك، أن ما ردده مرجليوث من آراء حول الشك والانتحال، هي في الأصل أفكار مستقاة من ياقوت الحموي الذي ترجم كتابه “معجم الأدباء“، أي أنها بضاعتنا ردت إلينا.

          استعان شاكر في محاولة لتأكيد السرقة بصديق دراسته محمود الخضيري، الطالب بقسم الفلسفة، والذي كان يحضر معه محاضرات طه حسين حبًّا في دروسه؛ ليؤكد له ما جاش في صدره من تهمة السرقة، كي يثبتها على أستاذه، لكن كان لمحمود الخضيري رأي آخر، يتعلّق بالمنهج الذي اعتمده طه حسين، حسب إعلانه في المقدمة، بأنه اعتمد المنهج الديكارتي، وإذا بالخضيري لا يعلِّق على السرقة، وإنما على التأثُّر بمنهج ديكارت، وينفي أن يكون بين المنهجَين أي رابط من قريب أو من بعيد، بل هو “اتكاء فيه كثير من المغالطة، وفيه إرادة التخويل بذكر ديكارت الفيلسوف، وبما كتبه، وهو ما أثبته لاحقًا كثيرون ممن درسوا علاقة في كتابه “مقال عن المنهج”، وأن تطبيق الدكتور لهذا المنهج في محاضراته، ليس من منهج ديكارت في شيء”.(شاكر، المتنبي، ص 14).

          عاد مرة ثانية لهذه الأزمة، وإن كان وسّع دائرة اتهاماته لتشمل الشيخ محمد عبده، وهذه المرة تجاوز مسألة السرقة، وقصرها على كل ما يتصل بالطعن في الأزهر وما يُدرَّس فيه، واعتبر كتابات الشيخ محمد عبده وهو أستاذ طه حسين “أول صَدْع في تراث الأمة العربية الإسلامية، وأول دعوة لإسقاط تاريخ طويل من التأليف، وما كتبه علماء الأمة المتأخرون” (شاكر، أسرار البلاغة، ص 21)، ثم بعد هجمته على الشيخ محمد عبده وبيان تأثيره السلبي على دَارس التراث العربي الإسلامي، يَثب على طه حسين؛ ليعيد الأزمة القديمة، فيقول:” لم تكد هذه الجراحات تستشري قليلاً قليلًا، حتى جاء ما هو أدهى وأعظم بلاءً”، ثم يأخذ في استعراض تاريخ طه حسين منذ أن قدم من الصعيد، والتحق بالأزهر، ثم الجامعة المصرية، وسفره إلى البعثة، واصفًا هذه المسيرة التي قطعها الفتي الصعيدي، بأنه “كان فتى ذكيًّا، أديبًا محبًّا للظهوروالشهرة”، ومع ثنائه على طريقة عرضه لدرسه قائلًا: “فوجئنا جميعًا بالدكتور طه، وبصوته الجهير، وبألفاظه العذبة، وبحُسن تعبيره عن مقاصده، ثم بإنكاره صحة الشعر الجاهلي، والذي لم يسمع به أكثرنا، بل جُلّنا” (أسرار البلاغة: ص 22)،  إلا أنه لا ينسى الأثر السلبي الذي وقع عليه من حديث الدكتور عليه، فيقول: “وأنا وحدي من بين جميع زملائي، تجرعت الغيظ بحتًا، ووقعت في ظلام يُفضي إلى ظلام، وفي حَيرة تجرّني إلى حَيرة، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمتي، وفي رُواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسري القرآن، ورواة الحديث، وبقيت أتلدّد يمينًا وشمالًا زمنًا متطاولًا” (أسرار البلاغة: ص 23).

          عاد شاكر إلى موضوع السرقة من جديد، ولكن ليس متهمًا العميد بسرقة شخص آخر، وإنما بسرقة كتابه الذي نشرته المقتطف عام 1937 عن المتنبي بمناسبة مرور ألف سنة على موته؛ حيث أخرج العميد في عام 1937 كتابًا في شهر يناير 1937 نشرته له لجنة التأليف والنشر بعنوان “مع المتنبي” في سبعمائة صفحة وإحدى عشرة صفحة، كما وصفها شاكر “كلها جيد النسق، جميل الرونق” (شاكر، المتنبي، ص “399). هنا خرج شاكر وعاد إلى ثورة مقتبل العمر، وكتب في البلاغ سلسلة مقالات بعنوان “بيني وبين طه” (جريدة البلاغ، 1937)، كانت المقالة الأولى ردًّا على ما كتبه طه حسين من أن أبا الطيب لقيط لا يعرف أباه. بدأ المقالة بتوقير العميد، وإجلال مكانته الأدبية والعلمية، هكذا: “نشر الأستاذ الجليل، عميد الأدب العربي بالجامعة المصرية، الدكتور طه حسين بك كتابًا سماه مع المتنبي، ….وقد عشت مع المتنبي زمنًا يطول أو يقصر، كما عاش معه الدكتور الجليل، وكتبت عنه كتابًا متواضعًا في مئة وسبعين صفحة من القطع الكبير، نشره المقتطف في أول شهر يناير سنة 1936، لذكرى ألف سنة مضت على مقتل أبي الطيب، كما كتب عنه الدكتور الجليل كتابًا فخمًا”، هكذا تحدّث عن العميد بتقدير واحترام ، معترفًا بمكانته، وموقرًا لاسمه، وفي الوقت ذاته أظهر نفسه متواضعًا أمام جهد الدكتور وعمله، لاحظ  وصفه لكتابه: “كتابًا متواضعًا في مئة وسبعين صفحة”، مقارنة بوصف كتاب العميد “كتابًا فخمًا”.

          ومع هذا يُلمِّح في مقالته الأولى (بتاريخ 13 فبراير) إلى سرقة طه حسين لكتابه، بضرب بعض الأمثلة على السرقات التي حدثت في الأدب العربي، ومن فطاحل الأدب كالفرزدق، وبعدها يبدأ مناقشة تبدو ثائرة نحو ما كتبه طه حسين عن المتنبي، المسألة الأولى التي يشرحها، مسألة نسب المتنبي، التي ذهب فيها طه حسين في كتابه إلى الشك في نسبه. وهنا يثور شاكر، محاولًا البحث عن الأسباب التي دفعته إلى الشك، على نحو ما فعل في كتابه “في الشعر الجاهلي” 1926. لكن ينتهي شاكر من بحثه إلى لا سبب، أو بعبارته على لسان طه حسين “لا أدري”، لكن ما إن صدرت المقالات في كتاب عام 1977 حتى صار التلميح اتهامًا مباشرًا، فيقول في مقدمة الكتاب وقد حدد طريقته تحديدًا، بأن يواجه الدكتور طه حسين بثلاث حقائق:

          الحقيقة الأولى: أنه في أكثر أعماله “يسطو” على أعمال الناس سطوًا عُريانًا أحيانًا، أو سطوًا متلفِّعًا بالتذاكي والاستعلاء والعجُب أحيانًا أخرى.

          الحقيقة الثانية، أنه لا بصر له بالشعر، ولا يُحسِن تذوقه على الوجه الذي يُتيح للكاتب أن يستخرج دفائنه وبواطنه، دون أن يقع في التدليس والتلفيق.

          والحقيقة الثالثة، أن منطقه في كلامه مختل، وأنه يستره بالتكرار والترداد والثرثرة” (شاكر، المتنبي، ص 105). وينتهي بعد هذا إلى القول إن “كتاب مع المتنبي هو في الحقيقة حاشية كبرى على ثلاثة كتب: أولها كتابي، ثم كتاب الأستاذ عزام، ثم كتاب بلاشير عن المتنبي” (شاكر، المتنبي، ص 108).

          مقالات البلاغ 1937(الاثنتا عشرة) جميعها اختلاف حول آراء طه حسين التي ذكرها في كتابه “مع المتنبي”، لم يشر فيها إلى مواضع سرقة طه حسين منه، وإنما إشارات إلى اختلاف بين المنهجين، كشكّ طه في نسبه، ونشأة المتنبي في الكوفة وصلته بالعلويين، وقد اعتبرها دليلًا على فرق بين منهجه ومنهج طه حسين العقيم (البلاغ، 1937، ص 487)، أما عن قرمطية المتنبي التي ادعاه طه حسين، فذكر أنها بلا دليل، وأنها من تأثّر الدكتور بـ “تخليط المستشرق بلاشير”(البلاغ، 1937، ص 511)، أما أقصى اتهام وجهه لطه حسين فمتعلِّق بشعر المتنبي في صباه، فهو “دال على المنهج الانفعالي غير الناضج في فهم الشعر”، وهو ما كرّره مرة ثانية عن إغفال الدكتور مقدمات القصائد التي كتبها المتنبي نفسه، وهو ما آل به إلى “استنباط معانٍ في الشعر لا قيمة لها من شعر المتنبي في صباه” (البلاغ، 1937، ص: 479، 504، 521)، أما عن مواضع السرقة فلا ذكر لها.

          وكذلك لو تأمَّلنا ما كتبه شاكر في المقتطف من مقالات متأخرة، بعنوان “المتنبي ليتني ما عرفته” (الثقافة، 1978)، والتي اختلف فيها مع ما ذكره عبد العزيز الدسوقي، من رفض لما جاء من اتهام الدكتور طه بأنه سطا على كتابه، نجد أن ما سماه سرقه، لا ينطوي على سرقة ما، بقدر ما هو اختلاف في عملية التذوق الفني وفهم للنصوص وتأويلها، وهي بكل تأكيد تختلف وفقًا للأصول والمرجعيات الفكرية التي ينتمي إليها كل منهما، والغريب أنه لم يُحدِّد مواضع السرقة (أيضًا) التي قام بها طه حسين في كتابه حسب قوله، وإنما حدَّد مواضع الاختلاف بينهما، وقد حصرها في مواضع ثلاثة هي: نسبه، ورأى أنه علوي النسب، وأن مأساة حياته تمثلت في إخفاء هذا النسب، وأن المتنبي لم يدَّعِ النبوة، وإنما حُبس من أجل إظهار نسبه العلوي، وأنه كان يحب خولة أخت سيف الدولة، وهي المسائل التي كان لطه حسين رأي آخر فيها، والاختلافات التي أظهرها الشيخ، في حقيقتها هي اختلافات في قضايا، لا ترقى إلى الحقائق التاريخية، هي مجرد استنتاجات ذهب طه حسين إلى خلاف ما قال، وبالمثل سعيد الأفغاني، ومحمد هاشم عطية المدرس بدار العلوم، وعبد الوهاب عزام، وما أظهره من آراء هي الأخرى مجرد استنتاجات، لا ترقى إلى الحقائق التاريخية. وبعد المقالة الأولى نراه يستفيض إلى مفهومه للتذوق ورؤيته له، وتاريخ علاقته بالتذوق، … إلخ من حديث يتصل اتصالًا وثيقًا بمنهجه، وطريقة قراءته للنصوص دون أن نظفر بمواضع السرقة.

          محاولة للفهم

          الحقيقة أن معظم (باستثناء سامي العجلان) مَن تناولوا العلاقة بين الشيخ والأستاذ، وصفوها بالخصومة، على الرغم من أن الشيخ شاكر نفسه نفي أن يكون بينه وبين العميد أية خصومة، فكما يقول: “كلّ ما قلتُ من ذلك محدود بمواضع نقدي لنصوص من كلامه، لا ينسحب شيء منه انسحابًا مطلقًا على كل كلامٍ يكتبه، ولا على شخصه، من حيث هو أستاذ من الأساتذة الكبار” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/1122). والدليل عندي أقوال الشيخ نفسه، وما كتبه عن علاقته بالدكتور طه حسين، من قبل أن يلتحق بالجامعة، والغريب أن معظم مَن تناولوا العلاقة الإشكالية بين الرجلين بما يُمثِّله كلا منهما من اختلاف في المنهج وطريقة النظر في النصوص؛ فالعميد يمثِّل مدرسة التجديد، في حين شاكر يمثِّل مدرسة المحافظة، تناسوا أولًا طبيعة الاختلاف بين المدرستَين، وهو ناتج عن اختلاف في التكوين الفكري لكل منهما؛ فطه حسين رغم أنه درس في الأزهر، إلا أنه اتصل بالعلوم الحديثة عندما التحق بالجامعة، ودرس علي يد المستشرقين، ثم سافر إلى بعثة إلى فرنسا، وكان أكثر التصاقًا بعلوم الغرب ومعارفه ومناهجه، أما الشيخ شاكر فتكوينه كله أزهري، وعندما التحق بالجامعة صدَّ عن المناهج الحديثة، بعد أزمته مع الدكتور طه، معلنًا رفضه لهذه المناهج: “… فلم أجد لنفسي خلاصًا إلا أن أرفض متخوفًا حذرًا، شيئًا فشيئًا، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي كانت يومئذٍ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوِّض كل قائم في نفسي وفي فطرتي” (شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، مكتبة الخانجي، 1987، ص 6)، وانصرف عنها كلية إلى التراث، بعد أن سخط على مدارس مصر لتدريسها وفق منهج دنلوب، حسب قوله “سرت في الطريق وحدي، منفردًا عن ركب الغرباء” (عايدة الشريف، حياة قلم، كتاب الهلال، ص 181).

          ومن جانب ثانٍ أغفلوا ما مرَّره شاكر في معظم كتاباته (من اقتطاعات سيرية) عن هذه العلاقة، وكيف تكوَّنت، فالرجل لا يجد فرصة سانحة إلا ويذكر بداية علاقته بالدكتور طه حسين، وكأنه يتغنَّى بها، وقد أرجعها إلى عام 1923، و1924 عندما كان يقرأ على شيخه سيد بن على المرصفي (وهو أستاذ طه حسين أيضًا) ما كان يكتبه طه في صحيفة السياسة، تحت عنوان “حديث الأربعاء”، ومن هذه المقالات كانت بداية التلاقي والتضاد في آنٍ واحدٍ، فكما يقول: “فجاء يومًا على لساني وأنا عند الشيخ ذكر الدكتور طه، فعرفت من الشيخ أنه كان يقرأ عليه ما كنا نقرأه عليه، وبهذا النسب القريب، كما يقول أبو تمام تاقت نفسي إلى معرفة الدكتور طه، فسعيت إليه سعيًّا، وعرفته من يومئذ عن قرب، كنت صغيرًا، وكان هو في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، ومع هذا التفاوت في السن، فقد قرَّبني الرجل إليه حتى اطمأن قلبي وانطلق لساني، فبجرأة الشباب، كنت أخالفه أحيانًا كثيرة فيما يكتب، وبجهل الشباب أيضًا أحاوره، وأجادله بقليل علمي. وكان بيِّنًّا عندي، وعنده أيضًا، أن مقالاته في “حديث الأربعاء” كانت تنطوي على “استلهام” شديد مفرط من آراء طائفة الأعاجم المستشرقين (…) وعلى “استعارة” منهم مغرقة ملتهمة، على تعبير شاعرنا القديم الذي هجر الشعر، وتفرغ للكتابة، الأستاذ كمال النجمي، أو على “استلال في خفة” على حد تعبير الأستاذ كمال أيضًا، ومع كل ذلك فقد استمرت مودتي لأستاذنا الدكتور طه صافية، لم يكدرها خلافي عليه، أو جهل شبابي عليه أحيانًا. ولم يكن “الاستلهام” أو لهذه “الاستعارة”، أو لهذا “الاستهلال في خفة” أثر يبلغ من قوته، أن يحدث بيني وبينه (خصومة) لا في نفسي، ولا في نفسه هو أيضًا. وظل الأمر بيننا سهوًا رهوًا (أي ساكنًا لينًا كنسيم الصبا)، حتى جاء عهد التحاقي بالجامعة، فغمرني الدكتور طه بفضله، وقيدني بإحسانه، وأحسن الشهادة لي عند مدير الجامعة، ثم أصر إصرارًا حتى غلبه، فبإصراره صرت طالبًا في الجامعة” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1103).

          هذا ما كتبه شاكر بنفسه في جريدة البلاغ، وقد دفعه إلى هذا الاعتراف، أو ما أعتبره شهادة تنفي مزاعم المتربصين بطه حسين، والمستغلين لما بينهما من خلاف في الرأي والفكر، ما كتبه الدكتور عبد العزيز الدسوقي في مجلة الثقافة عام 1978، تحت عنوان “بين طه حسين ومحمود شاكر“، بعدما وصف العلاقة بينهما على أنها خصومة، قبل أن أجلي باقي شهادة شاكر، وقرائنه على نفي هذه الخصومة، أقف عند هذه الشهادة، لأستجلي منها بعض النقاط المهمة، التي تكشف لنا طبيعة العلاقة وأسباب تحولاتها.

  1. ما كتبه محمود شاكر، يُعدُّ وفقًا للمواثيق الكتابة الذاتية، اعترافًا أو شهادة، ومن ثم لا رأي يعلو رأيه، ومع هذا لم يأخذ دراويش محمود شاكر بهذا الاعتراف أو الشهادة، وهم يكيلون الاتهامات لطه حسين، ويلصقون بمحمود شاكر ما لم يقله، أو يعترف به على الرجل.
  2. الشهادة جاءت متأخرة نسبيًّا بعدما خاض في العلاقة كل من لا ناقة ولا جمل فيها، وقد كتبها محمود شاكر في عام 1978، بعدما أثاره ما كتبه الدكتور عبد العزيز الدسوقي في مقالاته بمجلة الثقافة تحت عنوان “بين طه حسين ومحمود شاكر“، وأصل المقالات مقارنة بين ما كتبه الدكتور طه حسين ومحمود شاكر عن المتنبي. ومن ثمّ لم تكن هذه الشهادة (أو الاعتراف) في أوار أزمة الشعر الجاهلي، وإنما بعد ما أنقضي ما انقضى، وانتقل الدكتور طه حسين إلى الرفيق الأعلى. ومن ثم تعتبر هذه الشهادة ليس نوعًا من المجاملة، وإنما لفكّ التباس عشَّش في نفوس الكثيرين، متخذين من الاختلاف في المنهج، ذريعة لأن يبنوا عليه خصومة غير متواجدة، أو متحققة بأي شكل من الأشكال.
  3. أظهرت الشهادة عمق العلاقة بين الشيخ والأستاذ، وامتدادها، فلم تقف عند فترة معينة من سني عمريهما، كما تكشف عن إعجاب الشيخ بما كان يكتبه الأستاذ، وإن اختلف معه، فالاختلاف في الرأي لا يعد خصومة!
  4. أظهرت الشهادة (أو الاعتراف) موقف محمود شاكر ومنهجه من فكر المستشرقين، وهذا ظاهر في وصفه لهم بالأعاجم المستشرقين، وهو موقف لم يَحِد عنه، بل اعتبر في مقدمة كتابه عن “المتنبي“، وكذلك في كتابه “أباطيل وأسمار” أن أحد أسباب فساد الثقافة العربية، هو ما أدخله المستشرقون، وما كان من تداعيات الاحتلال البريطاني على مصر وخاصة في مجال التعليم، واعتبر شاكر أن الاتجاه الذي يمثِّله طه حسين، ويدرس به التراث العربي ممثلاً لـ”خبثاء المبشرين الذين يكتبون بالقلم العربي” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/1049). وهو ما تكرر في معركته مع لويس عوض.
  5. تكشف الشهادة عن موقف مبكّر من محمود شاكر ضد طه حسين، منذ أن كان يكتب في جريدة السياسة، واعتبار ما يكتبه بمثابة استلهام بصيغة مخففة عما جاء لاحقًا في الشعر الجاهلي، والمتنبي. وموقف شاكر بكل حدته وعنفه، مستقى من أيديولوجيته الإسلامية، الرافضة لكل ما يتصل بأفكار المستشرقين وأعوانهم.
  6. نظرة محمود شاكر لما يكتبه طه حسين، لم تختلف منذ أن تعرَّف عليه، فقط بحكم السن، فلم تكن لديه الجرأة لوصم ما يكتبه بالسرقة على نحو ما حدث في مقالات الثقافة عام 1978، وإنما تدرجت إلى استخدام مفردات مثل استلهام، واستعار بعض المصطلحات من الآخرين مثل: “استعارة أو استلال في خفة” كما ذكر كمال النجمي، ثم تحولت هذه المفردات إلى سطو صريح عندما استمع إلى محاضرات العميد، ورأى شاكر أنه سطا “سطوًا كريهًا” على مقالة المستشرق الأجنبي مارجليوث التي نشرها في المجلة الآسيوية عام 1925، وأعاره إياها أستاذه محمود تيمور، إلى أن انتهى الاستلهام والاستعارة إلى سرقة صريحة في كتابه المتنبي.
  7. تظهر الشهادة (أو الاعتراف) على الرغم من الاختلافات، التي يُبديها شاكر لما يكتبه طه حسين، قدرًا من الاحترام والتقدير، ليس بسبب فضله عليه الذي ذكره، بأن كان سببًا في التحاقه بالدراسة في كلية الآداب، وإنما تقديرٌ لعلمه ومكانته، فصيغة الخطاب تتسم بالاتزان والتوقير لمقام العميد، فلا يأتي اسمه مجردًا، وإنما موصوفًا بما كان يُنادى به من قبل الجميع.
  8. لم يثبت شاكر في شهادته أو اعترافه أن ما بينه وبين طه حسين خصومة، بل نفي هذا، وإنما أعاد التسمية الصحيحة للعلاقة بأنها محاورة وجدال، وهو ما يدخل في دائرة السجالات الثقافية.

دحض الاتهامات

          عمد محمود شاكر في هذه الشهادة إلى نفي اتهامَين خطيرَين، ومع الأسف ما زال الجميع من دراويش شاكر يرددونهما في مقالاتهم، وكتاباتهم؛ الاتهام الأول، هو الخصومة بينه وبين الدكتور طه حسين، والاتهام الثاني، وصف الدكتور طه حسين بالجهل.

          بالنسبة للاتهام الأول، فقد ورد في مقالة عبد العزيز الدسوقي، مستنكرًا ما وصف به شاكر طه حسين، فقال: “إنه لشيء محزن أن يصل (اللّد في الخصومة) حدًّا يجعلنا أن نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه رجل جاهل، ليس له بصر يتذوق الشعر” (عبد العزيز الدسوقي: مجلة الثقافة، مارس 19785)، فهب الشيخ محمود شاكر فزعًا، مستنكرًا هذا الاتهام، وكتب مقالات في مجلة الثقافة (بدأها في العدد 60 سبتمبر 1978) بعنوان “المتنبي ليتني ما عرفته“، رافضًا أن تُوسم علاقته بطه حسين بـالخصومة، فقال موجهًا حديثه إلى الدكتور عبد العزيز الدسوقي: “… ذكرتَ “اللدد في الخصومة” بيني وبين الدكتور طه، ورتبتَ عليه ما رتبتَ، فأحب أن تعلم، قبل كل شيء، إنه لم تكن بيني وبينه (خصومة) قط، حتى يكون فيها (لدد)، وأنت الآن تضطرني إلى تعقّب هذه (الخصومة) من عند جذورها الأولى، إلى أن كتبت كتابي عن المتنبي، ثم ما كان بعد ذلك بيننا إلى أن قضى الدكتور طه نحبه” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1096).

          هذه الإثارة دفعت الشيخ شاكر إلى استعادة علاقته بالدكتور طه، وبداية معرفته به، ثم مشيدًا بدوره معه أو فضله عندما ساعده على الالتحاق بالجامعة، ومن هذه اللحظة التي حطّم فيها الدكتور طه إصرار مدير الجامعة آنذاك أحمد لطفي السيد، صار له بمنزلة الأخ الأكبر، ثم علاقته به وهو أستاذه في الجامعة فكما يقول: “كنت طالبًا، وكان أستاذًا، وكانت هيبة الأستاذية وتوقيرها أدبًا ننشأ عليه منذ نعومة أظفارنا” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1097). لا يكتفي بهذا الاعتراف الصريح، وإنما يعود إلى جذور المسألة، ويقصد أزمة محاضرات في الشعر الجاهلي، ويقول: “إن قضية الشعر الجاهلي، هي قضيتي أنا وحدي، ومعناها عندي معنى قائم في نفسي أنا وحدي، ومهما يكن من شأن المآزق المهلكة، والمتالف المبيرة التي لم أنج من شرها وعقابيلها إلا بتوفيق من الله وحده، وعصمته، فأنا وحدي أشقيت نفسي بها، ولم يكن للدكتور طه فيها جريرة، ولا كان له فيها ذنب جناه عليّ حتى أخاصمه على هذه الجناية”.

          أما الذي قلتُ لكَ من أن للدكتور طه بهذه القضية “ارتباطًا ما”: فسأبيّنه، لأزيل الضباب الذي يخلط بين معنيَين متباينَين، ولتعلم أيضًا أن هذا الارتباط لا يمكن أن يكون سببًا في خصومة، ولا كان فيه ظل من (خصومة) مع أني أظنه كان واضحًا في مقدمة كتابي “المتنبي” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/1099). وبعد أن يستعرض وقائع ما حدث في مسألة الشعر الجاهلي، ينتهي إلى القول: “وإذن فهي لم تكن قادرة في ذاتها على إثارتي، أو إثارة خصومة بيني وبين صاحبها الدكتور طه، ولم يكن لها عندي أثر سوى ما بينَّتُه في كتابي …”.

          وبعد هذا الاستجلاء لطبيعة الأزمة وأثرها عليه، ونفيه أن تكون سببًا في خصومة، يعود ليؤكد هذا المعنى من جديد بصيغة أكثر حزمًا: “إذن، فبيِّن أن “مسألة الشعر الجاهلي” بهذا القدر الذي وصفته لك آنفًا، هي أولًا وقبل كل شيء، مباينة تمام المباينة للذي أسميه “قضية الشعر الجاهلي”، ثم هي ثانيًا بهذا القدر نفسه، مسألة كانت في ذاتها غير قادرة على أن تنشئ بيني وبين الدكتور طه (خصومة)، وأيضًا، لم يكن لها، لا بالفعل، ولا بالقوة في نفسي أو في قلبي أو عقلي، أو في شيء مما أكتب، أثر يمكن أن يُحرِّك (خصومة) وإذا كنتُ ممن يخاصم الناس على آرائهم، لا ممن يخاصم الآراء نفسها: وكان لمثل هذه (المسألة) قدرة على إنشاء (خصومة): فأولى الناس بخصومتي هو مرجليوث نفسه صاحب (المسألة) وصاحب (المتن)، وصاحب “حاشية” على هذا “المتن”، لا أكثر ولا أقل.  بيديهة العقل، لا ينال الناقل صاحب الحاشية من خصومتي عندئذ، إلا قدر ضئيل كاب لا يستحق أن يسمى (خصومة). وإذا كان ذلك كذلك، فالدكتور طه ينبغي – بلا شك – أن يكون بنجوة من خصومتي، أو من ضراوتها، أو جورها على الأقل” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1101).

          أما الاتهام الثاني، أن طه حسين رجل جاهل، فأنكره شاكر، وقال موجِّهًا كلامه للدسوقي: “… أنت تعرفني بلا شك، وتعرف الدكتور طه أيضًا، أليس كذلك؟ فهل تتصوَّر أنه لو كان الدكتور طه عندي (رجلًا جاهلًا)، هل تتصوّر أني كنت أخاطبه أو أبالي به؟ ” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1121). ويعود مرة ثانية لنفيه هذا القول فيقول: “رجل جاهل! لم أستعمل هذا قط في حديثي عن الدكتور طه: فليس لك بحق أن تقول إني قلته، لا استخراجًا من فحوى كلماتي، ولا استئناسًا بأني خاطبت مرة (رجلًا جاهلًا). هذا عن الخصومة التي اخترعها دراويش شاكر، والناقمون على طه حسين، استغلوا الخلاف الفكري لينسجوا حكايات عن خصومة بين علمَين من أعلام الثقافة العربية، كل في مجاله، طه حسين في الدراسات الأدبية، ومحمود شاكر في تحقيق التراث العربي الإسلامي، والذّود عنه بكل ما أتي من قوة، وبعنف المحبِّ لدينه وتراثه.

          المحنة وقوة التأثير

          دأب شاكر على وصف ما حدث بينه وبين طه حسين على أنه محنة نفسية ألَّمت به، رمى نفسه في أهوالها، وكادت أن تفضي به إلى الهلاك، فحسب قوله: “كنت أقف على شفا حفرة من النار، لو زلّت بي قدم لهويتُ على نار لا قرار لها سبعين خريفًا” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1127)، ومن شدّة هولها عليه ما برحت تفارقه، وعلى إثر هذه المحنة ترك الجامعة بعد أن “تقوّض معنى الجامعة وأصبح حطامًا”، ثم رحل إلى بلاد الحجاز وأقام فيها سنتين، كما ظل أثرها ملازمًا له، يرددها في كل كتاباته، وعلى روّاد مجلسه، بأنها “رجّة زلزلت نفسه”، لكن في حقيقة الأمر لا يمكن اعتبارها بمثل ما تصوّر وبالغ في ادعائه، وإنما – في ظني – بمثابة أزمة صحيّة، رجّت روحه وعقله معًا، وذات تأثير فعّال عليه بصفة مباشرة، وعلى التراث العربي الإسلامي بصفة عامة، أثرها الإيجابي يكشف عن قوة التأثير الذي لعبه طه حسين على كتاباته، فما لم يرقه من أفكار طه حسين؛ دفعه لأن يبحث عما يستقيم مع ذوقه، وعقله ومنهجه الجديد الذي استخلصه من فترة قراءات الأزمة.

          كان طه حسين (النقيض لشاكر منهجيًّا ومرجعيًّا)، بمثابة المحفّز (أو المحرّض) له في كل ما كتب في مقالاته (التي جاءت تعقيبًا على محاضراته التي كان يُلقيها هنا أوهناك)، أو في اتجاهه إلى التراث العربي الإسلامي وتحقيق مخطوطاته، جميعها كانت استجابة لما أثاره طه حسين من قضايا سواء أكانت اجتماعية أو أدبية أو فكرية؛ أي أن كل ما كتبه شاكر كان ردّة فعل (أو استجابة) لهذه الكتابات وتلك الأحاديث والأفكار،  فكما يقول سامي العجلان: “إن أفكار طه صادفت من شاكر قلبًا غضًّا، فأوقدتْ جذوته، وعقلًا موارًا فاستفزت كبرياءه، ونفسًا مطمئنة إلى ما لديها، فأقلقتْها وأفزعتْها، ودفعتْها إلى الاستقراء الجذري للأصول، بغية الوصول إلى المنهج التراثي الخبيء الذي يوحّد شتات العلوم، فكانت “رحلة طويلة جدًا، وبعيدة جدًا، وشاقّة جدًا، ومثيرة جدًا”. (سامي العجلان، طه حسين الثاوي في محمود شاكر https://mana.net/17627/#_edn25 )، وهذا كلام منطقي جدًّا، وأثمنه.

          فلنتأمّل التأثير السيء (كما ظن) الذي انطبع في داخله من تدريس الدكتور طه حسين للشعر الجاهلي في الجامعة، ورجَّ حياته رجًّا شديدًا، كيف استجاب له شاكر، وكيف كان تأثيره البالغ في تغيير مسار حياته كليّةً، فما حدث “دفعه كي يعيد النظر في كتب السلف المتقدمين” (أسرار البلاغة، ص 17)، أي أن لطه حسين إيجابياته عليه، بأن حفَّزه، وشحذ عقله، بالرجوع إلى التراث، ولو بمنهج مغاير لمنهجه، وهذا المعنى أشار إليه شاكر نفسه، وهو يستعرض جدلية علاقته بالدكتور طه حسين، خاصة بعد أزمة في الشعر الجاهلي، فيقول: “.. ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانًا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينًا وشمالًا في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن سطوه على مقالة مرجليوث، صارف همِّي كله إلى موضوع “المنهج والشك”، وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوِّقة مستوّعِبة ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والإسلامي …”(جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1105).

          يستمر شاكر في إظهار أثر الرَّجّة المعنوي أو الإيجابي عليه، قائلًا “فأقدمت إقدام الشاب الجريء على قراءة كل ما يقع تحت يدي من كتب أسلافنا … فرأيت عجبًا من العجب” (شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 8)، ومرة ثانية يقول : “بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذ على الأصح، قراءة متأنية طويلة الأناة عند كل لفظ ومعنى، كأني أُقلِّبها بعقلي واروزها (أي أزنها مختبرًا) بقلبي وأحسُّها جسًا ببصري وببصيرتي وكأني أريد أن أتحسّسَها بيدي وأستنشئ (أي أشم) ما يفوح منها بأنفي وأسمع دبيب الحياة الخفي فيها بأذني، ثم أتذوَّقها تذوقًا بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئًا قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته وأتدسَّس إلى دفين قد سقط من الشاعر، عفوًا أو سهوًا تحت نظم كلماته ومعانيه دون قصد منه أو تعمُّد أو إرادة” (شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص 6).

          ها هو شاكر يعترف بقوة التأثير (أو الاستجابة) التي خلقها طه حسين في نفسه، وكيف دفعه هذا الجدال إلى قراءة الشعر الجاهلي، والأموي والعباسي، محاولًا استكشاف الفروق بينهما، معتمدًا على التذوق، وهو ما يشير إلى فارق جوهري بين منهج العميد، الذي يتوَّسد بأصول مناهج حديثة في قراءاته، ومنهج شاكر القائم على التذوّق، وشتان بين القراءة القائمة على أصول منهجيَّة، وتلك التي تعتمد على التذوق، فطه حسين لا يحب المتنبي، فحسب قوله: “وليس المتنبي مع هذا مِن أحب الشعراء إليّ وآثرهم عندي، ولعله بعيد كل البعد أن يبلغ من نفسي منزلة الحب أو الإيثار” (طه حسين، مع المتنبي، ط دار المعارف بمصر، 1949، ص 9)، ومع هذا كتب دراسة عنه، فالغلبة عنده كانت للأسس التي فرضها المنهج العلمي الذي التزم به في كتاباته، لا مدى إحساسه وعاطفته نحو الشاعر، فلو انجرف نحو عاطفته من عدم حبه للمتنبي، لما كتب عنه كلمة واحدة.  

          في المقابل إن طه حسين لم يجد فيما قاله شاكر في محاضراته وفي ما كتبه عن “الشعر الجاهلي”، ولا فيما كتبه من مقالات لاحقًا بعدما صدر كتابه عن المتنبي، أيّة خصومة، بل باعتراف شاكر نفسه، أنه كان دائم السؤال عنه، ويتصل به لمقابلته، وبكل صراحة يقول عندما توسطت عند طه حسين لصديق يعمل مدرسًا في مسألة من المسائل، وكان هذا الصديق قد كتب عن كتاب الدكتور نقدًا لاذعًا، فاستجاب طه حسين لوساطته، ولكن لما عرف الاسم رفض، فخرج شاكر غاضبًا، وإذا بطه حسين يأمر سكرتيره بأن يناديه، وأترك شاكر يكمل الحكاية: “فرجعت، فأجلسني وقال: ما لكَ أيها الصعيدي! فقلت مسرعًا ببقية الغضب التي في نفسي: إنك ترفضه، لا لأنه كتب عنك، بل لأن ما كتبه ذكّرك بما كتبت أنا عنك! (وأعني مقالاتي عن المتنبي). فقال: لا، يا شيخ، أتظن هذا؟ وانفثأ غضبه وظل يضحك ملء فيه. بدأ يحدثني عن هذه المقالات، وكيف كان يقرؤها؟ وعمّا كان يحدث بينه وبين بعض أصدقائه كلما ظهرت مقالة في البلاغ، وقال ما قال عن هذه المقالات، فأدهشني ما قاله” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1114).

          ما طرحه شاكر من اختلافات وإن استخدمها البعض قرينة على معركة ثأر قديمة أو خصومة عنيفة بين الشيخ والعميد، أو التلميذ والأستاذ، في نظري كانت أشبه بسجال فكري بين المحافظين والمجددين حول شخصية المتنبي، لكل منهما منهجه، ورأيه الخاص، وذائقته في شعر المتنبي، بما لديه من قرائن تؤكد وجهة نظره، وليس رفضًا أو اعتراضًا على ما كتب، على عكس ما فعله مع لويس عوض عندما كتب عن أبي العلاء المعري تحت عنوان “على هامش الغفران”، فاعتبرها شاكر مجرد أباطيل وأسمار، وهو ما يؤكده شاكر في المقالة الثانية (العدد 61، أكتوبر 1978) التي كانت ردًّا على ما كتبه الدكتور عبد العزيز الدسوقي، بعد أن نفي الخصومة، يقول: “لم تكن بيني وبين الدكتور طه نفسه (خصومة) ما منذ عرفته إلى أن أفضى إلى ربه. نعم، ولكن نَفْي هذه (الخصومة) لا يعني البتة إني راضٍ كل الرضى، أو بعضه عن سائر أعماله وآرائه، فالعكس هو الصحيح، الدكتور طه أديب كبير، له كتب كثيرة مختلفة الأنواع، وله آراء كثيرة مبثوثة في ثنايا كتبه، وله أساليب في البحث والنظر والاستنباط، وله قدرة متميزة على تصوير آرائه وأبحاثه وسائر ما يعالجه في كتبه ومقالاته” (جمهرة مقالات محمود شاكر، ج٢/ 1129).

          العميد في مرآة شاكر

          الاختلاف أو السجال حول الأفكار هو محور العلاقة بين شاكر وطه حسين، وهذا الاختلاف سببه اختلاف في طبيعة المنهج، وطريقة الاستدلال، وأوَّل هذه السجالات الفكرية ظهر بعد أن نشر محمود شاكر كتابه عن “المتنبي”، الذي كان في الأصل المقالات التي أفردتها له المقتطف (بدأ سلسلة النشر في يناير 1936) بمناسبة مرور ألف عام على موت المتنبي، فكانت دراسته أول دراسة تتناول شخصية المتنبي من خلال أثاره الشعرية، فقد أصدر بعدها عبد الوهاب عزام كتابه “ذكرى أبي الطيب المتنبي بعد ألف عام” في عام 1936م. ثم تبعه طه حسين كتابه “مع المتنبي” عام 1937، كان الجدال الذي حدث بسبب الاختلاف في المنهج، فعارض شاكر ما كتبه عزام وطه حسين، وعندما أعاد نشر المقالات في كتاب عام 1977، أضاف شاكر للكتاب أوجه اختلافه مع عزام وطه حسين وسعيد الأفغاني.

           سمة الاختلاف هي ديدن محمود شاكر، فقد اختلف من قبلُ مع أصدقائه الذين أسَّس معهم جميعة الإخوان المسلمين (محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور، والدكتور عبد الحميد سعيد)، وقاطعهم عندما وجد الجمعية قد حادت عن مبادئها التي سبق وأن اتقفوا عليها، ولم يكتفِ بالانسحاب والمقاطعة، وإنما كتب مقالة في جريدة الفتح التي يصدرها محب الدين الخطيب، وكذلك اختلف شاكر مع عبد العزيز الدسوقي، عندما كتب في مجلة الثقافة في سبتمبر 1978 خمس مقالات قارن فيها بين كتاب الدكتور طه حسين وشاكر، بدأها بالعدد الثاني والخمسين الصادر يناير 1978 إلى العدد السابع والخمسين الصادر في سبتمبر 1978.  

          والاختلاف يعني أن ما قاله شاكر أو طه حسين أو غيرهما، حول المتنبي ليس قطعًا هو الكلام الفصل، فهناك مَن رأى في وجهتي نظرهما خطأ ما، فقد رأى عبد العزيز الدسوقي في منهج شاكر، فسادًا، وبه مزالق، فحسب قوله: “فليس يكفي أن يذكر المتنبي كلمة الأبوة بصورة عارضة، لا تدل على شيء، لنستدل منها أنه يُعاني تجربة الأبوة، وأن هذه التجربة استبدت به واستأثرت بحياته الفنية، حتى خرجت هذه القصيدة، ولو سلَّمنا جدلًا أن هذا الاستشهاد سليم، وأن هذا التعليل مستقيم، لما جاز لأستاذنا الجليل أن يُحدِّد تاريخ هذه الزيجة على هذا النحو، قريبًا من سنة 325هـ، مفترضًا أن محسدًا مات وعمره ثلاثون عامًا في رمضان عام 354 هـ ؛ لأن الذي يموت وعمره ثلاثون عامًا في رمضان عام 354هــ يكون قد ولد في رمضان 324 هـ، ولا بد أن يستغرق زواج والده وبقاؤه في بطن أمه نحو عام على الأقل، أي أن زواجه على هذا الفرض في عام 323 هـ لا في عام 325 هـ كما حدد أستاذنا الجليل، وهل كان يحتاط بقوله قريبًا من سنة 325 هـ؟ وهل يمكن عقلًا أن تكون سنة 323 هـ قريبة من عام 325 هـ الذي حدده؟! (عبد العزيز الدسوقي: بين طه حسين وشاكر، مجلة الهلال، يناير 2006، ص 152).

          عبر مسيرة محمود شاكر الحافلة بالأعمال، لم يتكرّر موقفه العنيف مع أستاذه إبّان المحاضرات التي كان يلقيها على الطلاب في الجامعة في السنة المكتبية 1925 – 1926، ما عدا هذه الأزمة، التي كان سببها الرئيسي، فورة الشباب وأحلامه، وثورة العقل ورفضه للجديد وتمسكه بالقديم، لم يتكرّر الصدام بين الشيخ وأستاذه، وما دار عبر صفحات الصحف والمجلات، لم يخرج عن دائرة السجالات العلمية (أو المحاورة والجدال بتعبير شاكر نفسه) التي أثرت الحياة الثقافية في هذه الحقبة التاريخية المهمة من تاريخ مصر الحديث، بما في ذلك موقف شاكر من كتاب “مع المتنبي“، فما طرحه شاكر في سلسلة مقالاته، كان اختلافًا في الآراء التي خرج بها طه حسين من قراءته للمتنبي، وقد اعتبرها شاكر سوء تأويل من طه حسين، وإن جنح إلى اتهامه بالقصور في فهم الشعر، أو بعبارته “لا بصر له بتذوق الشعر”.

          بعيدًا عن أزمة الشك في الشعر الجاهلي، توالت سجالات محمود شاكر مع أستاذه، ولو تتبعنا ما كان يكتبه محمود شاكر في مجلة الرسالة، لوجدنا متابعة وتعقيب على كل ما كان يكتبه أستاذه، وهذه المتابعة وذلك التعقيب، لا يأتي إلا من مُحبٍّ ومهتم بما يكتب، ولو كان ضاق ذرعًا بما يقول، لما تتبعه في أحاديثه وكتاباته، وبالأحرى لما ردّ أو عقّب، لكن العكس هو الذي حدث، والشواهد كثيرة.

          ولو رجعنا إلى ما كتبه شاكر في نقد كتابات طه حسين، وهي قليلة، لوجدنا صورة السجال مُتحققِّة، فعندما أصدر الدكتور طه حسين، كتابه “الفتنة الكبرى“، استقبل شاكر الكتاب، وعقَّب عليه بثلاث مقالات في جريدة الرسالة، أعداد: 761، 763، 764 (بتاريخ: فبراير – مارس 1948)، بدأ مقالته الأولى بالثناء على الدكتور طه هكذا: “بادرت إلى قراءة كتاب “الفتنة الكبرى” الذي صنفه الدكتور طه حسين؛ لأنه أول كتاب له عن رجل من رجال الصدر الأول من الإسلام، وهو “عثمان بن عفان” أمير المؤمنين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أعرف للدكتور مكانه من العلم والتحقيق، وحسن تأتيه في تخريج الكلام… وقلت لنفسي قبل أن أتجاوز الكلمة الأولى من الكتاب: إن طه خير مَن يصوِّر للناس هذه الأحداث المختلطة المضطربة، وخير من يهديهم في شعابها إلى مفصل الرأي ومقطع البيان.”(الرسالة، ص 134)، ثم يقول مرة ثانية: “وأسبق القلم فأزعم إني أسلِّم جدلًا، كما يقولون، بأن كل الذي أتى به الدكتور طه صحيح في جملته وتفصيله، وأن الصورة التي أراد أن يصوِّر بها تاريخ عثمان رضى الله، وتاريخ أصحابه ومعاصريه صحيحة أيضًا في جملتها وتفصيلها، وأزعم فوق ذلك أني لا أخالفه في شيء منها خلافًا ما، وأني لو كتبت تاريخ عثمان، وتاريخ الفتنة، لم أقل إلا بما قال: إذ ذكر هذه الفتنة الخبيثة” ثم يبدأ بعد ذلك بيان ما لم يعجبه في الكتاب، وبالأحرى ما اختلف فيه مع الدكتور طه، وأوّل معارضة له، قول طه عن إخراج عبد الله بن سبأ من أسباب الفتنة، وهو يرى أن قول طه حسين بأن الفتنة كانت عربية، مقدمة لهذا الإخراج. ثم يأتي إلى موضع الخلاف الثاني، والمتمثل في الكتاب الذي يقول الرواة إن المصريين أخذوه أثناء عودتهم إلى مصر، ثم رجعوا، فالقصة عند طه حسين ملفقة في أصلها، وعنده “أشبه بملهاة سخيفة”، ويرى شاكر أن ما استنتجه طه حسين في أمر المصريين “فروض وتخيُّل، وإقرار بما أنكره في أمر عبد الله بن سبأ من تنظيم الجماعات الخفيّة التي تتسر بالكيد” (الرسالة، ع 761: ص 136)، ويرى شاكر أن من التناقض عند الدكتور طه أنه أخذ برأي البلاذري في قصة ابن سبأ، ولم يأخذ به في قصة الكتاب الذي فيه أمرَ عثمان بقتل المصريين، كما يأخذ على طه حسين وصفه “الرواة المتأخرين” فيه إيهام شديد، فالطبري عنده ليس من المتأخرين، فهو معاصر للبلاذري، كما يأخذ عليه ما أخذه من كتاب الطبقات لابن سعد، لأنه يعلم أنه كتاب ناقص، وأنه ملفَّق من نسخ مختلفة بعضها تام وبعضها ناقص وبعضها مختصر.

          وفي المقالة الثانية يعود إلى مناقشة ما طرحه طه حسين، وخاصة نفيه لأن يكون لليهود يدٌ في مقتل الخليفة، والتحريض على قتل الإمام، ومن ثم رأى أن الفتنة عربية، بسبب الغنى والمال والسلطان، وتزاحم الأغنياء على الغنى والمال والسلطان، وحسد العامة العربية لأصحاب الغنى والمال والسلطان، وكأنه يرى أن طه حسين بحثَ عن تخريج ليد اليهود في هذه الفتنة. ويرى “أن التاريخ لا يُكتب بالتحكُّم، وإنما بالرواية، ثم بالاستدلال” (الرسالة، ع 765، ص 193). ثم يستطرد في إظهار عداوة اليهود وكيدهم فيقص قصة صراع الأوس والخزرج وكيف وحّد الرسول بينهما، وما فعله اليهود لإشعال جذوة الفتنة بين هذين الحيِّيَن منذ القديم وهم أبناء أب واحد وأم واحدة يسكنون بلدة واحدة، كما أنهم لم يكفوا أذاهم عن المسلمين، مُدلِّلًا بالآيات التي نزلت فيهم، ومن ثم لا يستبعد أن يكون لليهود – وتاريخهم حاضر أمامه – يدٌ في الفتنة على عكس ما نفي الدكتور طه.     وفي المقالة الثالثة (الرسالة، ع 764)، يعود من جديد ليشير إلى دسائس اليهود كما ذكرتها كتب التاريخ، فبعضهم يُحالِف الأوس، وبعضهم يُحالِف الخزرج، ولكنهم كانوا يدًا واحدة إذا جد الجد، فيخرجون من معارك هذين الأخوَين لا يصيبهم شر كثير أو قليل” (الرسالة، ع 765، ص 254). ثم يستفيض في ذكر أحوال اليهود في الجاهلية، وبنائهم المدن، والحصون والآطام، وفي الوقت ذاته يجمعون السلاح، ومنه ينتقل إلى أحوالهم في عهد الرسول، وموقفه منهم، ونزول الآيات فيهم، وصولًا إلى ما يفعلونه في فلسطين، ويعرِّج إلى موقف الصحابة من اليهود، وتحذيرهم من أخطارهم. هكذا كان كتاب طه حسين “الفتنة الكبرى” محفزًا لشاكر لأن يكتب عن اليهود ودسائسهم في الجاهلية والإسلام، وكيف أنهم خطر، وأي خطر يحيق بالأمة!

          حالة السجال عند شاكر لم تقف عند طه حسين، فعندما كتب شوقي ضيف، وهو تلميذ طه حسين مقالة في الرسالة (العدد 763، بتاريخ 16 فبراير 1948)، كتعقيب على ما كتبه شاكر حول كتاب طه حسين، فإذا بشاكر في نفس العدد في باب البريد الأدبي، يُعقِّب عليها، ويعترض على ما ذكره شوقي ضيف لنفي قصة عبد الله بن سبأ، ورفض أن يتم إثباتها برواية الطبري، بل عاد وقال: “إن الدكتور طه زيَّف القصة بأسباب لا تستقيم”، دافع شوقي عن أستاذه، ورأى أن عدم الأخذ برواية الطبري عن ابن سبأ؛ لأن مصادر كثيرة لم تذكره، ومن حق المؤلف أن يرتاب فيما ذكره المؤرخون، كما إن طه حسين لم يبرئ ابن سبأ؛ لأنه رأى أن له دورًا خطيرًا في أيام الخليفة علي رضى الله عنه، ومن ثم أرجأ الحديث عنه إلى الجزء الثاني الخاص بعلي رضي الله عنه، أما قصة كتاب المصريين، فالأستاذ شاكر لم يذكر إلا رواية البلاذري، فمجيء القصة عنده لا يعني وجوب تصديقها، بل “من حق كل مؤرخ أن يختبرها ويمتحنها، ويتهمها إن كان هناك ما يدعو إلى تهمة” (الرسالة، ع 763، ص 203). فيأخذ شاكر على شوقي ضيف أربعة أشياء، أولها، أنه أطال في كلامه، وشرح ما يحتاج إلى شرح، وثانيها، أطال أيضًا في الأسباب الموجبة لنفي قصة عبد الله بن سبأ، والثالثة، أنه شكك في الطبري وفقًا لما أورده ياقوت عن تفسير الطبري وتاريخه، وفرَّق شاكر بين المفسرين والمؤرخين، لأن الدين يجب فيه الحيطة الشديدة، أما التاريخ فليس لمثل هذه الحيطة فيه مكان، وموازين المحدثين والمفسرين في رد الرجال وتجريحهم لا يمكن أن تطبق على أهل التاريخ وسواهم من أدباء ورواة، ولو صح ذلك لأسقطنا التاريخ كله، ورواية الأدب كله، ورواية اللغة كلها (الرسالة، ع 763، ص 211). أما الرابعة، فإنه تسرَّع ولم يُعطِ هذا الأمر حقّه من النظر والتدبُّر.

          هذا موقف شاكر من كتاب الفتنة الكبرى، هو موقف اختلاف في قَبول روايات، وإنكارها، وكل طرف اعتمد على مصادر، رأى الآخر أنها غير موثوق فيها، أما بالنسبة لحديثه عن ابن سبأ، فما ذكره شاكر لم يكن إلا رصدًا لعلاقة اليهود بالعرب منذ الجاهلية إلى الإسلام وما بعده، وبيان دسائسهم لتأجيج الخلاف بين المسلمين، مستدلًا بآيات القرآن، ومواقفهم من الأوس والخزرج، ورأي الرسول وأصحابه فيهم. بصفة عامة، لم أجد في نقده للكتاب ما يعد نقدًا لأفكاره، أو حتى منهجه، وإنما تباين في وجهات النظر، لا أكثر ولا أقل.

          ينشر محمود شاكر في المقتطف عدد مايو 1933 تعقيبًا على صدور كتاب الدكتور طه حسين “حافظ وشوقي”، يبدأ التعقيب بقوله: “الدكتور طه حسين رجل غير مجهول حتى نعنّي أنفسنا، ونعنّي القراء معنا بالقول في آثاره الأدبية الكثيرة، والتي استفاضت في هذه المدة الأخيرة أكثر من ذي قبل”، لا يستفيض في الحديث عن الكتاب ومحتواه، أو لا يعجبه فيه، بل يكتفي بقوله: “ومقالات الدكتور طه التي في هذا الكتاب لا تحتاج إلى كلامنا، فإنما هي مقالاته التي أحبه كثيرون من أجل آرائه فيها، وتحامل عليه آخرون من أجل هذه الآراء، فليس من الرأي أن نتناول هذا الكتاب في المكتبة لأن فيها من الآراء يحتاج في نقده إلى إطالة وتوسع تضيق بهما هذه الصفحات القلائل” (المقتطف، مايو 1933، ص 627). ومع هذا الوعد لم يعد إلى الكتاب مرة ثانية.

          حالة السجال التي كانت سمة شاكر، تكرّرت في كل ما يكتبه عن كتب وآراء، ولم تقتصر على كتابات طه حسين، فمثلًا عندما صدر كتاب “ضحى الإسلام” لأحمد أمين، نراه ينزل أحمد أمين منزلة عظيمة فيقول في بداية مقالته في المقتطف، هكذا: “مِن أجلِّ الكتب العربية التي أُخرجت للناس في هذا العام كتاب “ضحى الإسلام”، وصل به صاحبه الأستاذ أحمد أمين ما كان بدا في كتاب “فجر الإسلام”، وبه نقعَ المؤلف غُلّة شقي بها أدباء هذا العصر زمنًا طويلًا، ويخيل إلي أن الأستاذ أحمد أمين رجل قد أوتي من الصبر والجلد والمثابرة وقوة العزم ونشاط الفكر نصيبًا وافيا سابق به المجتهدين من أهل عصره حتى سبقهم وأربي عليهم” (المقتطف، عدد مارس 1933، ص: 360)، ثم يعدد مواطن الإبهار في الكتاب، وجمال الأسلوب، ودقته في التحري عن الأخبار، ومع هذا يأخذ عليه بعض المواضع ويعددها في ستة مواضع، فهل معنى هذا أن ثمة خصومة بينه وبين أحمد أمين، أم أنه يشيد بما يتوافق مع منهجه، ويعرض عما لا يتواقف معه، كما لا يكتفي بهذا بل يذكر بعض الأخطاء التي أخذها على أحمد أمين، منها قول أحمد أمين “وقد كانت المملكة البيزنطية تحرّم على من ليس نصرانيا أن يتملك رقيقًا نصرانيا، ولكن المسلمين أباحوا … لليهود والنصارى أن يتخذوا الأرقاء ولو كانوا مسلمين” نراه يتعجّب من هذا الرأي، ويقول: “لا ندري كيف كان ذلك وكيف يكون؟ وكيف يبيح المسلمون ذلك؟ ومَن أباحه؟” (المقتطف، ص 365). وأحمد أمين نفسه الذي أثنى على كتابه “ضحى الإسلام”، يقول عنه بعدما قرأ نصًّا له بعنوان رحلة، وكان له رأي في الأدب، فيرى شاكر أن كلمته  “تدلك على أن رأي الأستاذ في الأدب العربي والشعر الجاهلي رأي لا يؤخذ به“، في نفس المقالة ولكن في مقدمتها يقول عنه مع طائفة من الأدباء “إن أمثال الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد أمين والدكتور زكي مبارك والأستاذ الزيات وفلان وفلان من كبار الأدباء، هم من هذه الأمة الشابة بين الناس بمنزلة السراج الذي يضيء للشباب معاني الحياة المظلمة بالجهل، فإذا انقلب السراج، فإنما هو الحريق وانتشاره ومعمعته ومضغُه قوة الشباب فكين من نار حُطمة” (الرسالة ع 346، فبراير 1940، ص 302). التناقض في الرأيين مرجعه لمخالفة أحمد أمين لمنهجه في الشعر الجاهلي، ومن ثمّ اعتبر رأيه لا يؤخذ به.

          ثمة أمثلة كثيرة تؤكد حالة السجال والتفاعل مع ما يكتب طه حسين وغيره، جميعها تتصل بالسجال لا الخصومة، بل نراه في بعضها يؤيد مواقف وآراء طه حسين، ومن هذا مع عدد يناير 1940 يكلّف الكاتب أحمد حسن الزيات محمود شاكر بالإشراف على باب “الأدب في أسبوع”، وهو الباب الذي كان يوقَّع باسم العباسي، وفي هذا العدد يكتب شاكر في العدد ذاته مقالة، يوضح فيها منهجه في هذا الباب. وهو باب متابعات للأدب والفنون، وبمتابعة لما كان يكتيه شاكر فيه، على اختلاف الموضوعات ما بين أدبية وفكرية واجتماعية وسياسية، نجد أنه لم تخلُ مقالة من ذكر اسم الدكتور طه حسين، فيأتي ذكره كاستشهاد برأيه في سياق حديث مرتبط بكلام سبق أن كتبه في صحيفة، أو في محاضرة عامة، وأحيانًا يستدعيه دون أن يكون له علاقة مباشرة بالموضوع الذي يعالجه، لا نجد إلا صيغة احترام وتقدير، ولا يأتي اسمه مجردًا وإنما يخاطبه بالعميد، أو سيدي العميد، أو يا مولانا الدكتور الجليل، أو أستاذنا، أو الأستاذ الجليل، أو طه حسين بك، وغيرها من أوصاف تعطي للعميد قدره وقيمته، بل نراه أحيانًا كثيرة يذهب في رأيه إلى ما ذهب إليه أستاذه، ومع هذا يختلف معه في الرأي، أو في طريقة تناول الأدب والتاريخ، وفي أسلوب تكوين التفاصيل، التي تُبني عليها الصورة التي يصوِّرها الكاتب بقلمه وبيانه.  

          ومن هذا مقالة محمود شاكر عن الفن الفرعوني في مجلة الرسالة بتاريخ 12 فبراير عام 1940، والمقالة كانت تعقيبًا على كلمة للدكتور طه حسين ألقاها في الجامعة الأمريكية، وبعد أن يأخذ على طه حسين رد كل شيء إلى اليونان، ويجادله في هذا الأمر، يثني على ما قال، وبكلماته: “وبعد هذه المقدمة، ساق الدكتور طه حديثه ببراعته، التي لا يستعصي عليها غامض ولا بعيد ولا متشامخ، وأنا وإن كنت أظن أن الدكتور طه لم يوفق في كلمته كل التوفيق، ولم يمس أغراضها إلا مسًّا رفيقًا غامضًا بعيدًا، فإني أعترف بأنه قد استطاع بحسن تحدُّره في المعاني أن يثير في الآراء ما يجب أن يثار في أفكار هذا الجيل، حتى يمكن بعد ذلك أن نستصلح من أمورنا ما أفسده طغيان الجهل، واستبداد الحاكمين، وتوالي المصائب المرهقة على شعب نائم لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أسبابها، ولا أن يذُودَ الوحوش الضارية التي فرضت عليه بالاستعباد أقسى ما يمكن أن تبتدعه من ضروب الفتك والعدوان” (الرسالة، ص 222)، هكذا يستشهد برأي طه حسين، ويدافع عن منطقه، بل يوافقه فيما ذهب، كما أثنى على ما قاله الدكتور عن ألوان الغذاء الروحي والعقلي الذي يجب أن يقدم للشباب، ومن أقوال الدكتور ينطلق (وبالأحرى مما أثاره في كلمته) إلى قضية يطرحها، وموقف الحكومة من الأمة، ودورها، ويبدأ في انتقاد موقف الحكومة من تفرقتها بين أبناء الشعب، وعن حق هذا الشعب في التعليم والثقافة، ومطالبته بأن يكون التعليم مجانيًّا، هكذا فتحت كلمة طه حسين أمام شاكر منافذ لانتقاد الحكومة، وتذكيرها بواجباتها، وكأن ما قاله طه حسين من كلام في اجتماع مغلق، هو المحفِّز الذي ولَّد الأفكار عند الشيخ شاكر، وألهمه الرؤية لعرض قضية مهمة كقضية التعليم والثقافة. بل إن ما أثاره الدكتور يدفعه لأن يكتب في العدد التالي (345)، عن الفن الفرعوني، ويسترسل في حديث عن الفن بصفة عامة عند جميع الأمم القديمة، وسائر الأمم الحديثة، وأثر الحياة الاجتماعية في الأثر الفني، وكذلك أثر الطبيعة الجغرافية في جوِّه الفني. (الرسالة، ع 345، ص 259).

          خلاصة القول، إن الشيخ محمود شاكر لم يكن في خصومة مع الدكتور طه حسين، كما توَّهم أنصاره ودراويشه، تحامل عليه كتلميذ طورًا، وأعلى من شأنه طورًا آخر، وبين هذا وذاك كان محبًّا وعارفًا بقيمة الرجل ومكانته، ويكفي مقولته “كانت الجامعة هي طه حسين” في حواره مع سامح كريم. كلاهما أسهم في صياغة ملامح الفكر العربي الحديث؛ فدافع طه حسين عن حرية العقل والتجديد المنهجي في الدرس الأدبي، بينما دافع محمود شاكر عن حصون التراث وروح العربية وبيانها الأصيل. نعم، كان طه حسين هو جذوة النار التي اشتعلت في داخله، والمرشد الخفي لتدفُّق ينبوع أفكار محمود شاكر، فقد ألهمه الكثير من الأفكار، وإن عارضها شاكر، وحفَّزه على ابتكار موضوعات، وخلقَ منه شخصية جديدة (بالحوار والجدال) وظفت كل إمكاناتها لخدمة التراث العربي الإسلامي والذود عنه، وفي ذات الوقت استلهم أسلوبه في التعنيف لمن يخالفه، وإن كان بأسلوب ساخر. بصورة أوضح محمود شاكر هو صَنعة طه حسين بالمعني الإيجابي؛ أي لو لم يكن طه حسين، لما كان محمود شاكر، فكما يقول المتنبي: وبضدِّها تتميِّز الأشياءُ.

………………………………..

*نُشرت في جريدة أخبار الأدب المصرية عدد (1735)الأحد 25 أكتوبر 2026

 

 

كاتب وناقد مصري صدر له: ـ نجيب محفوظ: الذاكرة والنسيان ـ جماليات النص، دراسات في الرواية ـ القارئ العادي والتيه…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع