بولص آدم
في مدينة تُباع فيها الأفكار بالكيلو، وتُعلَّق على واجهات المواقع كما تُعلَّق الأعلام الصغيرة على أعمدة الريح في يوم احتفال وهمي، هناك سوق خفي لا تُضاء مصابيحه إلا بعد منتصف القراءة، سوق يبيع ظلال النصوص النقدية بعد أن تُسحب أرواحها وتُعاد تغليفها بورق لامع كأنّه اكتشاف جغرافي جديد، لا تتفاجأ بمُتطفل، تأريخه مُرتبك مُتقلّب، مثل سيرته، أن يلعب في سيرك مدينة النقد بقراءتك لرواية أو نص شعري، وغيرها. سوق تشمّ فيه رائحة الحبر القديم والضجر العالق بين الصفحات. في هذا السوق يتجوّل لصوصُ المدينة بأحذية مصقولة من حبر مستعار، يحملون مقصات صغيرة لقص الأسماء من الجمل، يقطفون زهرة من حديقة غيرهم ثم يضعونها في مزهريتهم ويعلنون بفخر: انظروا.. لقد أنبتت الربيع.
أحدهم كان بارعًا في زراعة القشور، يدفن العظم التأويلي في حديقة غيره، يبدّل لون الأوراق ويعلن موسمًا جديدًا للدهشة، يعرف كيف يُبدّل ترتيب الغرف ويبقي الجدران كما هي، كيف يحرّك النوافذ قليلًا ويترك المشهد نفسه خلف الزجاج. كانوا يسمون ذلك تناصًّا، وكأن الكلمة معطف طويل يخفي آثار الأقدام فوق التراب الطري، لكن التناص الحقيقي، لو سألت الغابة، هو أن تذكر اسم البذرة وأن تشكر المطر الأوّل، وأن تعترف بأنك لم تكن أول من سمع همس الشجرة. أما أن تقتلع جذعًا كاملًا وتغرسه في حديقتك وتقول: اكتشفت الغابة، فهذه ليست قراءة، بل عملية نقل أثاثي تحت جنح البلاغة.
في المدينة مختبرات سرية لتغيير ملامح الجمل، يحقنون الأفكار بحقنة مرادف، ويستبدلون فعلًا بفعل كما تُستبدل لوحات السيارات الهاربة، ثم يطلقون النص في الشارع واثقين أن القارئ لن يتعرّف إلى بصمته الأولى. لكن النصوص، مثل القطط، تعرف بيوتها القديمة وتعود ليلًا إلى عتباتها، تموء تحت نافذة الكاتب الأوّل وتخدش باب الضمير، لتقول له: لقد مرّوا بي مرّة أخرى، مشّطوا شعري، غيّروا عطري، لكنهم لم يبدّلوا قلبي.
يا لصوص مدينة النقد، أي مجد هذا الذي يُبنى من صدى؟ وأي بطولة تُعلَّق على جدار لم تُرفع طابوقة واحدة من أساسه بيدكم؟ إن النقد ليس مرآة تُسرق صورتها، ولا قناعًا يُستعار لليلة احتفال، بل هو مواجهة عارية بين قارئ ونص، بين سؤال وجُرح، بين ضوء يغامر بأن يكون مختلفًا ولو خالف القافلة.
سيأتي يوم تتعب فيه الأقنعة من وجوهها، وتسقط القشور عن خشبها الرخيص، ويعرف القارئ، ولو متأخرًا، أن العمود الفقري لا يتكرر صدفة، وأن الغابة التي ادّعوا اكتشافها كانت مزروعة باسم آخر في دفاتر الأمس. وحينها لن يبقى في المدينة إلا النصوص التي اعترفت بأمهاتها، والقراء الذين شمّوا رائحة التربة الأولى، والنقاد الذين فهموا أن الفرق بين التناص والاستنساخ ليس مجرد مصطلح في كتاب، بل فرق بين يد تستعير بذرة وتذكر صاحبها، ويد تقتلع شجرة كاملة وتقسم أمام الجمهور أنَّها أول من رأى الغابة.













