«لا شيء ينتهي بإسدال الستارة» حين تستدعى الأشياء الصامتة كبدائل عن الصوت البشري الغائب.

maged alqaisy

ماجد القيسي⁎

بين يديّ كتاب «لا شيء ينتهي بإسدال الستارة» للكاتب علي بنساعود، وهو عمل يتجاوز حدود التصنيف السردي التقليدي، ليتموضع في منطقة وسيطة بين القصة القصيرة المكثفة والنص المفتوح، مستفيداً من بنية مشهدية تستلهم من المسرح والسينما معاً.

العنوان في هذا السياق لا يعمل بوصفه عتبة شكلية فحسب، بل ينهض بوظيفة دلالية مركزية؛ إذ يؤسس منذ اللحظة الأولى لفكرة أن الفعل الإنساني لا يُقاس بنهايته الظاهرة، بل بما يخلّفه من أثر ممتد في الوعي والذاكرة. 

تعتمد نصوص الكتاب على تقنية اللقطة السردية المركزة، حيث يبدأ المشهد غالباً من لحظة توتر أو كشف، من دون تمهيد وصفي مطوّل. هذا الخيار الفني يضع القارئ مباشرة داخل الحدث، ويمنح السرد كثافة دلالية عالية. الجملة لدى بنساعود قصيرة في الغالب، مشذبة، تؤدي وظيفة محددة داخل البناء العام، لكنها لا تخلو من طاقة إيحائية تسمح للنص بأن يفتح مساحات تأملية تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.

ويُلاحظ أن الكاتب يوظف الانتقال المحسوب بين التقريرية والتأمل الوجودي بوصفه جزءاً من إيقاع النص لا خروجاً عليه. فحين تضيق مساحة السرد، تتسع دائرة السؤال، لتكشف عن قلق إنساني كامن خلف بساطة المشهد.

هذه الأسئلة لا تأتي بوصفها زينة فكرية، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً للفعل السردي، ما يحافظ على تماسك الإيقاع، ويمنع الانفصال بين الحكاية والفكرة.

تتميّز هذه المجموعة بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية الهامشية إلى مفاتيح دلالية كبرى. فالأشياء الصامتة ــ الكراسي، الغبار، الصور ــ لا تُستدعى كخلفية مشهدية، بل كحوامل للذاكرة وبدائل عن الصوت البشري الغائب. في هذا السياق، ينجح الكاتب في مساءلة مفهوم الفقد لا عبر التصريح، بل عبر تتبع آثاره الدقيقة، مقدّماً تصوراً سردياً يرى في الأشياء أرشيفاً أكثر صدقاً واستمرارية من الذاكرة الإنسانية المتقلبة.

من الناحية الفنية، يحسن علي بنساعود توظيف المفارقة بوصفها أداة كشف لا صدمة. المفارقة هنا تنشأ من التناقض بين ما يُقال وما يُضمر، بين المشهد الخارجي الهادئ والاضطراب الداخلي للشخصيات. هذا التوازن الدقيق حال دون انزلاق النصوص إلى السوداوية المغلقة أو الوعظ المباشر، ومنحها طابعاً إنسانياً مفتوحاً على التأويل. كما أن المزج بين الحوار المكثف والوصف الوظيفي أسهم في خلق موسيقى داخلية متغيرة، تعكس التوتر النفسي للشخصيات وتحوّلات وعيها. الحوارات القصيرة لا تُستخدم لتطوير الحدث فقط، بل لتكثيف الصمت المحيط به، في انسجام واضح مع الثيمة المركزية للعمل: ما يبقى بعد انطفاء الصوت.

على مستوى البناء الكلي، تتكامل النصوص فيما بينها عبر خيط دلالي غير مباشر، قوامه فكرة الأثر، واستحالة الإغلاق النهائي للتجربة الإنسانية. لا تقوم المجموعة على تصاعد تقليدي، بل على تراكم شعوري مدروس، يجعل من كل نص إعادة صياغة للسؤال نفسه من زاوية مختلفة، دون الوقوع في التكرار أو الاستنساخ.

في المحصلة، يقدم علي بنساعود في «لا شيء ينتهي بإسدال الستارة» عملاً ناضجاً، يوازن بين الوعي التقني وصدق التجربة، ويعيد الاعتبار لفكرة أن النهايات في السرد، كما في الحياة، ليست سوى حلول شكلية. أما الحقيقة الإنسانية، فتبقى مفتوحة على التذكّر والمواجهة والتأويل، في نصوص تقترب من القارئ بهدوء، لكنها تترك أثراً عميقاً لا يزول بإسدال الستارة.

………………..

⁎أديب من العراق

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع