عبد السلام فاروق
في مثل هذه الأيام، وتحديدًا في الثامن عشر من يناير قبل ثمانية أعوام مضت، انطفأت في القاهرة شمعة من شموع الثقافة المصرية العالية، تاركة خلفها وهجًا لا يخبو، ومكتبة أدبية وسينمائية زاخرة بالإبداع والحكمة. رحل الكاتب المتعدد المواهب، صبري موسى، ليسدل الستار على حياة حافلة كانت ظاهرة ثقافية متكاملة بكل ما تعنيه الكلمة. ظاهرة جمعت، في نسيج واحد مدهش، بين عين الصحفي الفاحصة وروح الفنان الحساسة وعقل المفكر المتأمل ويد الأديب الماهرة.
كان صبري موسي من أولئك المبدعين الذين وسعوا أفق الأدب المصري، فلم يتركوه سجينًا في دهاليز القاهرة أو حاراتها، أو مكتفيًا بفضاءات الريف المعتادة، لكن أطلقوا خياله ليسبح في فسيفساء الأمكنة المتنوعة، صحراء مصر الشرقية الموحشة، وبحيراتها النائمة، وفضاءاتها الكونية الشاسعة.
تعرفت على عالمه المتفرد خلال سنوات التكوين الجامعي بكلية الإعلام، جامعة القاهرة. كانت كتبه ومقالاته تتناقل بين أيدينا كأنها نصوص ملهمة في فن الكتابة المتوازنة الرصينة. كنا نتابع مقالاته النقدية في الصحف بشغف، ونتأمل رواياته التي فتحت أمامنا نوافذ على عوالمَ لم نعتدها في الخريطة السردية المصرية في ذلك الوقت. كانت كتابته تمتلك تلك الندرة، لغة واضحة عميقة، تخلو من التكلف والابتذال، لغة صحفي محترف امتلك أدوات أديب مثقف. فجاءت كتاباته أشبه بحوار راق مع قارئ ذكي، وليست خطابًا وعظيًا أو تعليميًا يتعالى على المتلقي.
النشأة والتكوين:
في محافظة دمياط الساحلية البديعة، حيث يلتقي النهر بالبحر وتعانق الأشجار الضباب، ولد صبري محمد حنفي موسى عام 1932. كان ذلك العالم المائي المشبع بالخضرة والرطوبة والحركة هو “المكان” الأول الذي غزا وجدان الطفل، لينقش في أعماق ذاكرته صور الماء والخضرة والضباب، تلك العناصر التي ستتردد لاحقًا في أعماله الأدبية، متضافرة مع نقيضها الجاف والصارخ، صحراء مصر الشرقية. في إحدى شهاداته، يصف تأثير مسقط رأسه بقوله: “كنا نعتبرها نهاية العالم، فالبحر الأبيض يمتد بلا نهاية أمام أعيننا، والبحيرة العظيمة تحيط بنا، والنيل يجيء ولا نعلم من أين. هذا المناخ كان له تأثير في بناء مخيلتنا”.
بدأ حياته العملية مدرسًا للرسم لفترة وجيزة (1952-1953)، وهي فترة تركت أثرًا بالغًا في نفسيته كفنان، حيث اعتاد أن يحلل العالم إلى ألوان وظلال وخطوط. بل إنه في صباه كان يعد نفسه ليصبح رسامًا محترفًا، مغرمًا بأجواء المراسم الفنية و”الشعر المنكوش والملابس الملوثة بالألوان” كما وصف. لكن شغف الكلمة وخطابها طغى في النهاية على شغف اللون وشخصياته . فانتقل إلى فضاء الصحافة، حيث عمل في جريدة (الجمهورية)، ثم كاتبًا متفرغًا في مؤسسة (روز اليوسف) العريقة، حتى ارتقى إلى عضوية مجلس إدارتها. هذه المسيرة المهنية المتنقلة بين الرسم والصحافة ثم الأدب، هي التي صاغت كاتبًا فريدًا، ينظر إلى العالم بعين مصور تشكيلي، ويحلله بعقل صحفي محقق، ثم يعيد تشكيله ويقدمه بأدوات أديب مبدع.
