“ماكيت القاهرة” لـطارق إمام.. النموذج والواقع: من الانتقاء إلى التشويه

tareq imam

جوزيبّي أكّونتشا*

ترجمته عن الإيطالية: دينا الحمامي

     البطل في رواية “ماكيت القاهرة” للكاتب المصري طارق إمام، وترجمة باربارا بينيني، (منشورات Emuse) هو النسيج العمراني الواقعي والدستوبي لمدينة القاهرة وضواحيها في أعقاب مظاهرات ميدان التحرير في عام 2011. الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، تؤكد مكانة صاحبها كأحد أبرز وجوه الواقعية السحرية في الأدب العربي المعاصر، وهو الكاتب الذي سبق وقدم أعمالاً لافتة مثل رواية “هدوء القتلة” الصادرة في نسختها الإيطالية في عام 2016.

     تأتي الرواية عملًا بصريًا تخيليًا يطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الفن والخيال، والمحاكاة والواقع. في عام 2045، يكشف إعلانُ مشروع لإنشاء نموذج مُصغّر مطابق للقاهرة كما كانت قبل خمسة وعشرين عامًا، عن شبكة معقدة من مدن محتملة ومتخيلة، حيث يغدو كل شيء وكل إنسان واقعيًا وخياليًا في آن، وبينما يخطر للأبطال أملٌ في أن تتفوق اليوتوبيا على الواقع، يخوض كل من نود، وأوريجا، وبلياردو حوارات سريالية ومربكة مع “المسز”، مديرة “جاليري شغل كايرو” التي كلّفتهم بالمشروع، ومع منسي عجرم، ذلك المؤلف الغامض الذي سيحسم مصائرهم.

     يتمثل الهدف من المشروع في تقديم رؤى بديلة لمستقبل القاهرة عبر أرشيف هولوجرافي يتيح نظرة شاملة إلى المجال العمراني للعاصمة المصرية السابقة، وهكذا تتقاطع حكايات الشخصيات داخل بناء مدينة مدهشة وقرينتها، حتى تبدو القاهرة بأكملها وكأنها قد اختُزلت في طريق دائري يقود إلى مدينة أخرى.

     بين إصبع أوريجا المشوّه والملطخ بجريمة قتل الأب، وانقسام نود التي قضت حكمًا بالسجن لمدة عامين عقب فيلمها الوثائقي الأول، والعين التي استعادها بلياردو، (كأنما انتُزعت من إحدى شخصيات الجرافيتي للفنان عمار أبو بكر في شارع محمد محمود، مسرح المواجهات مع الشرطة خلال التظاهرات)، تتبدّى العاصمة المصرية كمدينة تسكنها آلاف الرؤى لمن خاضوا الثورة، ومن خلال ذلك، يعيد إمام استحضار الصور الكثيفة لخيبة الأمل التي أصابت أولئك الذين آمنوا بإمكانية التغيير.

    يكتب المؤلف: “انتهت ثورةٌ للتو، وبدا ميدان التحرير كقاع سفينة غرق ركابها”. ويضيف: “مدينة اجتاحت أرصفتها جموع من البؤساء المطرودين من بيوتهم”، وإن ظل جنون “شباب الثورة” مُبَررًا في نظره. يعتبر “بلياردو” من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الرواية، فهو فنان الجرافيتي الذي لا يكف عن التساؤل حول عواقب الفقد: من استفاد منه؟ وما الذي يمكن استعادته منه؟

    إن فكرة استرجاع ما فُقد تحولت إلى “نوع من الهوس، إلى إدمان”، تمامًا كما يتجلى طموح من يتوقون إلى استعادة لحظة التغيير الثوري. لكن يبقى السؤال: هل ينبغي لهذا النموذج المصغّر أن ينتقي الواقع، أم يستبعده، أم يعيد تشويهه؟

     يأتي جواب أوريجا عبر عمارة ليونيل مرسي التي تبتكر فضاءات رحبة داخل مبانٍ متقلصة، أو ربما عبر تقاليد السرد الفانتازي في أدب أمريكا اللاتينية، من خوليو كورتاثار إلى هوراسيو كيروجا، وهي الأصداء التي تتردد في عالم “طارق إمام”، أحد أكثر الكتّاب المصريين المعاصرين فرادة.

……………………

* منصةNigrizia الإيطالية

 

روائية وناقدة مصرية، صدر لها: الفراودة سيرة الفقد والإلهاء ـ رواية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع