أجرى الحوار: كلارا ديجيوفاني
ترجمة: الحسن علاج
لماذا ننبهر كثيرا بتنوع الأشكال الحيوانية؟ ولمعرفة ذلك، فقد قمنا بدعوة الفيلسوف برتران بريفوست Bertrand Prévost، الذي يعد كتابه الرشاقة الحيوانية من بين الكتب التي تأهلت لنهائي جائزة فيلوموناكو للمقالة، لرؤية ما يتوارى خلف المظاهر مع تعليقه على بعض صور الطيور، الزواحف أو السنوريات.
أي طفل لا يندهش عند رؤية ريش ببغاء أو خطوط منومة لحمار الوحش؟ ولاستعادة تلك البهجة الطفولية، فقد وجه برتران بريفوست إلينا الدعوة لملاحظة الحيوانات.
مؤرخ للفن وفيلسوف، فقد خصص مؤلفا بخصوص مسألة الرشاقة الحيوانية (دور نشر مينوي، 2025)، يرمز بالنسبة إليه إلى ” توزيع حاذق تشكلت عبره أشكال وألوان حيوانية بمهارة “. وبعيدا عن المقاربات الحيوانية والطبيعانية، يركز بريفوست على الطريقة التي تكشف الحياة البرية عن نفسها للعالم، مع ميل لاستعراض معين. ويمكن لتلك الرشاقة الحيوانية أن تمر، في المقام الأول، عبر ألوان قزحية ومزركشة، من خلال زخارف في غاية الدقة والروعة. إلا أن هذا الجمال لا يوجد من أجل سواد أعيننا.
تعتبر الحيوانات ” مظاهر غير موجّهة “، طالما أنها تظهر من أجل ذاتها، وليس بالضرورة من أجل مجرد الظهور. ويشهد على ذلك فنها في التمويه لكن أيضا تحولاتها المذهلة للغاية التي تمتلك القدرة على القيام بها. لا تشير الرشاقة الحيوانية إلى شكل ثابت، بقدرما تشير إلى قدرة تشكيلية على التحول إلى شيء آخر غير ما هي عليه، إن لم تصبح غير قابلة للتمييز تقريبا. من التخفي إلى المحاكاة، مرورا بالاستعراض… إن الأنواع التي سترونها هنا بارعة جدا في فن تغيير المظهر relooking) (. إن الصور التي سوف تلي، فقد تم التفكير فيها مثل رحلة تنطلق من الحيوان الذي يمكن التعرف عليه مباشرة ـ الببغاء ـ إلى الكائن الذي يبتعد عن شكله الأصلي على الإطلاق : طائر الفردوس.
شعارات نبالة: ببغاوات مكاو
“هنا فصيلتان رائعتان من ببغاء ماكاو Ara macao) (. قد يذهب بنا الاعتقاد إلى أن الأمر يتعلق بزوج. إن الطيور من فصيلة الببغاوات، ببغاوات ماكاو والببغاوات، تتحد من أجل الحياة. لاحظوا ثراء الألوان، ولاسيما الأحمر القرمزي لهذا النوع الذي يعيش في المناطق الاستوائية لأمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى. تأملوا كذلك هذا الأزرق القزحي المذهل ! لا يتم تفسير هذه المعجزة اللونية بتاتا بواسطة وظائف المحافظة على النوع كما كان بإمكان الداروينية والداروينية الجديدة القيام بذلك. ليس ثمة تمويه هنا ! إن التفسير عبر الاصطفاء الجنسي والذي عبره يتزين الذكور لإغراء الإناث، هو تفسير لا معنى له هنا، لأنه ليس ثمة ازدواج للشكل الجنسي ـ الأنثى هي أيضا أكبر حجما وذات ألوان شأنها شأن الذكر. وحتى أن وجود الريش لببغاوات ماكاو يتحدى إذن التأويلات البيولوجية الكلاسيكية. ولحسن الحظ، فإن ثمة طريقة لفهم هذا الريش، أستعيرها من أدولف بورتمان (Adolf Portmann، وهو عالم حيوانات عبقري سويسري، في منتصف القرن العشرين، فقد كان يرى أن حيوانا ما لا يمكن اختزاله في سيرورات عضوية وفيزيولوجية. رسام لا مثيل له، اهتم بالمظهر الخارجي للحيوانات، بقدرتها على التعبير، بطريقتها في الظهور. وظف بورتمان صورة أجد أنها صورة دقيقة جدا : تعتبر الحيوانات بالنسبة إليه مثل شعارات، وقاعدتها الوحيدة تكمن في التميز عن الشعارات الأخرى. يساعدنا علم الشعارات في فهم أن ما يهم، في شعر أو ريش، ليس التعبير عن هوية بقدر ما هو التعبير عن تحقيق اختلاف، قيمة تمييزية بين كل نوع. ففي حالة الببغاوات، مثلا، من المستحيل خلط ببغاء قرمزي Ara macao) (بألوانه الأحمر، الأصفر، الأخضر والأزرق، مع الببغاء الأزرق والأصفر (Ara ararauna) ذي الظهر الأزرق والبطن الأصفر، وبالأحرى مع أي طائر آخر. ثمة لدى الحيوانات صيغ، أعني أساليب للتعبير عن شكل معين. وليست تلك الصيغ أشد اختلافا مما نطلق عليه ” موضة ” والتي تشير إلى طريقة في التعامل، الظهور. فحينما نقول أن ” التخطيطات تتناسب مع الذوق العام ” فنحن لا نملي على مصمم كبير طريقة تصميمها : كل واحد له أسلوبه، كل واحد له تنوعه. ثمة في هذا الصدد مستحضرات تجميل حيوانية حقيقية ! “
محاكاة الثعبان الزائفة
” إننا هنا بصدد ثعبان مرجاني من جنس ميركوروس Mircurus) (، وهو ثعبان ذو سمية قاتلة. يتميز بتناوب لشرائط حمراء، صفراء وسوداء. لكن على خلاف ببغاء الماكاو القرمزي، الذي يمكن التعرف عليه حتى من قبل غير المتخصصين، فمن الصعوبة بمكان تمييز أنواع الثعابين المرجانية، لأنها تتشابه لدرجة التطابق تماما ! إن الثعبان المرجاني الذي نراه في الصورة، يتشابه إلى حد يصعب تمييزه عن ثعبان الكورال الكاذب (L’Erythrolamprus aesculapii)، وهو أقل سمية. يشبه ثعبان الميكروروس أيضا ثعبان اللبن (Lampropeltis triangulum)، وهو ثعبان غير سام تماما. ويوجد ثعبان أيضا أكثر خصوصية : الثعبان الأسطواني (L’Anilius scytale)، ويسمى كذلك ” ثعبان المرجان الكاذب ” أو ” ثعبان برأسين “، لأن ذنبه يشبه رأسه. لا يقلد هذا الأخير ألوان ثعبان المرجان فقط، بل يمارس ” المحاكاة الذاتية ” ـ وهو ما يشير إلى قدرته على محاكاة نفسه، عاملا على تقليد رأسه مع ذنبه. حينما يتم الكلام عن ” ثعبان المرجان “، لا يُعرف بالضبط إلى أي نوع من الأنواع تتم الإحالة عليه. ويقوم ثعبان المرجان لوحده بزعزعة مفهوم الأصالة، ومفهوم الأصل. وعلى المستوى الفلسفي، فإن تنوع ثعابين المرجان يضعنا في خضم واقع ضمني محدد سلفا. لا وجود لنموذج أصلي، مطلق، للثعبان المرجاني. نحن هنا فقط بصدد نسخ لنسخ فاتنة ! “
النمر المرقط بملابس داخلية
” يعتبر النمر المرقط الذي نراه سنورا قويا للغاية. فكه مزود بقوة هائلة، تساعده على سحق رأس زاحف ما، مثل سحقه لتمساح كايمان. أتمنى من خلال هذا النمر المرقط تعميق فكرة الرشاقة الحيوانية إلى حد ما، دون الاهتمام بعد بالحيوان في مجمله بل بفروه فقط. أيضا تلك البقع الدائرية التي أرغب في الحديث عنها : تلك الورديات الدائرية والمفتوحة في نفس الوقت، والتي تشبه عينا ـ مع تلك النقطة في الوسط. لقد سحرت بتعقيدات، والرقة الميتافيزيقية لهذا الأسلوب في الظهور. هذه البقعة ليست شيئا، بالمعنى الجوهري للكلمة ـ لكنها أيضا ليست محددة تماما. إنها تحتل، في الواقع، مكانا متميزا للغاية، طالما أن تلك الزخرفة لا تمتزج بشكل الحيوان. إنها لا توزع استنادا إلى تقسيمها التشريحي. ثمة شيء ما، في الفرو، ينفصل إذن عن النمر المرقط. ومع ذلك، لا نستطيع الذهاب إلى حد القول أنه يرتدي لباسا، لكن يمكن اعتبار ـ للتفكه ـ أن كل شيء يحدث كما لو أن نمرنا المرقط كان يلبس ملابس داخلية، بمعنى أن فروه يوجد بين الجلد والزينة، بين العضوي واللاعضوي. لا أتردد في سحب مظهر الحيوانات من جهة ممارساتنا التجميلية واللباسية. البعض سيقولون أن الأمر يتعلق بنزعة تشبيهية ـ ومن وجهة نظر معينة، فأنا أتفق معهم. لكن النزعة التجسيمية التي أمارسها هي موقف متواضع، لا يسعى إلى إسناد ما هو بشري إلى الكائنات والأشياء، بل من باب أولى رؤية أن من صاغ طين العالم لا يوجد خارج من صاغ طيننا البشري. لا أسعى إلى رؤية الحيوانات مثل كائنات توجد خارجنا، ونستطيع إذن توضيعها، بل أن ُ باعتبارنا بشريين على مستوى شبيه بمستواها : هو مستوى المظهر. كما نلبس ملابسنا تماما، ترتدي الحيوانات ريشها، فروها وعيونها الكاذبة… “
الببغاء الأخضر الغابوي
” هذا الببغاء الأمازوني ذو الجبهة الحمراء هو طائر ممتلئ الجسم إلى حد ما يبلغ حوالي ثلاثين سنتيمترا. إن ما يثير انتباهي فيه، هو تمويهه الأخضر لأنه يسمح لنا بالذهاب إلى أبعد الحدود في تنوع أشكال الرشاقة الحيوانية. بالفعل، لأن هذا اللون الأخضر ليس لونا أخضر في ذاته : إنه يصدر عن التفاعل بين بنية زرقاء وطبقة شفافة من أصباغ صفراء بهدف إخفائها. إن خليط هذين اللونين هو الذي يعيد صياغة هذا الأخضر المتميز للغاية. إذا ما تم الاقتراب من الريش، سيتم رؤية بريقه القزحي المزرق ! فعلى المستوى البيولوجي، إن لون الورقة الأخضر الذي يوجد أمام الببغاء هو من طبيعة مغايرة تماما، لأنها موصولة بتركيب اليخضور. لكن لدى رؤية المرء هذا الببغاء في بيئته، يكون لديه ثمة انطباع أن لونه يتطابق تماما مع لون أوراق الأشجار. ثمة لون أخضر مشترك ينفلت من تلك الصورة، يتخلص من حيوانية الببغاء لكن أيضا يتخلص من نباتية أوراق الشجر. هذا الأخضر ينقل الورقة إذن، ينقل الببغاء، لكن أيضا وعلى نطاق واسع، ينقل مجموع الغابة.
إن هذا الطائر المتنكر يرتدي بمعية وسطه الاستوائي. أصر هنا على ضمير الملكية، كما لو أن الببغاء كان يصنع ريشه مع أوراق الشجر. إنه يصنع ملابسه من بيئته. يحمل العالم، ليس على عاتقه، بل يحمله على ريشه. “
سمك موسى
” لدينا هنا نوع أقرب إلينا ـ يوجد في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط : سمك أعماق البحار، سمك مفلطح يساري العيون : تقع عيناه الضخمتان الجاحظتان على الجانب الأيسر (على النقيض من بطنه، الذي يوجد على الجانب الأيمن)، وهو النوع الذي نشاهده على الصورة هنا. وخلافا لما يمكن اعتقاده مع هذه الصورة، فإن هذا السمك ليس شفافا. إن له نفس لون القاع الرملي. إن ما يثير اهتمامي فيه : فهو ينصهر في شيء لم يعد حيا حتى، غير عضوي تماما (خلافا لورقة الببغاء الأخضر). تجبرنا هذه السمكة على الاعتراف بأن إمكانية التطور المشترك، لا تنحصر في العلاقات بين الأنواع، بعبارة أخرى عدم الانحصار في المجال الوحيد للكائن الحي، بل يمتد إلى كل التقسيم الطبقي الطبيعي، أخذا بعين الاعتبار مساهمات الصخور، الأحجار والأملاح المعدنية. يتخلص التمويه من خصوصيته البيولوجية لإضفاء طابع تعبيري أوسع. هذا يعطي الانطباع بتجريد غريب، لكنه لا يعني مع ذلك الانسحاب من العالم ! على النقيض من ذلك، وبظهور سمك موسى بهذه الطريقة، فهو يقترح أسلوبا لابتكار بيئة حية، أن “يصير ـ عالما ” عاملا على مفصلة عناصر جسمانية مع الكوسموس. “
الأفعى التي أعجب بها رامبو
” لدينا هنا أفعى الغابون، التي تعتبر أكثر سمية. أطول من ساعد اليد،، تعيش في الغابات الاستوائية الإفريقية وتقدم شكلا مذهلا للتخفي : التخفي التخريبي. إنه نوع من التخفي يرتكز على نوع من العروض، هو في الغالب عبارة على شرائط ومثلثات تأتي لكسر الشكل الفردي للحيوان. وتعد تلك العروض عروضا شبكية : إنها تشتغل على شكل شبكات. فحينما يلتف الثعبان على نفسه، كما هو الحال هنا، فنحن لم نعد ندرك شكله الأنبوبي المتميز. هذا لا يعني أنه يختفي أو لم يعد له شكل : خلافا لذلك، فإن شكله يمكن التعرف عليه بسرعة ويقدم نفسه مثل سلسلة مثلثات ومعينات هندسية. في المقابل، إنه مندمج في محيطه إلى درجة يصبح فيها غير قابل للتمييز ! علاوة على ذلك، فإن هذا النوع من التمويه قد ألهم الجيش، وخاصة أساطيل السفن البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى. قام بعض الفنانين أمثال المصور نورمان ويلكينسون (Norman Wilkinson) برسم خطوط مائلة غير منتظمة على سطح السفن. وتستمر رؤية السفينة، لكنه يصبح من المستحيل تحديد اتجاهها، مقدمتها، تكهن مسارها أو تقدير سرعتها، وهو ما يجعلها عصية على أي هجوم تتعرض إليه. ويمارس هذا التمويه على مستوى الوجه : على غرار جون رامبو الذي يرسم خطا لكسر هيئة ملامحه. شأنه في ذلك شأن رامبو، يغير الثعبان من هيئته تماما كي يبدو شيئا آخر غير ما هو عليه. “
طائر الجنة التجريدي
” طائر الجنة الرائع أو الطائر الفردوسي ـ هو طائر يعيش في غابات جبال غينيا الجديدة. لإغواء الأنثى، يعتلي جذع شجرة بعد أن يعمل على تنظيفه، ثم يشرع في القفز، مرسلا نوعا من الفرقعة أشبه بسوط أو ضجيج كهربائي. يبسط الدرع الصدري الأزرق المخضر المتقزح تارة، وتارة أخرى يشكل طوقا من الريش الداكن على رأسه. وتبرز رأسه المرفوعة بكاملها حزمتين من الريش الأزرق، اللتين تشبهان عينين ضخمتين (لكنهما ليستا كذلك !) إن المثلث الأصفر الذي نراه،إنه ليس منقاره، بل داخل فمه، الذي يمنح تباينا صارخا بمعية ريشه الداكن. والأمر المذهل في هذا العرض، هو أنه يجعل طائر الجنة يفقد ليس فقط هويته كطائر جنة، بل يفقد، على نطاق واسع، هويته الطيرية : لا وجود لطائر يشبه ذلك ! إنه شكل لا يشبه أي شيء، ليس له أي علاقة انسجام شكلي مع جسم الطائر. لا وجود لأمام ولا لوراء. ومع ذلك، فإن طائر الفردوس الذي يقدم عرضا ليس بالأمر الهين. إنه ليس خليطا فوضويا شكليا. ثمة شيء بالفعل : وفي هذا السياق ثمة وجه تجريدي يُرفع، مثل عينين صغيرتين وفم ضخم. تماما مثل سمك موسى، يتحول طائر الجنة تقريبا إلى كائن تجريدي، واجهة. وعلى الرغم من ذلك، ومن وجهة نظر علم الحيوان، فإن ذينك النوعين لا تربطهما أي علاقة بتاتا. إن الوضعية التي أتخذها، والتي تكمن في ملاحظة المظهر الخارجي للحيوانات، تسمح لي بابتكار صلة وصل بينها. وحتى الحيوانات التي تعيش في نفس الوسط البيئي، والتي لا تربطها أي علاقة ببعضها البعض، فإنها تشترك في سمة معينة : هي سمة الظهور. وبالتالي وخلافا لما يقوله لنا التقليد الظزاهراتي، فإن هذا الظهور ليس ظهورا محضا تماما. إن الكائنات الحية ـ وغير الحية ـ تظهر على الدوام ضمن علاقة معينة مع أنواع أخرى، سواء أكانت قريبة أو متباعدة. لا تظهر الحيوانات بشكل منفرد، بل تظهر على شكل جماعات كما لو كانت وسط قطيع باستمرار ـ أو عرض أزياء !”.
……………….
ـ مصدر النص : المجلة الفرنسية فلسفة Philosophie magazine) (عدد 201 صيف 2026

















