عزة سلطان
يتحول الضحك في رواية “لا يكف عن الضحك” رواية لرشا عبادة الصادرة عن مؤسسة بتانة الثقافية في مطلع العام 2025، إلى تكئة درامية أساسية تدفع السرد في وجهات متنوعة، حيث الإشارات الثقافية والمعرفية متنوعة وتعزز البنية السردية، كما تنسج عبادة عبرها عالماً مليئًا بالتفاصيل التي تتجاوز حدود السرد العادي، وتقوم بتوظيف المفاهيم النفسية والتربوية في سياقات حوارية أو ضمن تأملات الشخصيات. وقد انعكس ذلك في الحوارات، والإحالات غير المباشرة، والتراكيب اللغوية التي تحمل أحيانًا دلالات فلسفية خفية، ومن خلال هذا البناء، تؤكد الرواية أن الكتابة ليست مجرد نقل للأحداث، بل هي محاولة واعية لفتح نقاش معرفي حول قضايا الهوية، والانتماء، والبحث عن الذات.
لا نساء في الظل
لا تنتمي عبادة لأفكار تمجد البطل، بل هي تُكسب عبر السرد فرادة وتميزا لكل شخصية من الشخصيات النسائية حول البطلة، حيث تُصاغ أدوارهن بما يمنح الرواية زخمًا داخليًا، مع إبراز تنوع تجارب المرأة في سياقات اجتماعية مختلفة. حيث تتحرك الشخصيات النسائية في فضاء يحمل أبعادًا نفسية واجتماعية غنية. فتبدو البطلة كأنها مُحرك رئيس للأحداث، تقود السرد وتُعيد تشكيل مساراته وفق تفاعلاتها مع الآخرين، سواء جاء التفاعل سلبيا عبر الملاحظة، أو تفاعليا خلال فترة احتجاز والدتها بالمستشفى. ويتجلى حضور البطلة عندما تتقاطع تجربتها الذاتية مع الخطوط المتعددة للحكاية، وهو ما يجعل السرد مرنًا وحيًّا ومشوقًا.
يأتي السرد على لسان البطلة في حالة أشبه بموسيقى الشعر فهي تنتقل في الزمن وكأنها تعزف مقطوعة موسيقية تتحرى فيها وصلات من الدفء والألم، تعتمد على التدفق العاطفي، فيمكن أن تحكي عن هيبة أمها كرئيسة للتمريض، في حين أن الأم طريحة الفراش في المستشفى، وغائبة عن الوعي، وتلتقط تفاصيل من زواجها السابق والعنف الجسدي الذي يُمارسه زوجها (مرتضى) نحوها، ثم تخطو لتجريد المجتمع من زيف الوعي وهي تصف زيارة الشيخ لها ليحررها من الجن ويحصنها من الحسد، ثم تواصل فضح الانساق النمطية عبر العديد من الوقائع، تفعل ذلك بمرونة وسلاسة وتقفز من زمن لآخر بأريحية كبيرة ودون قيود تقليدية، الانتقال في الزمن وبين الشخصيات تفعله خلسة، حتى ان القارئ لن ينتبه لهذه الحيلة السردية التي تفعلها النساء حين يحكين.
الأسس المعرفية
دمج المعرفة أو المعلومات بالنص الروائي فعل سردي قدمه روائيون كُثر، فميلان كونديرا فعل ذلك في كائن لا تحتمل خفته، وقدمه صنع الله إبراهيم في العديد من روايته وكذلك إبراهيم عبد المجيد، لكن رشا عبادة تقدم المعرفة بشكل خاص، إذا يُصبح موضوع صعوبات التعلم هو أفعال سردية للبطلة، التي تعرض المشكلة وطرق العلاج دون صوت عال، وإنما البطلة تحكي عما تفعله مع طفلها، وكيف تواجه هذه المشكلة، فتصبح معالجة الرواية لموضوع الطفل الذي يعاني صعوبات التعلم. ليست عنصرًا هامشيًا، بل معاناة تعيشها الأم (البطلة) وكل أم تواجه ذات المشكلة، أوضحت رشا عبادة عبر الرواية تلك المعاناة بأسلوب يمزج بين الواقعية والتأمل النفسي، حيث استطاعت مزج المعرفة العلمية بالحبكة الدرامية، لتجعل سردها ذا بعد واقعي وعاطفي مؤثر.
تُظهر عبادة إلمامًا عميقًا بأساليب التعامل مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم، من خلال مواقف درامية غنية بالتفاصيل النفسية، ما يساهم في إبراز عمق هذه التجربة الإنساني، معتمدة على توظيف لغة بسيطة ومباشرة عند تناول الجوانب التربوية والنفسية.
نجت الكاتبة من الوقوع في فخ التقريرية أو تقديم دروس تعليمية صريحة، ولكنها استطاعت مزج المعرفة بالسرد فأظهرت كل ما تريد قوله من خلال الحوار بين الشخصيات، وفي الأفعال وردود الأفعال، صانعة تفاعل بين الحدث الدرامي والمحتوى المعرفي، حتى أن الرواية يمكن ان تُصبح بمثابة دليل للأمهات اللواتي تواجهن ذات المشكلة.
لم ينحصر تميز عبادة في روايتها عند صهر المعرفة مع السرد ولكنها تمكنت من تقديم نظرة داخلية لعالم الطفل الذي يعاني من صعوبات التعلم، حيث تنعكس هذه النظرة في وصفه لمشاعره، وإحباطاته، وطرق تفكيره المختلفة عن زملائه، وقد كشفت رشا عبادة من خلال هذه التفاصيل، عن فهمها العميق للاضطرابات الإدراكية والسلوكية المرتبطة بهذه الحالات، فاستطاعت أن تأسر القارئ بروابط متنوعة بين التعاطف مع الطفل، ومع الأم والانجراف في الحالة الشعرية التي كونتها عبر صوت البطل والتنقل الرشيق بين الحدث والزمن.
تعتمد الرواية على شبكة من العلاقات المتداخلة وفق شبكة من التفاعلات التي تجعل تطور الأحداث طبيعيًا ومبررًا دراميًا، فالعلاقات بين الشخصيات ليست خطية، وليست مجرد روابط سطحية بين الأفراد، بل تتطور وفق نسق متشابك، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات وتؤثر في بعضها البعض بطرق غير متوقعة، فالتوترات والصراعات التي تنشأ بين الشخصيات تؤدي إلى تحولات درامية تعيد تشكيل الأحداث وتدفعها نحو مسارات غير متوقعة، هذه التشابكات تُضفي على السرد طابعًا حيويًا وواقعيًا، فبينما تؤدي العلاقات العائلية والاجتماعية إلى تعقيد مواقف الشخصيات، تكون العلاقة بين الطفل الذي يعاني صعوبات التعلم وباقي الشخصيات كاشفة للأبعاد الإنسانية لدى كل شخصية، حيث لا يُنظر إليه كحالة فردية معزولة، بل كجزء من شبكة معقدة من التأثيرات والتفاعلات.ما يجعل كل خطوة درامية ذات صدى يتردد في بقية أجزاء السرد.
تعتني عبادة بتقديم الشخصيات النسائية بوصفها عنصرًا أساسيًا في البناء السردي، حيث تتراوح هذه العلاقات بين التضامن والصراع، ومن ناحية أخرى، تعتمد الرواية على تعدد زوايا الرؤية في تقديم العلاقات، مما يمنح القارئ فرصة لفهم الشخصيات من خلال أكثر من منظور.
تعتمد الكاتبة أسلوبًا سرديًا يعتني بالكشف عن عمق الشخصيات وجعلها أكثر واقعية، ومورطة للقارئ في تكوين مواقفه وأحكامه التي تتغير وفقًا لتطور الأحداث وكشف المزيد من تفاصيلها الداخلية.
وتكشف رشا عبادة عبر بنية العلاقات المتشابكة في “لا يكف عن الضحك” عن امتلاكها لوعي سردي عميق بكيفية تحريك الأحداث من خلال التفاعل الإنساني. فهي ليست مجرد خلفية للحكاية، بل محرك أساسي للسرد، ما يجعل الرواية تتجاوز كونها سردًا لحياة الأفراد لتصبح استكشافًا للمجتمع والعلاقات البشرية في أبعادها المختلفة.
الضحك مفتاح الشفرة
تستخدم الكاتبة تقنية السخرية والضحك في الرواية كوسيلة فعالة لمقاومة البنية الذكورية التقليدية، وأداة للتعامل مع المواقف الضاغطة، فتصبح السخرية وسيلة للتخفيف من الضغوط بدلًا من الاستسلام لثقل التجارب العاطفية أو الاجتماعية، ولا تستأثر بطلة الرواية بالضحك بل أن الشخصيات النسائية في الرواية تستخدم أيضًا الضحك والسخرية لإعادة صياغة واقعهن واعيات بمواضع القوة والضعف في المجتمع. الضحك هنا ليس مجرد رد فعل على أحداث الحياة، بل هو شكل من أشكال المقاومة الرمزية، حيث تتمكن البطلة من خلاله من تحدي الأعراف دون الدخول في مواجهات مباشرة.
كما تُوظَّف عبادة السخرية أيضًا في بناء الحوارات وإبراز التناقضات بين الشخصيات، فتمنح الرواية خفة ظل، تساعد على كسر الجدية الزائدة لبعض المشاهد، ما يجعل النص أكثر انسيابية وقابلية للتأمل، إذ يتمكن القارئ من استيعاب القضايا المطروحة دون أن يشعر بالضغط أو المباشرة.
في النهاية، نجحت رشا عبادة في خلق توازن بين تقديم محتوى معرفي غني وبين الحفاظ على جاذبية السرد. فلم تكن الرواية مجرد عمل سردي يُسلط الضوء على قضايا صعوبات التعلم، بل استخدمت الكاتبة هذه المشكلة كأداة لفهم العلاقات الإنسانية بشكل أعمق، مما يجعل “لا يكف عن الضحك” نموذجًا لعمل أدبي قادر على المزج بين المعرفة والتأثير العاطفي في آنٍ واحد.


