“فساد الأمكنة”: الرواية التي أعادت رسم الجغرافيا الأدبية
لا يمكن لأي حديث عن صبري موسى أن يستقيم دون الوقوف مطولاً أمام روايته العلامة (فساد الأمكنة)، التي صدرت في سبعينيات القرن الماضي ووضعت اسمه بحروف من نور في خريطة الأدب العربي الحديث. في هذه الرواية، قام الكاتب بمغامرة جريئة غير مسبوقة؛ حيث نقل بؤرة الحدث الروائي من فضاءات الدلتا والريف والحضر المألوفة، إلى صحراء مصر الشرقية المترامية، وتحديدًا إلى منطقة جبل الدرهيب النائية القريبة من حدود السودان. كانت هذه أول عمل فني في الأدب المصري تدور أحداثه بالكامل في هذا الفضاء المكشوف المهيب.
تولدت بذرة الفكرة في وجدانه خلال رحلته الأولى إلى جبل الدرهيب في ربيع 1963. لكن التحضير الحقيقي جاء لاحقًا، عندما أقام الكاتب في الصحراء لمدة عام كامل، من نوفمبر 1966 إلى نوفمبر 1967، بعد منحه إجازة تفرغ من وزارة الثقافة لكتابة العمل. هذه الإقامة الطويلة جعلته يتعرف علي الصحراء ليس كسائح أو زائر عابر، إنما كساكن يتنفس هواءها، ويعرف أسرارها، ويحس بنبض حياتها الخفي. في (فساد الأمكنة)، تتحول الصحراء من مجرد ديكور أو مكان للأحداث إلى شخصية رئيسية فاعلة، حاضرة بكل ثقلها الرمزي والمادي. تدور في فلكها صراعات الإنسان، صراع الجشع المادي الذي تمثله شركات التعدين الجائعة والسياح الباحثين عن متعة سطحية، ضد نقاء الطبيعة البدائية وسكانها الأصليين من البدو، الذين يعيشون في انسجام وثيق مع بيئتهم القاسية الجميلة.
يرى الروائي فتحي إمبابي أن (فساد الأمكنة) تنتمي إلى تلك الأعمال القليلة التي تتقبل التناول بأكثر من منهج نقدي؛ فيمكن قراءتها عبر المنهج الأسطوري، أو التحليل النفسي، أو الاجتماعي، مما يشير إلى ثراء النص وتعدديته الدلالية والرمزية. وقد حظيت الرواية بتقدير نقدي وجماهيري واسع، وتوجت بحصولها على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1974، مؤكدة أن الأدب المصري قادر على اختراق حدوده التقليدية والتوغل في آفاق أرحب وأكثر شمولية.
عوالم سردية متعددة
كان صبري موسى كاتبًا موسوعيًا بمعنى الكلمة، ينتقل ببراعة فائقة بين أجناس أدبية مختلفة، ممسكًا بمفاتيح كل منها. في حقل القصة القصيرة، قدم مجموعات لامعة مثل “القميص” (1958) و”مشروع قتل جارة” و “وجهاً لظهر” و”حكايات صبري موسى”. في هذه المجموعات، استثمر خبرته الصحفية الطويلة في انتقاء التفاصيل الحياتية الدقيقة والصغيرة، ليشيد منها عوالم قصصية واقعية مكثفة. فمجموعة “القميص” الأولى مثلاً، وصفت بأنها واقعية شديدة القرب من الأرض، تلامس شخصيات عادية بشكل غير عادي، متناولة حيوات بسطاء الناس بمشاعرهم البسيطة-المعقدة في آن واحد.
وفي ميدان الرواية الاجتماعية-الفكرية، قدم أعمالاً أثارت جدلاً واسعًا وطرقت قضايا مجتمعية عميقة بجرأة. فرواية “حادث النصف متر” (أوائل الستينيات) كانت حدثًا ثقافيًا بارزًا، إذ ناقشت بإمعان قضية خروج المرأة للعمل واستقلالها الشخصي في نسيج مجتمعي تقليدي، حتى أنتج منها فيلمان في وقت متقارب، أحدهما مصري والآخر سوري، دلالة على أهمية الموضوع وطرافة المعالجة. أما رواية “السيد من حقل السبانخ”، فهي تجربة فريدة في أدب الخيال العلمي واليوتوبيا داخل الأدب العربي، تبحث عن المدينة الفاضلة عبر مزيج من المعرفة العلمية والتساؤل الفلسفي، مما يكشف عن سعة أفق الكاتب ورغبته الدائمة في تجاوز المألوف والسائد.
أما في مجال أدب الرحلات، فقد كان صبري موسى رحالة بقلم واع، فكتب “في البحيرات” و “في الصحراء” و”رحلتان في باريس واليونان”، مسجلاً انطباعاته عن عوالم متنوعة بعين الفنان المدققة ووعي الصحفي المحلل. في هذه الكتب، لا يقتصر على وصف المشاهد الخارجية فحسب، إنما يغوص في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية للمجتمعات التي يزورها، مقارنًا إياها بمجتمعه، في إطار من الاحترام للاختلاف وتقدير التنوع الإنساني.
بصمة سينمائية واضحة
تمتع صبري موسى بمكانة مرموقة في حقل كتابة السيناريو السينمائي، حيث أثرى المكتبة البصرية المصرية بأعمال أصبحت جزءًا من تراثها الثقافي. من أبرز أعماله فيلم “البوسطجي” المأخوذ عن قصة يحيى حقي ، والذي يعد من كلاسيكيات السينما المصرية، و”قنديل أم هاشم” أيضًا عن يحيى حقي، و”قاهر الظلام” الذي جسد حياة عميد الأدب العربي طه حسين، و”الشيماء” المقتبس عن عمل للكاتب علي أحمد باكثير. بلغ عدد الأعمال السينمائية التي أعد سيناريوهاتها أحد عشر عملاً، مما يشير إلى تخصصه العميق واحترافه البارع في هذا الفن المعقد.
الجوائز والإرث الإنساني
حصد صبري موسى خلال مسيرته الحافلة العديد من الجوائز المحلية والعالمية المرموقة، التي تعكس الاعتراف الواسع بقيمة إنتاجه. منها جائزة الدولة التشجيعية في الأدب (1974) عن “فساد الأمكنة”، ووسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى (1975)، وجائزة “بيجاسوس” الأمريكية (الميدالية الذهبية) للأعمال المكتوبة بغير الإنجليزية (1978)، وجائزة الدولة للتفوق (1999)، وأخيرًا جائزة الدولة التقديرية (2003).
لكن إرث صبري موسى الحقيقي يتجاوز هذا التكريم المادي. إنه يكمن في ذلك الأسلوب المميز الجامع بين السلاسة والعمق، وفي تلك الرؤية الإنسانية التي احترمت ذكاء القارئ ولم تمارس عليه أي وصاية، وفي تلك الشجاعة الإبداعية التي دفعته لاستكشاف عوالمَ وأمكنة جديدة على الخريطة الأدبية.
اليوم، ونحن نستذكر رحيله الثامن، يتبدى صبري موسى أكثر من مجرد كاتب من جيل مضى. إنه ظاهرة ثقافية شاملة، جمعت بين فنون متنوعة ووحدتها في رؤية إنسانية راقية. هو الرسام الذي أكمل لوحاته بالكلمات على الورق، والصحفي الذي رفع تقاريره إلى مصاف الأدب الرفيع، والروائي الذي وسع حدود الأدب المصري جغرافيًا وموضوعيًا، وكاتب السيناريو الذي نقل الأعمال الأدبية الكبرى إلى الشاشة باحترام وإبداع.










