قراءة في ديوان “كما يليق بملكة” للشاعرة عفت بركات

effat barakat

 عمارة إبراهيم

الشاعرة عفت بركات مرت عبر تجربتها الشعرية التي بدأت بكتابة القصيدة العمودية، ثم تطورت إلى كتابة قصيدة التفعيلة، ثم اتجهت مؤخرا إلى كتابة الشعرية ذات الفضاءات الواسعة التي لاتتكئ على رسم الأشكال الشعرية “متي تكتب عموديا ومتي تكتب تفعيلة ومتي تكتب شعرا حرا”

ومارست كتابة الشعر بتقنية الأحوال التي تنسجم مع أدوات بنائها، لتترك لحركية الأفعال إدارة اللغة وإيقاعها وضروراتها الجمالية التي تشبعت من ثقافتها وثقافة بيئتها وتحدد إيقاعها من خلال أنساق الأحوال العامة في البناء العام دون اللجوء إلى عصفية الذهن التي تسعي إلى إيقاع منظم لا يتوافق مع تدفق الأفعال التي ترسم مجمل بناء الأحوال ودوالها.

تتميز عفت بركات في تجربتها بالاتكاء علي الهم الإنساني، العام والخاص، وهي لا تتبني طلوعا خاصا موجها، يحدد ماهية دوافع الذات الأنثى في سياق محدد لها مثل الاتكاء علي عاطفة المادة التي تتميز بها الأنثي في معظم الأحيان وتظهر في كاتبات نثرلا تملك أدوات الشعرية من قريب أو بعيد، ليكون الاتكاء هنا علي تفاصيل إثارة الجسد برسم عوالمه المادية في كثير من الكتابات التي نقرأها عند ما يسمون أنفسهن شواعر، بل ارتكاز التجربة عندها يتكامل في نسبيته الخاصة مع القضايا العامة التي تتحد عند كل معايشة لها مع الأحوال التي تميل نحو الانصهار في بوتقة ثقافة البيئة التي تقيم فيها لترسخ قيم ثقافتها وعقيدتها الشعرية في المجمل وفق هذا التأثر التي بدت عليه الشارة في معظم أعمالها الشعرية.

لتتحد كل هذه العوالم في معايشة خاصة في البناء العام للنص الشعري الذي ينسجم مع الأحوال في طريقة التراكيب التي تعتمد علي لغة تتناسب وتنسجم عبر حركية الأفعال الدالة عبر دفقات أحوالها لتبرز كتابة جديدة ومغايرة عن الكتابة التي تحددها ذهنية تنتج تنظيما لغويا يؤسس منتجه الجمالي علي الإيقاع الخليلي علي حساب الشعرية الحقيقية التي تخرج عبر مسارات الشعور والاحساس والمعايشة بعيدة عن تابوهات خاصة وفق معايير الذهنية التي لا تميل نحو ضرورات الشعرية الواقعية التي تعتمد ليها الحداثة وتطورها بل ترتكن إلي كتابة لا تمثل مسارات جمالية أخري يسعي إليها الشاعر الذي يبحث عن نفسه في كتابة مختلفة تحمل له الخصوصية ولا تقلد غيرها من الكتابات الشعرية التي وقفت عند حدود ما قدمت لمشاهير الشعراء عبر تاريخ الشعر الطويل الذي توقف عند شوقي والقليل معه من جيله.

 غير أن المسارات الشعرية الجديدة وتطورها ترتبط ارتباطا توافقيا في قضايا الإنسان عبر البيئة البشرية التي خرجت عن مألوف التنوع إلى بيئة واحدة تجمع عناصرها العامة والخاصة التي ترتبط بقيمة الإنسان ومجمل قضاياة العامة والخاصة.

هكذا بدت لي تجربة “عفت بركات” بواقعها، لترسم معالم فضاءاتها الجمالية المتعددة عبر تقنية التحديث الذي يتوافق مع التطور الحياتي، رغم أن التجربة هي تجربة الذات الأنثي التي تتناول قضاياها الخاصة أو العامة لكن في سياق فني لا يمثل فهما عاما يرتكز على تقريرية الذات في خصوصيتها مثلا، كما إنها لا تنحاز إلى التصنيفات أو إلى الكتابة التي تنحاز لأيديولوجيات محددة أو سياق المنابرالتي لا تقف عند فن الكتابة الحقيقي بل أصوات تعتمد على المنبرية والإيقاع المرتب ذهنيا.

تقول عفت بركات في مقطع من قصيدتها “إلى أسطورة”، من ديوان “كما يليق بملكة”.

أيها العاصف:

دع كل النساء اللواتي تيممن بك

واصغ لفراشات تتبعني، اليوم:

أتزيا أبهي سماواتي

أصفف أقمارا علي جسدي

وأحتفي بميلادك وحدي.

تستخدم الشاعرة أسلوبا مباشرا لكنه يرسم معالم الفوران الشعري الذي ينسجم مع رتب الخطاب الشعري هنا لتغلف نزعة نداء المخاطب من التحديد للضمير أو الاسم المخاطب بل منحته صفة “العاصف”، الذي يتوافق مع كينونة وسمو “الملكة” بالإشارة إلي عنوان الديوان ” وكما يليق بملكة “بنزعة الذات المؤنسة وهي ترسم حدودا وأيضا فضاءات لها رغم وصفها للمخاطب بالعاصف، ثم تتوغل في مدارات أحوالها لتعانق شعريتها فعل الأمر “اصغ” لفراشات تتبعني اليوم قبل أن تلتحفني تيارات عصفك وموج بحرك.

لتعود إلي ضمير المتكلم بفعل المضارع “أتزيا” أي ترتدي أبهي سماواتها وكأن الملكة التي تتوج علي عرش جمالها تملك فضاءات السموات وجمال طبيعتها بمدارات أقمارها لتحتفي بميلاده وحدها.

ورغم أن الكتابة الجديدة ترسمها بنية الأحوال ذات الدفقة الواحدة أو أكثر، لكنها تتميز بوحدة موضوعها رغم تعدد فضاءات الصور الشعرية كما أن الإيقاع العام بتواتره اللغوية والحالية يكون في تجانس وتناغم هذه الوحدة العامة.

تقول عفت في قصيدة “تنهدات مؤجلة” من ديوان “أوطان تشبهني”.

“للطفولة أن تمر من هنا

تصطحب جنية المتوسط بخصلات كستنائية

وعينين تعبد فيهما الرومي هاتفا:

” لا تنخدع بجمالي

نور وجهك يأتي من ضوء روحي”

سيتمدد كورنيش اللسان من صهد تنهدات مؤجلة

ويهيج الزبد عازفا للصخور ضوء القمر

لتغني أسمهان معلنة مقامات أخري للغزل”

تستعيد الشاعرة ذكريات الطفولة حيث بدأت نشأتها في مدينة ساحلية تقع علي شاطئ البحر المتوسط. كانت تتخيل أنثي البحر”جنية البحر” بخصلاتها الكستنائية، وعينين تلاحقان من دون مكاشفة.

ثم تعود إلي رتب خطاب الملكة المتوجة بجمال هو من ضوء روحه مستسلمة للحظتها ولكشف حقيقة هذا النور والجمال وهما يتوجانها ملكة، غير أنها الآن تبوح بوهج هذا الحب النوراني فتستخدم ضمير المخاطب لتؤكد أن جمالها الذي يشاهده هو من نور وجهه الذي يحط ويذوب في روحها العاشقة ربما يتمدد منها “اللسان” حتي يصبح كورنيش هذا الحب ومن صهد تنهدات كانت مؤجلة حتي يهيج الزبد عازفا للصخور ضوء القمر.

الشاعرة هنا تبدع في رسم صورة الذكريات التي أعتنقت حقيقة معايشتها في صور شعرية تشي بأفعالها من حدود الواقع لكن بضفيرة الشعر في بنائه المتطور فكيف تجعل من اللسان كورنيش النيل يتمدد من صهد تنهدات كانت مؤجلة ؟ وكيف رسمت لنا هذه اللحظة المرئية وكأننا نشاهدها الآن بصورة رغوة الموج الهادر وهو يرتطم عازفا للصخور ضوء القمر.

وتستمر الشاعرة في رسم عوالمها الخاصة بلغة واقعها وأحوالها مستخدمة مفردات تتوافق مع انسجام بنية الأفعال التي توغلت في تجربتها الشعرية من طقوس الشاعرة لم تخرج عن حدود بيئتها وثقافتها لتستفيد بمفردات هذا الواقع الانساني مثل مفردات ( البحر، الكورنيش، الموج، الصخر، ضوء القمر، …) كما أن أثر الطفولة ومعايشتها لهذا الأثر كان له الدور البارز في تجربة عفت بركات، كما أن الإيقاع هنا ارتكن علي نغمية حركية الافعال الدالة وهي منتج معايشة أحوال الكتابة عبر معايشة حقيقية فارت وأنتجت هذه التجربة التي تستحق الوقوف عندها للتأمل العلمي الذي نؤكده بأن تجربة عفت بركات الشعرية هي تجربة فن الشعر الحقيقي الذي لم يقف عند التقليد أو النسخ مثل الكثير من المدعين في كتابة الشعر في مراحل كتابته القديمة أو الجديدة، فهي لا تنتمي لشاعر أو شكل بل قامت باعتناق مذهبية التطور في البناء وفي الأحوال وفي اللغة التي تخصها وحدها وتتميز بها، كما في التشكيل لتتفرد بصورة شعرية تنسجم كليا مع معطيات أدواتها وأحوال كتابتها. هذه هي عفت في كل أشعارها التي تنبت من البحر والسماء وضلعي البوغاز حيث نشأت.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع