د. أحمد السعيد
تقديم
الفهم شرط التنمية
اليوم، بعد رحلة خمسة وعشرين عامًا بين أروقة التواصل الثقافي والمعرفي بين العرب والصين، وبعد ألف كتاب صيني مترجم نشرناها بالعربية، لم يعُد السؤال الذي يشغلني: ماذا نترجم؟ السؤال أصبح مع الوقت: لماذا ما زلنا لا نفهم بعضنا كما ينبغي؟
يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى. فمن ينظر إلى مسار العلاقات العربية الصينية خلال العقود الأخيرة سيرى أرقامًا تدعو إلى التفاؤل. عشرات الاتفاقيات، ومئات الوفود، وآلاف الطلاب، ومشروعات اقتصادية تمتد من الخليج إلى شمال إفريقيا، وحركة ترجمة لم تعرفها العلاقات بين الجانبين من قبل. وإذا كانت المعرفة تقاس بعدد الكتب والمؤتمرات والبرامج والزيارات، فربما من المفترض أن تكون المسافة بين العرب والصينيين اليوم أقصر كثيرًا مما كانت عليه قبل جيل واحد فقط.
لكن التجربة اليومية تقول شيئًا آخر، فكلما اتسعت مساحة المعرفة؛ ازداد إدراكي بأن المعرفة وحدها لا تكفي، وكلما كثرت الترجمات؛ اكتشفت أن الكلمات تعبر الحدود أسرع من المعاني. وكلما توسعت العلاقات؛ ظهر أمامي سؤال أكثر إلحاحًا: ما الذي يجعل شعبين يعرف كل منهما عن الآخر أكثر من أي وقت مضى، ثم يظل أحدهما عاجزًا عن رؤية الآخر على حقيقته كاملة؟
هذه أفكار تشكلت ببطء عبر خمس وعشرين سنة قضيتها بين الصين والعالم العربي، بين القراءة والترجمة والنشر، وبين مئات اللقاءات التي جمعتني بأكاديميين ومسؤولين وكُتاب ومترجمين وناشرين، وبأناس عاديين كانت أحاديثهم تصنع أصدق ما أحمله من فهم.
في بداية الرحلة كنت أظن أن المعرفة عملية واضحة ومباشرة، نتعلم لغة شعب فنقترب منه، ونقرأ تاريخه فنفهمه، ونعيش بين أبنائه فتنكشف لنا زواياه. كان يبدو أن المسألة تشبه الاقتراب التدريجي من صورة كبيرة؛ كلما أضفنا إليها تفصيلاً أصبحت أكثر وضوحًا. وربما كان هذا التصور طبيعيًّا لشاب جاء إلى الصين مدفوعًا بالفضول والرغبة في التعلم.
لكن السنوات اللاحقة علمتني أن الطريق بين المعرفة والفهم أطول بكثير مما كنت أتصور.
كنت أخرج من بعض اللقاءات في بكين والقاهرة وغيرها بإحساس يصعب التعبير عنه بدقة. لم يكن خطأ يمكن الإشارة إليه، ولم يكن جهلاً بالوقائع. كان شيئًا أعمق من ذلك. بعض من جالستهم يمتلكون من المعرفة عن العالم العربي أكثر مما يمتلكه كثير من العرب أنفسهم. قرأوا، وتابعوا، وزاروا، وأقاموا. ومع ذلك كنت أشعر أن الصورة الكلية ما زالت بعيدة، وأن المعرفة المتوافرة لم تتحول بعد إلى فهم حقيقي.
احتاج الأمر إلى سنوات حتى أدرك أن هذه الملاحظة البسيطة ربما تكون أهم ما تعلمته خلال تجربتي كلها.
فالإنسان يستطيع أن يعرف الكثير عن الآخر دون أن يفهمه. وقد يقرأ عشرات الكتب عنه، ويتابع أخباره سنوات طويلة، ويزور بلاده مرات عديدة، ثم يظل أسير صورة ذهنية تشكلت في وقت سابق ولم تعد تعبِّر عن الواقع. وقد يحدث العكس أيضًا؛ فقد يقود لقاء قصير أو تجربة إنسانية مباشرة إلى فهم أعمق مما تمنحه مئات الصفحات.
ثم اكتشفت تدريجيًّا أنني لست خارج هذه الظاهرة كما كنت أظن.
فكلما تعمقت في دراسة الصين؛ بدأت ألاحظ أن بعض تصوراتي الأولى كانت بحاجة إلى مراجعة. بعض الأفكار التي بدت لي واضحة لم تعد كذلك، وبعض الأحكام التي ظننتها مستقرة بدأت تتغير. وكنت أحيانًا أشعر أنني كلما تعلمت أكثر؛ ازددت إدراكًا لحجم المساحات التي لم أفهمها بعد.
نقلني هذا الاكتشاف من موقع المراقب إلى موقع المشارك في المشكلة نفسها. لم يعد السؤال متعلقًا بما إذا كان الآخر يفهمني أم لا، بل أصبح السؤال يتعلق بقدرتنا جميعًا على الفهم.
وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأت أرى الأشياء بصورة مختلفة.
فخلال معظم التاريخ الإنساني كانت مشكلة البشر الأساسية هي نقص المعرفة. كانت الأخبار تحتاج شهورًا لتنتقل من مكان إلى آخر، وكانت صورة العالم تتشكل في حدود ما تسمح به الجغرافيا وإمكانات السفر والاتصال. لكن العالم نجح خلال القرن الماضي، وبصورة أكبر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، في معالجة جانب كبير من هذه المشكلة؛ فتقلصت المسافات، وتدفقت المعلومات، وأصبح الوصول إلى المعرفة متاحًا على نطاق غير مسبوق.
من الناحية النظرية، كان يُفترض أن يؤدي ذلك إلى نتائج واضحة. فكلما ازدادت المعرفة المتبادلة؛ تقلصت مساحة سوء الفهم. وكلما ارتفع مستوى الاتصال؛ أصبحت العلاقات الدولية أكثر عقلانية. لكن ما حدث فعليًّا يستحق التوقف عنده.
فالعالم الذي يمتلك أكبر قدر من وسائل الاتصال في تاريخه، هو نفسه العالم الذي يشهد مستويات مرتفعة من الشك المتبادل بين القوى الكبرى. والعالم الذي يستطيع فيه أي إنسان أن يتابع حياة الآخرين لحظة بلحظة، ما زال عاجزًا عن التخلص من كثير من الصور الذهنية القديمة. والعالم الذي يتحدث باستمرار عن القرية الكونية، ما زال يشهد سوء تقدير وسوء فهم لا يقلان خطورة عن تلك التي عرفتها عصور سابقة.
هل أخطأنا إذن في فهم العلاقة بين الاتصال والفهم؟
افترض كثيرون أن الاتصال يقود تلقائيًّا إلى الفهم. لكن الإنسان لا يستقبل المعلومات بوصفه صفحة بيضاء، بل يستقبلها عبر منظومة كاملة من التصورات السابقة والخبرات المتراكمة والانتماءات الثقافية والذاكرة التاريخية. ولذلك فإن وصول المعلومة لا يعني بالضرورة وصول معناها، كما أن مشاهدة الواقع لا تعني دائمًا إدراكه على حقيقته.
كلما ازداد تدفق المعلومات؛ ازدادت أيضًا قدرة الإنسان على انتقاء ما ينسجم مع تصوراته المسبقة. وكلما اتسعت مساحة المعرفة المتاحة؛ أصبح من الممكن بناء عوالم فكرية مغلقة داخل هذا الفيض الهائل. فنحن بهذا أمام وضع فريد في التاريخ: وفرة غير مسبوقة في المعرفة، يقابلها عجز متكرر عن تحويلها إلى فهم متبادل.
كل هذا قادني إلى مراجعة بعض السرديات الكبرى التي حاولت تفسير العالم خلال العقود الأخيرة.
بعض هذه السرديات انطلق من فكرة أن الصراعات المستقبلية ستدور حول الاختلافات الحضارية والثقافية، وأن نهاية الحرب الباردة نقلت التنافس من المجال الأيديولوجي إلى المجال الحضاري. كما ظهرت رؤى أخرى نظرت إلى العولمة بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل المستقبل، وتوقعت أن يؤدي تشابك المصالح إلى تقليص الفوارق بين المجتمعات.
ولم يغِب عني أن هاتين السرديتين، على تباينهما، وُلدتا في لحظة تاريخية واحدة: لحظة بدا فيها أن قطبًا واحدًا قد حسم أمر النظام الدولي لصالحه، فبدا المستقبل محصورًا بين صدام حول نموذجه أو ذوبان فيه. لكن تلك اللحظة الأحادية أخذت تتصدَّع منذ سنوات، وعاد العالم إلى ما هو أقرب إلى طبيعته: تعدُّد أقطاب لا يحكمه مركز واحد، تعيد فيه قوى صاعدة، من الصين إلى غيرها، رسم خرائط النفوذ والمعنى معًا.
في سنوات الدراسة الأولى، بدت هذه الأطروحات شديدة الجاذبية. لكن التجربة العملية كانت تثير في ذهني تساؤلات متزايدة.
فحين كنت أتابع العلاقات العربية الصينية، لم أجد صورة تنطبق على فكرة الصدام الحضاري. وحين كنت أراقب التحولات في المجتمعات المختلفة، لم أجد ما يؤكد أن العولمة تقود بالضرورة إلى عالم متشابه. كان الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فالحضارات لا تعيش في حالة صدام دائم، كما أنها لا تتحرك نحو الذوبان الكامل في نموذج واحد. إنها تتبادل التأثير باستمرار، وتتعاون أحيانًا، وتتنافس أحيانًا أخرى، وتتغير من الداخل بفعل عوامل متعددة لا يمكن اختزالها في تفسير واحد.
وهذا قادني لسؤال مختلف، ليس السؤال النمطي القائل: هل سيتصارع البشر أم سيتعاونون؟ كما لم يكن: هل ستنتصر العولمة أم ستنتصر الهوية؟ هذه أسئلة مهمة، لكنها لا تسبق سؤالاً آخر بدا أكثر جوهرية: كيف يرى البشر بعضهم أصلاً؟ وكيف تتشكل الصور المتبادلة بينهم؟ وما أثر هذه الصور في القرارات التي يتخذونها وفي السياسات التي يبنونها وفي الأحكام التي يصدرونها؟
كثير من النقاشات السائدة كانت تتعامل مع نتائج الظاهرة أكثر مما تتعامل مع الظاهرة نفسها. نتحدث عن الصراعات دون أن نتوقف طويلاً عند الكيفية التي تشكلت بها صور الأطراف المتصارعة عن بعضها. ونتحدث عن التعاون دون أن نسأل كيف نشأت الثقة التي جعلته ممكنًا. ونتحدث عن التنمية والتكامل الاقتصادي، دون أن نولي الاهتمام نفسه لمسألة الإدراك المتبادل التي تسمح لهذه العمليات بالاستمرار. كل ذلك قادني إلى قناعة متزايدة بأن الفهم ليس نتيجة جانبية لمسارات أخرى. إنه ليس أمرًا ثانويًّا يأتي بعد العوامل الأخرى، لكنه عنصر حاضر في قلب هذه العمليات كلها.
وبهذا بدأت تتشكل أمامي الفكرة المركزية لهذا الكتاب الذي أرجو أن يكون معبرًا عما أريده بشكل كافٍ.
فبدلاً من النظر إلى الفهم بوصفه أثرا طبيعيًّا للتنمية، بدأت أتساءل: ماذا لو كان الفهم نفسه جزءًا من التنمية؟ وماذا لو كانت قدرة المجتمعات على فهم نفسها وفهم الآخرين موردًا لا يقل أهمية عن كثير من الموارد التي اعتدنا قياسها؟
لم تأتِ فكرة «التنمية التفاهمية” دفعة واحدة، ولم تولد في لحظة إلهام مفاجئة، ولم تكن محاولة لصياغة مصطلح جديد يضاف إلى قائمة المصطلحات التي تمتلئ بها الأدبيات الأكاديمية المعاصرة. على العكس من ذلك، جاءت نتيجة مسار طويل من الملاحظات والتجارب التي تراكمت عبر سنوات عديدة، حتى بدأت بعض الخيوط المتفرقة تلتقي تدريجيًّا في صورة أكثر وضوحا.
وقد ساعدتني تجربة بيت الحكمة، التي أسستها في مصر والصين منذ سنوات بهدف بناء جسر ثقافي بين العالمين العربي والصيني، على رؤية هذه الفكرة من زاوية أخرى. فقد علمتني الترجمة، والنشر، وإدارة المشاريع المشتركة، أن نقل النص ليس نقلاً للمعنى دائمًا، وأن التبادل التجاري لا يصنع بالضرورة فهمًا، وأن الجسور بين الحضارات تحتاج إلى بناء يومي صبور لا يكتمل في عام أو عقد. وأن المؤسسة هي ما يبقى، أما الفرد فيمضي.
ومع مرور السنوات بدأت ألاحظ أن كثيرًا من النجاحات التي كنا نحتفي بها لم تكن تعني دائمًا أن الفهم قد تحقق بالدرجة نفسها. فقد يحقق كتاب نجاحًا كبيرًا في التوزيع، ثم تكتشف أن الرسالة التي حملها إلى القارئ تختلف كثيرًا عما قصده مؤلفه. وقد تنجح زيارة رسمية أو معرض كتاب أو مشروع ثقافي في تحقيق أهدافه المباشرة، بينما تبقى الصور الذهنية القديمة على حالها. وأحيانا كنت أشعر أن أصعب ما في الترجمة هو نقل السياق الذي وُلد فيه النص. وأصعب ما في الحوار هو الوصول إلى المعاني التي تختبئ خلف الكلمات.
فبدأت أنظر إلى الترجمة والنشر والحوار الثقافي بطريقة مختلفة. لم تعد بالنسبة لي أنشطة ثقافية مستقلة، وإنما أجزاء من عملية أكبر تتعلق بكيفية بناء الفهم نفسه. فالجسر الحقيقي لا يقاس بعدد من عبروا فوقه، وإنما بقدرته على جعل الضفتين أقرب إلى بعضهما.
وكلما تأملت النقاشات الدائرة حول التنمية؛ وجدت أن الجزء الأكبر منها ينصرف إلى ما يمكن قياسه بسهولة. نتحدث عن معدلات النمو، ومستويات الدخل، وحجم التجارة، ومؤشرات التعليم، والبنية التحتية، والقدرات التكنولوجية. وقد حققت البشرية إنجازات هائلة في كثير من هذه المجالات. لكن في الوقت الذي حققت فيه بعض الدول نجاحات اقتصادية واضحة، بقيت الفجوات المعرفية والثقافية قائمة بينها وبين محيطها. وأحيانًا كانت المصالح الاقتصادية تنمو بسرعة، بينما تظل الصور الذهنية المتبادلة متأخرة سنوات طويلة عن الواقع الجديد الذي تشكَّل على الأرض.
العلاقات بين الدول لا تقوم على المصالح المادية فقط، مهما كانت أهمية هذه المصالح. كما أنها لا تقوم على التوازنات السياسية أو العسكرية فقط. هناك دائمًا طبقة أخرى أقل ظهورًا، لكنها لا تقل تأثيرًا؛ طبقة تتعلق بالتصورات المتبادلة، وبمستوى المعرفة الحقيقية التي يمتلكها كل طرف عن الآخر، وبالقدرة على قراءة دوافعه، وأولوياته، ومخاوفه، وتطلعاته. وحين تغيب هذه المعرفة، أو تضعف، أو تتشوَّه؛ تصبح العلاقات أكثر هشاشة مهما بلغت قوة المصالح المشتركة.
ولم أعد أتعامل مع «التنمية التفاهمية» بوصفها دعوة إلى الحوار الثقافي، لأن الحوار وحده قد يبقى حدثًا عابرًا لا يترك أثرًا عميقًا. ولم أعد أقصد بها التبادل الثقافي بمعناه التقليدي، رغم أهميته. كما لم أقصد بها الترجمة وحدها، أو الإعلام وحده، أو التعليم وحده، أو الدبلوماسية العامة وحدها.
كنت أفكر في إطار أوسع من ذلك كله، إطار ينظر إلى الفهم بوصفه قيمة تنموية، وإلى المعرفة المتبادلة بوصفها بنية تحتية غير مرئية للعلاقات الإنسانية والدولية. فكما تحتاج المجتمعات إلى طرق وموانئ وجامعات ومصانع، فإنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تنتج الفهم، وإلى قنوات تسمح بتصحيح الصور المتبادلة، وإلى مساحات تتيح للناس أن يروا بعضهم بعيدًا عن القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة.
لا يعني ذلك أن الفهم وحده قادر على إزالة الخلافات أو إنهاء الصراعات. فالتاريخ الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يخضع لتفسير واحد. لكن الفهم يظل شرطًا ضروريًّا لإدارة الاختلافات بصورة أكثر عقلانية، ولتحويل التعاون من حالة مؤقتة إلى علاقة أكثر رسوخًا واستدامة.
حين أنظر اليوم إلى ربع قرن قضيته بين الصين والعالم العربي، لا أتذكَّر فقط الكتب التي ترجمت أو نشرت، ولا المؤتمرات التي شاركت فيها، ولا المشروعات التي عملت عليها. أكثر ما أتذكره هو عدد المرات التي اكتشفت فيها أن البشر يسيئون فهم بعضهم رغم حُسن النية، وعدد المرات التي رأيت فيها أن سوء الفهم قد يكون أقوى أثرًا من الخلاف نفسه.
وربما لهذا السبب لم يعُد السؤال الذي يشغلني يتعلق بالصين وحدها، ولا بالعالم العربي وحده، ولا حتى بالعلاقات بينهما. السؤال أصبح أوسع من ذلك كله: كيف يمكن للعالم أن يحول المعرفة إلى فهم، والاتصال إلى إدراك، والتجاور إلى علاقة إنسانية أكثر عمقًا؟
وكلما تأملت هذا التحول الكبير الذي يعيشه النظام الدولي، وهو ينتقل من هيمنة قطب واحد إلى عالم أكثر تعددًا، ازددت يقينًا بأن إعادة تشكيل هذا العالم لن تحسمها موازين القوة وحدها، بل ستحسمها أيضًا قدرة أطرافه الصاعدة على أن يروا بعضهم على حقيقتهم. وفي قلب هذا السؤال يقف لقاء العرب والصين: اختبار ما إذا كان عالم ما بعد الهيمنة سيُبنى على الفهم، أم على سوء الفهم القديم في ثوب جديد.
هذا الكتاب هو ثمرة البحث عن إجابة لهذا السؤال. لأنه محاولة للانطلاق من المكان الذي تبدأ منه حقيقة الاعتراف بأننا ما زلنا بحاجة إلى أن نفهم بعضنا بصورة أفضل. والصفحات التالية ليست محاولة لتقديم إجابات نهائية بقدر ما هي محاولة لفتح باب للنقاش حول سؤال أراه أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لقد أمضى الإنسان قرونًا يبني الطرق التي تصل بين المدن، ثم أمضى عقودًا يبني الشبكات التي تصل بين القارات، لكنه ما زال يواجه السؤال نفسه: كيف يمكن أن نعيش في عالم واحد دون أن نفهم بعضنا؟
وهذا الكتاب ليس محاولة للإجابة النهائية عن هذا السؤال.
لكنه محاولة للبحث عنه من جديد.
……………………………
*مقدمة الكتاب الصادر حديثا عن “بيت الحكمة للثقافة”.











