إسراء عبد الباقي
1ـ لماذا نحب أغنية “فكروني”؟
لأنها لا تبدأ بأغنية بل بسؤال ثقيل بطيء، يُقال على استحياء ثم يظل معلقًا في القلب، فهل نحن بارعون في النسيان؟، هنا تأخذنا كلمات عبد الوهاب محمد وألحان محمد عبد الوهاب في رحلة طويلة.
نحب “فكروني” بسبب الدقائق الأربع الأولى، البداية الموسيقية المقبضة التي تمهد لمواجهة لا مهرب منها، تشبه لحظة استدعاء الذكريات التي يحاول المرء إخفاءها، ثم فجأة تعزف الآلات نغمات عذبة، ليست عذوبة الفرح، بل عذوبة الحنين حين يقرر أن يكون صادقًا.
نحب فكروني لأنها لا تُسمع على عجالة، فهي تصنف من أطول الأغاني العربية، فمنذ ستين عامًا وقفت “الست” على خشبة المسرح لمدة زمنية قاربت 143 دقيقة تحركت خلالها بين الماضي والحاضر بلا فواصل كأنها أرادت أن تقول: ذكريات الحنين لا تُختصر
نحب فكروني لأنها حكاية امرأة، تبدأ بمن يلتفوا حولها ليذكروها بحبيب سابق لا يهاجموه ولا يدافعوا عنه، فقط يفتحوا الباب فتدخل أم كلثوم وحدها إلى غرفة الذكريات وتصحبنا معها قائلة: “وافتكرت فرحت وياك قد إيه.. وافتكرت كمان يا روحي بعدنا ليه”، تتذكر كيف كان اللقاء، وكيف كان البُعد، وكيف بدا الفراق معقولًا في وقته.
نحب فكروني لأنها تأخذنا في رحلة طويلة من الذكريات التي لا تحمل ندمًا أو بكاءً على الأطلال، ثم فجأة في اللحظة الفاصلة، تنهار كل محاولات التماسك، وتخرج الجملة التي تلخص ساعتين ونصف من الغناء: “فكروني إزاي؟.. هو أنا نسيتك؟”، وفي قولٍ آخر: “أنا إمتى نسيتك؟”.
لماذا نحب أغنية فكروني؟
لأنها تثبت أن أعظم الأغاني تولد من التوتر، ومن الصدق، ولأنها: “كده كده هتفكرك بحاجة”، وتظل تحمل السؤال الذي لا إجابة له: هل ننسى حقًا؟
٢. لماذا نحب أغنية “أنت عمري”؟
لأنها لا تبدأ بحب جديد بل بحساب قديم مع الزمن والعلاقات القديمة، ففي السابع من فبراير عام 1964، وقفت أم كلثوم على مسرح حديقة الأزبكية لتغني أول عمل يجمعها بألحان محمد عبد الوهاب وكلمات أحمد شفيق كامل، أغنية لا تبدأ بحب، بل تبدأ بحسرة صغيرة تختبئ داخل اعتراف كبير، فكوكب الشرق هنا لا تقول إنها وجدت الحب، بل تقول شيئًا أكثر قسوة.. فكل ما سبق هذا اللقاء بدا كأنه كان انتظارًا طويلًا للحظة التي بدأت فيها الحياة فعلًا.
لماذا نحب أغنية أنت عمري؟
لأن “الست” وقفت على مسرح الأوليمبيا في 13 نوفمبر 1967، كأول مطربة مصرية تعتلي خشبته، ولم تكن تغني عن لقاءٍ بقدر ما كانت تغني عن كل ما سبقه؛ عن السنوات التي مرّت كاملةً دون أن تشبه الحياة التي كانت تنتظرها، وعن عمرٍ ظل معلقًا حتى جاء من يستحق أن يبدأ به
نحب “أنت عمري” لأن بها واحدة من أكثر الجمل قسوة وصدقًا: “اللي شفته قبل ما تشوفك عينيا.. عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّا؟”. فالحب هنا لا يضيف أيامًا إلى العمر، بل يعيد تعريف العمر نفسه.
لماذا نحب أغنية أنت عمري؟
لأن الأغنية تشبه الهدنة التي تعقب حربًا طويلة مع الزمن فبعد كل الأسئلة عن السنوات التي ضاعت، وكل الحسرة على ما فات، لا تطلب أم كلثوم استعادة شيء، ولا تحاكم العمر على ما أخذه منها، بل تلتفت إلى الحبيب وتقول في هدوء من وصل أخيرًا إلى بر الأمان: “يا حبيبي تعالى وكفاية اللي فاتنا”، ثم تخفف وطأة السنوات الضائعة كلها في سؤال واحد: “هو فاتنا يا حبيب الروح شوية؟”.
“أنت عمري” لا تصل إلى ذروتها في “يا أغلى من أيامي.. يا أحلى من أحلامي”، بل في الجملة التي تبدو وكأن الأغنية كلها كانت تسير نحوها منذ البداية: “صالحت بيك أيامي.. سامحت بيك الزمن.. نستني بيك آلامي، ونسيت معاك الشجن”، فالحب هنا لا ينتصر على الوحدة فقط، بل يصلح علاقة الإنسان بماضيه، ويجعله ينظر إلى سنواته القديمة دون غضب، ودون حسرة.
لماذا نحب أغنية أنت عمري؟
لأن قليلًا من الأغاني تتحدث عن الحب، أما “أنت عمري” فتتحدث عن شيء أصعب بكثير، أن يأتي شخص فيربت على كتفك ويمحي سنواتك القديمة، ويقول لك إن كل هذا الانتظار لم يذهب سدى.
………………
*كاتبة مصرية
.











