“مجتمع الغرقى… من وحي ضحكات الأمم”

وسام الخطيب

محمد أسامة

في تأملنا لتلك المجموعة القصصية: مجموعة “مجتمع الغرقى” للكاتبة السورية “وسام الخطيب”-والصادرة عن منشورات جدل بعام 2025- والتماسنا الهم الجامع لأبطال القصص، والناتج عنها مساراتهم المتشعبة والتي تهدف لملئ ما نالته فيهم من فجوات، نرى الكاتبة قد أرست في ملامح شخصياتها قاعدة تطل علينا عبر سؤال: بأي طريقة نرى الأشياء بأول الأمر؟ أو بمعنى أشمل: هل نلتزم كي نعرف الأشياء والمشاعر باستعادة الصورة الكبرى التي تضمها والتحليل المجرد صلاتها بما يجاورها؟ أم نطبع هوانا عليها ونطوعها لما تحتاجه نفوسنا التائهة؟

 

❞ الأمل وهمٌ خبيثٌ، ولا أحد يُريد الاعتراف بهذه الحقيقة، بالتأكيد لم أُحلل الأمر على هذا النحو إلا عندما بدأت الحرب المرعبة؛ لأن الرفاهيات مقبولةٌ في حالات الاستقرار فقط، أما في حالات الجنون القُصوى، فلا بد من طردها بقسوةٍ❝

– من قصة “جوارب مضيئة”

‏وفي ضوء ذلك، لم نر وضع “وسام الخطيب” السمة الأساسية للقصص، وهي الغرق للإشارة لمعاناة الشخصيات مع ظروف قاهرة كالحرب وابتلاع أمواج مآسيها إياهم إلا بقدر عرضها لنظرتها عن قدر الإنسان منذ المولد وقد خرج من الرحم إلى أن يطويه التراب-كما نرى في قصتي: سرير الحرب، وحكمة الغراب وتعرضه بين ذلك لوطأة واقع قاسٍ وحاضر أبكم يحركه وينظمه كما ينتظم الترس، بكونه يتحرك تحت سلسلة من أطر مغلقة تتشابه مع رحمه الأول في احكامها عليه وحجبه عما سواها، وبالطبع تغذيته بأطيافها، وهو على هذا يعيش فيها بين مقاومة وأمل في النجاة وبين يأس وهرب بمحاكاة الأصل عله يجد فيه بعض عزاء ورحمة-كما البطل الطباخ بقصة “أدبية معطرة” وقد صنع من الأماكن الضيقة وكذا الروائح أرحاما تؤويه كلما سحبه ماضيه لأسره-.

 

❞ لقد صرت واحدةً من اللاجئين الذين تتحدث عنهم التلفزة والصحف والإذاعات، من اللاجئين الذين لو عرفوا ثقل الأضواء التي ستُسلط عليهم -هم الذين هربوا من ثقل الحرب وكاميرات الصحافة التي تصوّر موتهم اليومي- لما غادروا أساسًا، وبالطبع تجاهلتُ كل شيءٍ، وحتى الآن في كل مساء، وعندما أنتهي من عملي، أجلس على التلة العالية حيث أسكن، وأنظر أمامي إلى تلك الحفرة، الحفرة الكبيرة المظلمة التي جئتُ منها…‏ ❝

– ‏من قصة “حكمة الغراب

ولذا كان من المنطقي أن تشوب بعض القصص شيئا من التشوش سواء   في السياق الزمني للقصة أو في تتابع الحبكة، فبتجريد الكاتبة للصراع من سياقه -كما رمزت به الكاتبة تبخر عائلة راوية قصة “حكمة الغراب” واندثار أثرهم أمام أعينها- وحذف أطرافه-لتشوش الحق لاعتباره كما جاء على لسان القائد بقصة “بنات ميدوسا” عجينة فيمن لديه القدرة على الخطابة والإقناع- أو بنثر فجوات حمالة أوجه بطول القصة-كما بقصة “شوارع مخططة بالأحمر” بوجود شيء يتعاظم غلبته على البطل كلما تقدمنا بمسار القصة إلى الوصول لنقطة التبصر والفهم- أو حتى بالاقتصاد في عرض مصير الشخصيات عبر الرمز-كما شخصية العجوز بقصة “الصورة تموت وحيدة” او بوجود الطفل بقصة “سرير الحرب”- أو الاستعانة بتقنيات مثل النهاية المفتوحة مثلما نجد بقصة “مجتمع الغرقى”، تشير القاصّة بأن الفرد هو أصل التاريخ وركيزته، وتبعا لهذا ما يغرق فيه من آمال ومخاوف وهموم ما يستحق الإمعان فيه بالتحليل والدراسة-ودل على ذلك حين أعيى القائد استنطاق عين ضحيته برغم خبرته الواسعة بقصة “بنات ميدوسا”- لا المشاهد الذي لا ينفك القدر عن إعادتها وتكرارها وإن أضاف لها بعض رتوش تلائم الزمن.

 

❞ عليه ألّا يُنكر أن للجنة فوائد سحرية، فلقد ازداد ذكاؤه كثيرًا، لم يكُن بمقدوره في الماضي أن يفكر أو يُحلل الأمور من دون مساعدة كما يفعل الآن؛ لكن من الواضح أن موته واستقراره في هذا العالم الجديد جعلاه ينضج بسرعةٍ، ويتعلم الكثير؛ فلقد زالت غشاوة الحياة.‏ ❝

‏من قصة “مجتمع الغرقى”.

احتاجت الكاتبة أن تعزز هذا المبدأ بجعل الحرب ندا لشخصيات القصص، فيتسنى لها أن تشوش وقائع الحاضر وحاجاته السطحية المؤثرة على النفس- ومنه جاءت جملة الدباغ بقصة “شوارع مخططة بالأحمر”: ❞ من المؤسف أن يصل المرء إلى الخمسين وهو ما زال يحلُم بأن يبدأ حياته!. ❝-، المثيرة للسخرية أمام التاريخ بالاعتماد الدائم على صفحاته القديمة -كما عرضت الكاتبة أيضا تراجع مهنة الدباغ في ذات القصة ولعنه وجوده بحلقة ميراثها، وكذلك التعريض بعودة بطل قصة “الصورة تموت وحيدة” وعلاقته بالعرافة العجوز – ومن ثم تضرب بثقلها عليه، حاجبة ببواعثها أي شيء سواه، فيستبصر بذلك تحت ظلال الخوف والخطر نفسه- كمشاعر الأم بقصة “سرير الحرب”، والفتاة الكفيفة بقصة “جوارب مضيئة”، وكذا الطباخ بقصة “أقبية معطرة”- ، ناقدا حياته ووازنا حركاتها وفق ما يراه مناسبا-وعليه جعلت “وسام الخطيب” الحياة الأخرى للفتى البسيط نظرة موسعة لحياته بفهم علاقاتها، وانتقال فعاله” أي عبثه بالصحون” من لهو مطلق إلى رد فعل وتعبير منطقي، وعلى النقيض بقصة “شوارع مخططة بالأحمر” ركزت على نظرة الدباغ لحياته واستخدام رمز إشارة المرور لوصفها مفتاح لأزمته – فينجو إلى بر الحقيقة معالجا معاناته إما يخلفها وراء ظهره-كقصة جوارب مضيئة- وإما يبقيها حية داخله-كقصتي “حكمة الغراب” و”أقبية معطرة، أو يرضى بغرقه وبقائه معلقا بين واقعه ولغز نفسه، مكتفيا بجعل نفسه أثرا، يدرك بها من يجرب بعده أثره-كضفيرتي السيدة العجوز بقصة “الصورة تموت وحيدة ” فيهتدي بها…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع