مروان ياسين الدليمي
1
أُطعم الكلب.
لا لأنني أريده تابعًا
بل لأنني أعرف
أن الجوع يعضّ في صمت أشد من النباح.
ينظر إليّ بعينين ممتلئتين بظلال الغابة
كأنهما نافذتان على ليلٍ لا يُغلق.
الخوف يقف وراءه
مثل رجل يضع يديه في جيبيه
يبتسم بفتور
كأنه يقول: “الخبز لا يساوي الطاعة.”
الخبز
في النهاية
ليس سوى فتاتٍ يسقط من طاولة الذاكرة
والطاعة ظلّ يفرّ كلما حاولت الإمساك به.
أسمع الريح
تمشي فوق السطوح
كعجوز يفتش عن عصاه.
أشمّ رائحة الحديد في الهواء
كأن الصدأ يكتب وصيته الأخيرة.
تتداخل الأشياء:
رائحة اللحم مع رائحة الكتب
النباح مع صفير قطارٍ بعيد
أصوات الأطفال
وهي تنام في أحضان أمهاتهم
مع صرير مفاتيحٍ صدئة
كأن العالم غرفة بلا أبواب
يطرقها الغرباء من الداخل.
أعرف أن الكلب حين يرفع رأسه
لا يسمعني وحدي
بل يسمع
كل من مرّ في هذه الأزقة
كل من ترك حذاءه تحت المطر
كل من كتب اسمه على جدارٍ ثم محته الريح.
وأضحك.
أضحك لأنني وأنا أطعمه أرى نفسي جائعًا أكثر منه.
جائعًا للطمأنينة
للخيانة التي تأتي بملامح صديق
لأوامر لن أصدرها أبدًا
لأني أعرف أن الأوامر
لا تطعم الكلاب
ولا البشر.
2
أمشي خلف الكلب.
أمشي وكأنني أتبعه إلى درسٍ قديم لم أفهمه بعد.
خطواته تقرع الأرض كأجوبة قصيرة
كأنها تقول: لا تبحث عن المعنى في الكلام
المعنى يختبئ في الجوع
في تلك اللحظة حين تخلط رغيف الأمس برغيف اليوم
وتكتشف أن الطحين يحتفظ بأسرار أيدي الأمهات.
يطلّ الغريب من الزاوية.
يعرض صافرةً
أو سوطًا
أو حفنة أحلامٍ لا تخصنا.
الكلب يحدّق
ثم يلتفت نحوي كأن السؤال معلق على أذنه:
هل عليّ أن أطيع ؟
لكنّ الصمت بيننا أطول من الشارع
وأثقل من المفاتيح التي فقدها جدّي عند بوابة المخفر.
الذاكرة تتسلل كقطة
تجلس في حضني
ثم تنام وتتركني عاريًا أمام النسيان.
أنسى الأوامر التي لم أصدرها
أنسى وجوه الجنود الذين مروا
لكنني لا أنسى رائحة الخبز الساخن
حين خرَجت من بيت جدتي في ماردين
ولا صوتها وهي تنادي عليّ
صوتها يرتجف
مثل شجرة ترفض أن تُقطع.
أقول لنفسي:
الغرباء يملكون لغتهم
يملكون حقائب ممتلئة بأسماء لا نعرفها
لكنهم لا يملكون ما يفعله الجوع حين يطرق قلبك.
الجوع سيدٌ بلا تاج
ومعلمٌ بلا مدرسة.
أضحك مرة أخرى
ضحكة يابسة كأغصان شتوية.
أضحك لأنني أعرف:
من يطعم كلبه
يتعلم درسًا لا يدرّسه الغرباء.
3
في الليل
حين ينام الكلب عند قدمي
أشعر أنني أنا من يتلقى الأوامر.
صمته
يأمرني أن أصغي
إلى حفيف الأشجار وهي تتخاصم مع الريح
إلى أنين النهر وهو يحاول أن يتذكر اسمه القديم
إلى خطوات العابرين الذين لا يتركون أثرًا سوى الغبار.
أفكر:
كم يشبه هذا العالم ساحة تدريب مهجورة
حيث يرفع المدرب صوته
لكن الجنود لا يسمعون إلا صدى أصواتهم.
كم يشبه هذا القلب بابًا قديمًا يتأرجح على مفصلاته
يفتح للذكريات ويغلق في وجه التاريخ.
أرى نفسي طفلاً
يحمل رغيفًا ساخنًا
أركض خلف جدتي
أعطيها نصفه
وأحتفظ بالنصف الآخر للكلب الذي كان يرافقنا.
كان الكلب يومها أذكى من الجنود
يعرف أن اليد التي تطعمه لا تبيع صمته في المزاد
ولا تأمره أن ينبح لصالح الغرباء.
الآن
بعد كل هذه السنوات
أدرك أن الطاعة وهمٌ
وأن الحرية قناعٌ مشروخ
لكن
يبقى الخبز وحده
حقيقة لا تستقر في يدٍ
بل تولد كلما عبرت إلى يدٍ أخرى.
أضحك مرة ثالثة
ضحكة مليئة بالملح
كأنني ألقي بها على جراح العالم كي تلتئم.
أضحك وأهمس:
أنا أطعم كلبي
لكي يعلّمني ألا أطيع.






