محمد أبو زيد
تواصل الروائية المصرية ريم بسيوني في روايتها الجديدة “كوم النور.. الخديوي عباس حلمي الثاني” الصادرة أخيراً عن دار “نهضة مصر” بالقاهرة، البحث عن إجابات لسؤال الهوية المصرية، ذلك السؤال الذي تتبّعت إجاباته عبر رواياتها التاريخية المتتالية: “القطائع: ثلاثية ابن طولون”، و”الحلواني: ثلاثية الفاطميين”، و”أولاد الناس: ثلاثية المماليك”، وصولاً إلى هذا العمل الجديد الذي يختتم المشروع زمنياً.
وإذا كانت بسيوني في رواياتها السابقة، ساءلت التاريخ المصري بدءاً من الدولة الطولونية، مروراً بالفاطمية ثم الأيوبية وانتهاء بالمملوكية، فإنها في “كوم النور” تواصل الرحلة لتبلغ الدولة العلوية مع الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي حكم مصر في الثامن من يناير 1892 حتى عزله في التاسع عشر من ديسمبر 1914. ويتضح منذ صفحات الأولى للعمل أن السؤال المحوري هو سؤال عن الهوية المصرية، ما الذي يجعل إنساناً ما مصرياً؟
إذن يمكن القول إن هذه الرواية الجديدة، تنتمي إلى مشروع روائي متماسك البنية، يمتد عبر الزمن لأكثر من 1000 عام، بدأ مع أحمد بن طولون حتى وصل إلى عباس حلمي الثاني، وفي هذا التتابع الزمني تقدم ريم بسيوني ما يمكن اعتباره حجة روائية متراكمة، حول مفهوم الهوية المصرية، التي ترى أنها تتشكل بالمكان والانتماء، وليس بالنسب والعِرق وحدهما.
ففي أول لقاء بين اللورد كرومر والخديوي عباس حلمي بعد توليه الحكم وهو في الثامنة عشرة من عمره، يدور حوار يحاول فيه كرومر أن يفصل بين أسرة محمد علي ألباني الأصل، والمصريين، باعتبارهما شيئين مختلفين، فيندهش الخديوي من هذا الفصل، ويسأله: “وما الاختلاف بينهما يا لورد”، ثم يرد عليه بالحجة: “يا لورد، أنت من أجداد ألمان ولكنك بريطاني حتى النخاع، تحذر من ألمانيا كمنافس وتعمل من أجل وطنك. أليس من ولد وتربى هنا مصرياً؟ أبي وجدي ولدا هنا.. ليس لي بلاد أخرى”. ولهذا فإن اللورد كرومر في تقاريره إلى الخارجية البريطانية دائما ما يؤكد على هذه الفكرة “عباس حلمي مصري جداً”، مبدياً في كل مرة استغرابه من انتماء الخديوي الشديد للمصريين، وتصديه للوجود البريطاني على أرض مصر، في حين كان بإمكانه أن يختار الطريق الأيسر ويسلك طريق أبيه الخديوي توفيق الذي هادن الإنجليز.
وبحسب الطرح الذي تقدمه بسيوني في رواياتها، فإن مصر استطاعت عبر قرون متتالية امتصاص الثقافات الوافدة، ودمجها في نسيجها الخاص دون أن تذوب فيها. وهو ما يلتقي مع طرح جمال حمدان في موسوعته “شخصية مصر” من أن مصر عملت بوصفها بوتقة صهر كبرى لكل الغزاة والثقافات والحضارات، “تنتمي إلى آفاق متعددة دون أن تكون هناك تماماً، وتظل في النهاية مصرية تأصيلاً وتطويراً وانتماءً”. ويتفق مع هذا الطرح أيضاً المؤرخ المصري محمد شفيق غربال في كتابه “تكوين مصر عبر العصور”، الذي كان يرى أن العملية التي أصبح بها الوافدون جزءاً من النسيج المصري تمت دائماً بالتدريج، وهو ما يجعل من التحول إلى المصرية ظاهرة تراكمية تكاد تكون طبيعية، ليست قراراً سياسياً ولا اختياراً واعياً.
وفي السياق ذاته، يمكن اعتبار روايات ريم بسيوني التاريخية، رداً على القول بأن مصر لم يحكمها المصريون طوال قرون، عبر أكثر من مستوى، إذ تقدم الكاتبة عبر رواياتها شخصيات مصرية وطنية شاركت في الحكم والبناء والمقاومة، من محمد بن علي الخلنجي في “ثلاثية القطائع” الذي تمرد على الخلافة العباسية وسيطر على مصر والرملة، وحكم مصر لفترة قصيرة، وصولاً إلى مصطفى كامل في “كوم النور” الذي قاد الحركة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي، مروراً بمحمد بن بيليك المحسني الذي شيد مسجد السلطان حسن، وسعيد بن كاتب الفرغاني المعماري القبطي الذي أشرف على بناء مسجد ابن طولون.
أما المستوى الأعمق، فيتعلق بكيفية النظر إلى الحاكم في مصر منذ دخلها الإسلام. فقد قامت الخلافة الإسلامية على مبدأ ديني وسياسي واضح وهو أن الأمة الإسلامية جسد واحد لا يحكمه عرق بذاته، وأن من حق أي مسلم من أي أصل أن يتولى شؤون أي بقعة من أرض الخلافة، ومن هنا حكم الطولونيون والفاطميون والمماليك وحتى العثمانيون مصر، تحت راية “الخلافة الإسلامية”، وفي هذا الإطار يصبح السؤال عن جنسية الحاكم سؤالاً خارج السياق، فبدر الجمالي الأرمني، وجوهر الصقلي، وصلاح الدين الأيوبي الكردي، ومحمد علي الألباني، حكموا جميعاً في ظل منظومة عقدية تقنن هذا الحكم وتروج له، ثم صاروا مصريين مع امتزاجهم بأرضها وشعبها.
***
غير أن ما يجمع “كوم النور” بروايات بسيوني التاريخية يتجاوز محاولة إعادة قراءة التاريخ المصري وكتابته مجدداً، إلى جملة من التقنيات الفنية والسردية التي تؤكد أننا أمام مشروع فني واحد متماسك، مهما تعددت نصوصه وتباعدت حقبه.
أولى هذه التقنيات حرص بسيوني على أن تبدأ رواياتها من الزمن الحاضر وأن تنتهي إليه، كأنها تضع العمل بين قوسين لتوضحه أكثر وتكشف دلالته بالنسبة للراوي وإسقاطاته أيضاً. وقد صاغت هذا صراحةً في مطلع “كوم النور” حين قالت “صاحب الحكاية هو من يرويها وليس فقط من يعيشها، فما جدوى حكاية لا تروى؟”.
من هذا المنطلق، تنطلق في كل رواية فتاة مصرية أو فتاة باحثة عن جذورها، وشغوفة بالنبش عن إجابات، مثل جوزفين حفيدة الدكتور صلاح في “أولاد الناس”، وكريستينا الإيطالية المصرية في “ماريو وأبو العباس”، وتقابل هذه الفتاة راوياً ذا صلة بالموضوع، لكنه ليس عالماً أو باحثاً أو أكاديمياً، وإنما ذا صلة بمصر وامتدادها عبر الزمن، بداية من “عم عبده المجنون بتاع الزلابية” في “الحلواني”، وانتهاء بالحاج “عبد الله هلال” في “كوم النور”، والكاتبة بهذا الشكل لا تقوم فقط بربط الماضي بالحاضر، لكن بالمستقبل أيضا، وكأنها تقول إن إجابات أسئلة الحاضر والمستقبل موجودة في الماضي، إذا نفضنا عنه التراب واهتممنا به، ولعل هذا ما كان يفعله أبطال ثلاثياتها حين كانوا يذهبون إلى “ساحرة الهرم” بحثاً عن إجابات لدى الإجابات عن أسئلة الحاضر.
ومحاولة حكي قصص أبطال الماضي، انطلاقاً من الحاضر، وعبر أشخاص بسطاء، تبدو كأنها محاولة لجعل هؤلاء الأشخاص أبطالاً سيريين، فعند تأمل حديث الحكاء الذي يحفظ أشعار القدماء في “كوم النور” مخاطبا عباس حلمي الثاني “يا عباس عمك الشيخ هلال يحكي الحكاية ويبعث لك السلام”، فكأننا في مطلع سيرة لبطل شعبي على غرار أبي زيد الهلالي.
فعلى الرغم من توافر مصادر رسمية عن سيرة عباس حلمي، مثل مذكراته الشخصية “عهدي” بالإضافة إلى كتاب زوجته الأولى جاويدان هانم، وكتاب اللورد كرومر عنه، والوثائق البريطانية التي تتبعت كل تحركاته، تختار بسيوني أن تبدأ من مكان مغاير تماماً، من الحاج عبد الله هلال، التسعيني الأمي من قرية “كوم النور” في الدقهلية، الذي يحمل في ذاكرته ما عجزت الأرشيفات عن حفظه. وعلى لسانه تنساب الحكاية في نبرة الملاحم الشعبية الكبرى، معلنة منذ الصفحة الأولى أن ما نقرأه هو تفكيك للتاريخ الرسمي وإعادة بناء من الأسفل إلى الأعلى، من الذاكرة الشعبية الحية التي هتفت له في المظاهرات “الله حي عباس جي”، إلى الشخصية التاريخية التي تم تغييبها بأمر من عزلوه ومن تولوا الحكم بعده. وبهذا تحول الكاتبة عباس حلمي من خديوي موثق في السجلات إلى بطل ملحمة شعبية ينتقل بين الناس كبطل حكاية شعبية.
ولعل هذا ينسجم مع التصور السردي الذي قدمته ريم بسيوني لحياة عباس حلمي الثاني، فهو يمتلك مسار حياة، تتشابه في عناصرها مع بنية الأبطال الشعبيين في الموروث العربي والإنساني، أو أبطال الأساطير في الميثولوجيا الإغريقية، من الصعود المفاجئ، مروراً بالصراع مع قوى أكبر منه، ثم السقوط القسري، وانتهاء بالتشرد والمطاردة والنفي، ثم محاولته العودة إلى مصر، حتى دفن فيها بعد موته في الخارج.
فقد تولى عباس حلمي الحكم في الثامنة عشرة من عمره، ودخل مبكراً في مواجهة اللورد كرومر والاحتلال البريطاني، ثم جاء خلعه بالطريقة التي تليق بالملاحم، حيث انتهز الإنجليز فرصة اندلاع الحرب العالمية الأولى وكان وقتها خارج مصر، فخلعوه من الحكم وطلبوا منه عدم العودة، أي أن الخلع تم في غيابه، مما يضيف إلى مأساته طابع الغدر الذي تحفل به قصص الأبطال الملحميين، والذي اكتمل بمحاربة عمه الملك فؤاد له، ومحاولة تجريده من أملاكه والسطور عليها، ليعيش بعدها منفياً حاملاً مصير جده الخديوي إسماعيل الذي حمل مصيراً مشابهاً له.
وفي مرحلة المنفى تستدعي بسيوني صورة أبي زيد الهلالي في تغريبته أو عنترة في أسره، فقد عاش عباس حلمي الثاني منفياً بين تركيا ودول أوروبا، إلى أن توفي في سويسرا عام 1944، ومن الصدف أن تاريخ وفاته يوافق نفس تاريخ خلعه عن الحكم بعد ثلاثين عاماً، في التاسع عشر من ديسمبر، لتعطي الحكاية طابعاً ملحمياُ أكبر. وانطلاقا من كل هذه العناصر الدرامية، تصوغ ريم بسيوني سيرة شعبية، يرويها رجل بسيط من الشعب، تأخذ مساحتها الخاصة بين الحقيقة والمتخيل، وبين السرد الرسمي والشعبي.
وغير بعيد عن هذا حرص بسيوني، أن تربط عناوين رواياتها التاريخي بهذه الفكرة، ففي “الحلواني: ثلاثية الفاطميين” تستدعي مقولة “اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني”، لتكشف تحول أحفاد جوهر الصقلي إلى حلوانيين ليتقربوا من المصريين ويصبحوا جزءاً منهم، فيصبح بائع الزلابية في العصر الحالي هو حفيد جوهر الفاتح. وفي “أولاد الناس: ثلاثية المماليك”، اختارت الكاتبة المصطلح التاريخي الذي أطلقه المصريون أنفسهم على أبناء المماليك المولودين في مصر، للتمييز بينهم وبين آبائهم الذين جاءوا من بلاد بعيدة، وهو المصطلح الذي ما زال مستخدما حتى الآن في مصر، وفي “كوم النور” تبلغ هذه التقنية ذروتها وأعمق معانيها، حيث تنسب الرواية بأكملها إلى قرية صغيرة في الدقهلية لا يعرفها إلا من عاش فيها أو مر بها، وكأنها بهذا تقول إن أثر عباس حلمي موجود حيث لا تعرفه الوثائق الرسمية، وأنه يعيش في ذاكرة الناس البسطاء الذين احتفظوا به في قلوبهم حين محاه التاريخ الرسمي من صفحاته.
**
التقنية الثانية هي توظيف بسيوني لشخصيات روحية وميتافيريقية تقف على حدود الواقع والحلم في رواياتها التاريخية. ففي “القطائع” و”ثلاثية الحلواني” استحضرت شخصية بحنس ساحرة الهرم، المرأة التي تعيش داخل الهرم وتتكلم لغة الأجداد، وتعيش في عصور مختلفة، بذاتها وربما هناك الجدة والبنت والحفيدة اللائي يحملن الاسم نفسه، وهي لا تقدم حلولاً لأبطال الروايات الذين يجلؤون إليها لكنها تفتح أمامهم نوافذ على التاريخ ليقرؤوا من خلالها المستقبل.
وفي “كوم النور”، تقدم الكاتبة شخصية مختلفة هي البهلوانة أم الشعور، التي رآها عباس لأول مرة وهو طفل فظنها جنية قادمة من عمق السحاب، بوجهها المطلي بالأبيض وعمرها الذي يمكن أن يكون خمسة أعوام أو مائة عام. هذه الشخصية ظلت تصاحبه من طفولته حتى سنوات كفاحه الأخيرة، تزوره في أحلامه وتمشي معه على الحبل المشدود الذي اختار السير عليه، فكلاهما بهلوان يخشى السقوط، فكأنها انعكاس له، بل كأن وجودها يمنحه القدرة على الحلم والمقاومة في آنٍ واحد.
واللافت أن بسيوني امتنعت عن توظيف مثل هذه الشخصيات الروحية في روايتيها الصوفيتين “الغواص” التي تروي فيها سيرة أبي حامد الغزالي، و”ماريو وأبو العباس” التي تسرد فيها قصة أبي العباس المرسي. وفي هذا الغياب المقصود إشارة ضمنية إلى أنها ترى أن التصوف لا يعني الانسحاب إلى عالم المكاشفات والكرامات، لكنه في جوهره ضرب من التساؤل الفلسفي العقلي عن الكون والنفس.
***
ورغم أن بسيوني لا تقدم هذه الرواية باعتبارها “ثلاثية”، على غرار ثلاثيات القطائع والفاطميين والمماليك، إلا أنها تستخدم فيها التقسيم الثلاثي من زاوية مختلفة، وهذه هي ثالث التقنيات الفنية المشتركة في مشروعها.
ففي روايتها الجديدة تقسم بسيوني حياة عباس حلمي إلى ثلاثة أوجه متباينة، يبدو في كل منها شخصاً مختلفاً، وكأننا نقرأ في كل جزء حكاية مستقلة عن إنسان جديد. يبدأ الجزء الأول بعباس “الحالم”، الشاب المغامر الذي يحلم بمصر حرة ويتحدى الإنجليز. ثم يأتي الجزء الثاني بعباس “الثائر”، الرجل الجريء الذي تحدى الإنجليز وأرّقهم بعد أن خلعوه عن حكم مصر، وأخيراً عباس “المسافر”، الشيخ الذي قضى ما تبقى من عمره منفياً متنقلاً بين عواصم أوروبا والمشرق، دون أن يسقط عن الحبل المشدود الذي اختار السير عليه، ودون أن يتوقف عن دعم قضايا التحرر الوطني المصري أو يتخلى عن أمل العودة. ثلاثة أوجه لإنسان واحد تجعل من “كوم النور” ثلاث حكايات في رواية واحدة، على غرار ما اعتادت عليه بسيوني في ثلاثياتها التاريخية.
غير أن هذا الشكل الثلاثي يقترن في “كوم النور” بتحول لافت في بنية الشخصية المحورية لديها. فقد دأبت الكاتبة في رواياتها السابقة على إبقاء الشخصيات التاريخية الكبرى في الخلفية، فيما تتصدر الحكاية شخصيات من عامة الناس يعيشون في ظلها ويحركون أحداثها. في “القطائع” يقف أحمد بن طولون بعيداً عن مركز الحدث فيما يحتله أنس الوراق وميسون. وفي “الحلواني” يظل جوهر الصقلي وبدر الجمالي وصلاح الدين في عمق المشهد، فيما تدور الحكاية الحقيقية مع سندس وفرون وعبد الله الحلواني، كمصريين عاديين يصنعون التاريخ دون أن يذكرهم.
أما في “كوم النور” فتتقدم الشخصية التاريخية إلى الواجهة بالكامل، ولهذا التحول مبرره الموضوعي. فالشخصيات التاريخية في رواياتها السابقة كانت راسخة في الوعي العام بما يكفي، وتمتلئ كتب التاريخ بسيرها، وكان يكفي أن يستشعر القارئ حضورها من خلال من عاشوا في ظلها. أما عباس حلمي الثاني فقد تعرضت سيرته لمحاولات تشويه ممنهجة وطمس متعمد، حتى غاب اسمه من الكتب المدرسية وتضاءل حضوره في الذاكرة الجمعية. لذا كان تقديمه في الواجهة ضرورة موضوعية، لأن الغاية هنا إنصاف إنسان بعينه وتسليط الضوء على إرثه الذي لا يزال قائماً في جامعة القاهرة والهلال الأحمر وحدائق المنتزه وغيرها.
**
رابع التقنيات الفنية المشتركة في مشروع بسيوني، أنها تروي التاريخ من خلال المكان الذي شهد الأحداث وحفظها بين جدرانه حجارته، ولهذا تحرص بعد صدور هذه الروايات أن تصطحب قرائها في جولات أثرية داخل هذه الأماكن، لتكتشف معهم ما حدث فيها من حياة وناس وأحداث طواها الزمن.
ففي “أولاد الناس” كان مسجد السلطان حسن الرابط بين حكايات الثلاثية الثلاث ومحورها، حتى لتبدو الرواية ناقصة دون زيارته. وفي “القطائع” حضر مسجد ابن طولون في الحكايات الثلاث، منذ أن كان فكرة في رأس المعماري القبطي سعيد بن كاتب الفرغاني حتى التصدي لمحاولة هدمه. وفي “ثلاثية الحلواني” حضرت آثار الدولة الفاطمية ومسجد أمير الجيوش خلفية ضرورية لفهم الشخصيات وتحولاتها. أما رواية “ماريو وأبو العباس” فحملت في عنوانها ذاته هذا التلازم بين الصوفي والمعماري، إذ يجمع الاسم بين أبي العباس المرسي القطب الصوفي وماريو المعماري الذي شيد مسجده.
ونجد الأمر ذاته في “كوم النور”، حيث تسلط بسيوني الضوء على جامعة القاهرة التي كافح عباس حلمي من أجل تأسيسها عام 1908 حين رأى في التعليم المدني سلاحاً لا يقل في أهميته عن المقاومة السياسية. وتتوقف طويلاً عند قصر السلاملك الذي أمر ببنائه عام 1892 في بقعة كانت مهجورة على شاطئ الإسكندرية الشرقي، حين وقع في عشق ذلك المكان وأشرف بنفسه على تشكيله، في حين تعرض هذا الأثر لاحقاً لمحاولات سطو تاريخية أرادت نسبته إلى الملك فؤاد. وفي هذا التصحيح الروائي للسجل التاريخي ما يكشف أهمية ما تقوم به بسيوني في روايتها.
**
أتوقف أخيراً عند دور المرأة في روايات ريم بسيوني التاريخية، فهي وإن لم تقدم رواية عن شخصية نسائية تاريخية، وهذا مفهوم بسبب غياب مثل هذه النماذج في تلك الفترات التاريخية، إلا أن الملاحظ هو أن المرأة في كل أعمالها تظل هي المحرك الأساسي لعالم الشخصيات، من هي ميسون في “القطائع”، إلى بائعة الملح في “أولاد الناس”، إلى سندس في “الحلواني”.
أما في “كوم النور” فتتعدد الشخصيات النسائية التي تساند وتدعم عباس حلمي في مسيرته، بداية من الأم الأميرة أمينة هانم إلهامي التي صاغت شخصيته في مرحلتها الأولى، والأخت الأميرة نعمة الله التي تحدت زوجها والسلطان حسين كمال من أجل أخيها، والابنة الأميرة لطيفة شوكت، وأندريه الفرنسية رفيقة المنفى. وفي هذا الحضور المتكرر للمرأة عبر كل روايات بسيوني تأكيد على فكرة أن المرأة مدخل أساسي لفهم حركة التاريخ الشخصي والعام في كثير من الأحيان.
**
قد يرى البعض في رواية “كوم النور”، محاولة من ريم بسيوني لإعادة الاعتبار لرجل سلب منه تاريخه بعد أن قام اللاحقون عليه بحذف اسمه من الذاكرة الرسمية وطمس هويته. وهم على حق في هذا الطرح، فلعباس حلمي الثاني فضل كبير على النهضة المصرية الحديثة، فقد دعم مصطفى كامل في نضاله الوطني، وأسس جمعية “مودة” السرية لمقاومة الاحتلال، وعين سعد زغلول في مناصب أتاحت له لاحقاً صعود نجمه، وأسهم في تأسيس الجامعة المصرية عام 1908 والهلال الأحمر المصري، وحفظ الآثار من النهب الأجنبي، وأنشأ منطقة المنتزه، وتصدى لظلم المصريين في حادثة دنشواي، وتكفي قراءة مشهد لقائه بسهير القلماوي في نهاية الرواية وحديثهما عن طه حسين، لفهم دوره في النهضة الثقافية المصرية.
غير أن الرواية تحمل أكثر من هذا الغرض التوثيقي المهم. لأنها جزء من مشروع أشمل تتبناه بسيوني لإعادة تعريف واكتشاف الهوية المصرية، لفهم الحاضر والمستقبل من خلال ذلك، لتقديم التاريخ المصري للأجيال الجديدة، التي ربما لن تستطيع أن تقرأ الجبرتي ولا المقريزي ولا ابن إياس ولا ابن تغري بردي.
والتحدي الحقيقي الذي يواجه كل رواية تاريخية من هذا النوع، هو كيفية تحويل المعلومات والأرقام والوثائق إلى حكاية مسلية تشد القارئ وتمنعه من إغلاق الكتاب. والتسلية هنا ليست انتقاصاً من العمل، بل هي أصعب ما يواجهه الروائي، في أن يحول كل هذه الصفحات الجافة إلى شخصيات من لحم ودم وحياة تجعل القارئ يتعاطف معها وينفعل بها، ويبحث بعد أن ينتهي منها عن مزيد من المعلومات والمعرفة والفهم، وقد نجحت الكاتبة في كل هذا.











