لسه فاكر

أحمد رجب شلتوت

 وكز الباب بعصاه فانتبهت، توقفت عن رش أرض الحوش بالماء، رأته يدفع الباب الصدئ، يخطو عابرا العتبة، ترش ما تبقى من ماء في الكوز فوق الصبارة، تزيل عنها بعض ما علاها من تراب مصفر، تسمع صوت لهاثه، يسعل كثيرا وهو يضغط بكفيه على صدره، بالأمس أرقها سعاله كثيرا، كلما أوشكت على النوم يسعل ويهتف مناديا أبيه، لا الأب يرد ولا سعاله يهدأ.

 لم تعرف له أبا، ولا تتذكر ملامح أبيها. نشأت يتيمة، وهو كان صبيا حينما قذفت به الدنيا إلى حيهم، التقطته أمها، اتخذته ولدا وعلمته صنع العصائر وتثليجها، وكان في الأصياف يدفع العربة وينادي داعيا العطشى، وفي أماسي الشتاء يطوف بحمص الشام ويشوي كيزان الذرة في النهار، اطمأنت له الأم فكفت عن مرافقته في طوافه، ولم تمت إلا بعد أن زوجته من وحيدتها.

 وهو جرب أعمالا كثيرة، يدفع عربة العصائر ويحمل الأجولة، يحفر ويهدم الحوائط، ثم يحمل ركامها فوق كتفه ليرميه بعيدا، تتذكر قول أمها عنه “دراعه مارقة تفوت في الحديد”، تراه قادرا على فعل أي شيء، لكنه عجز عن منحها ابنا.

 وظلت الدنيا تركلهما حتى أوصلتهما إلى سكنى المقابر. ولما أعياه دفع العربة المتهالكة باعها خردة وعاشا على “رحمات” زوار المقابر، لكن الدنيا تغيرت، الموتى هجروا الإمام الشافعي، أصبحوا يفضلون الدفن في أكتوبر، والزوار قلوا وندرت الرحمات.

 تتنهد بأسى وهي ترمقه، يستند إلى شاهد القبر، يركن إلى جواره حجارة بطارية للراديو وباكو شاي وعبوة معسل، ثم يخلع جلبابه، يعلقه في شاهد القبر، ذراعاه تهدلا، يرهقهما القبض على العصا، يضرب الأرض بعصاه وكأنه يريد أن يغرسها، الضربة الواهنة تثير ترابا خفيفا يراقبه وهو يجلس القرفصاء ويعاود السعال.

 صامتا يتناول منها كوب ماء، يشير باتجاه رف في الحائط، تفهم مقصده، تأتي له بالراديو والجوزة، وصينية الشاي، ثم تأتي بكومة حطب وقوالح، تشعل النار وتجلس، تراقبه وهو يغير ماء قارورة الجوزة ويتأكد من تسليك الغابة، ينفخ فيها فيقرقر الماء، يملأ الحجر من عبوة المعسل، ثم يغير حجارة الراديو، يبدد الصمت، يبحث عن صوت ثومة، فلما تصدح يركن الراديو إلى جوار شاهد القبر، يتمتم معها:

 _ كلمة، كلمة لما راح الهوى ويّا الجراح

 يهز رأسه منتشيا، يراها تصب الشاي من البراد في الكوب، ثم ترده وتعاود الصب، يتابع تكون الرغوة وتكاثفها وهو يتمتم:

 _ واللي قاسيته في ليلي اتنسى، اتنسى، ويّا الصباح

 تناوله الشاي فيناولها الجوزة، يأتيها صوته خافتا:

 _ شدي لك نفسين

 يرشف الشاي بتلذذ وهو يتابع شدها الأنفاس وسعالها، تضحك وهي تعيدها له:

 _ شد انت براحتك وأنا يا دوب بعد العمر ده أقدر أشفط الشاي

 يضحك ويشد النفس لتقرقر الجوزة بينما ثومة تصدح:

 _ لسه فاكر، كان زمان، كان زمان.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع