إيمان سعيد
بين كان وكان كُتب التاريخ!
بين منادٍ ينادي على الموت بطبلة يدق عليها بقضيب من جلد، وحين ينادي على الموت بالقضيب فاعلم أن الموت محقق لا محالة! إذ كيف أن ينادي القضيب على الموت وهو واهب الحياة! وبين منادٍ آخر ينادي على الحرب ويدق على طبلته بجلد ناشف، إذن هي الحرب موت آخر وخراب محقق،
وبين الطبلتين تخرج قصص إنسانية غاية في الرقة وغاية في الرعب، فاطمة محبوبة البطل الأولى بشر، وكاتمة السر، ثيودورا القبرصية التي قابلها بشر في غابة بين الحياة والموت، أنقذها لتكون حبه الذي لا يطوله يومًا ما، ولكنه الحبل المجدول بين وطنين حتى الآن.
في روايته “”ثيودورا فاطمة” يغوص بنا مصطفى سليمان بين صفحات التاريخ يبحث وينقب ليصل إلينا بقصص إنسانية لم نكن نعلم عنها شيئًا لولا كتابته الرشيقة. حين تجد التاريخ يروي عن الإنسان فتمسك به وبقراءته، واعلم أن هناك نوعًا من الإنصاف للإنسانية طالما بَعُد الكاتب عن الحجر والشجر والقلاع، وتمسك بأن يحكي لنا عن الإنسان في تلك الفترة التي مرت بها البلاد وهو عصر المماليك.
تبدأ الرواية بالهرب من مرض كاد أن يقضي على معظم الكرة الأرضية وهو الموت الأسود “الطاعون”، يهرب بشر البطل إلى صحراء قريبة من الإسكندرية ويعيش في بيت جده هناك هو وزوجته وجواريه ومساعديه.
إذا كنت لا تصدق من كتبوا التاريخ لأنك دائمًا تشك: هل روايتهم صحيحة؟ هل التواتر صحيح؟ ماذا لو أن أحدهم يكذب ويكتب التاريخ كما يشاء أو كما يريد، تحرر مصطفى سليمان من هذه الورطة وحكى تاريخًا على لسان رجل بين الحياة والموت في حالة هذيان. إن كنت تصدق ما قاله أو لا، فإنك لست مطالبًا بتصديق ما يقوله لأنه ضرب من خيال الكاتب. هو فقط استطاع أن يتسلل إلى صفحات التاريخ ويقلب فيها بقلبه وعقله ليفرد لنا شخصيات هي من خياله، فلا نستطيع أن نحاكمه بصدق ما كتب أو عدم صدقه، ولكنك تستطيع أن تشعر بإنسانية كل شخص في الرواية، وتستطيع أن تحب وتكره ما تريد.

فلا شك أنك ستقع في غرام ثيودورا وآريسا وفاطمة وشمس وقمر وهجرة التي تمثل الوطن، وسيصطدم فؤادك بآدم، ذلك المخصي الذي أحب سيده وأخلص له فأحبه سيده وبكى من أجله حين وجده في أحضان جارية تسخر من عجزه حين رآه يبكي وجذوة الشوق تحرق صدره، فأخذ بثأره من تلك الجارية.
حين تعلم وتصدق أن الحب قاتل على مر العصور، حين ماتت شمس لأنها قابلت حبيبها الذي نقل لها عدوى الطاعون، حين ماتت ثيودورا فداءً لإسكندر معشوقها، وقتها ستتذكر هنادي في “دعاء الكروان” لطه حسين التي قتلها الحب، لتعلم أن الحب قاتل في كل الأزمان والخيال أيضًا!
رواية كبيرة تحكي أكثر من قصة، تولد القصص بين صفحات الرواية، ولكن لا ميلاد للتاريخ!
كيف يتم بيع طفل حتى يسدوا بثمنه جوع إخوته؟ وكيف يصبح هو ذاته الأشرف برسباي الذي تحزن لأجله مرة وتكرهه مرات.
وهذا السر الذي يبحث عنه البطل طول الرواية ستجده تحت الأرض، لنعلم أن الحياة مكنونة تحت طبقات الأرض، ولكي تصل إلى السماء لابد من الصدق، لابد من حب الوطن، لابد من أن تحكي الحكاية وترويها بصدق وتكملها حتى النهاية.
“ثيودورا فاطمة” عمل رائع عفيّ يحكي التاريخ كما يراه الإنسان، لا كما يراه المكان.




















