كلام عن النقد المسرحي

مسرح

نجيب طلال

جـوهـر القول:

في الآونة الأخيرة انطرح موضوع أسئلة النقد المسرحي، ليس في بلادنا فحسب، بل حتى في المهرجان العربي الذي أُقيم بالقاهرة مؤخرًا. كأنه موضوع جديد ومبهر انقذف في الساحة الثقافية/ المسرحية، لكن أظن هذا اجترار لجوهر الكلام عن النقد المسرحي في مستواه العام. أما من الجانب الخاص، فثمة حلقة شبه مفقودة سنحاول الاقتراب منها في سياق الاحتمال والتأويل.

إذ من يُحرك هذا الموضوع عبر اجتراح أسئلة النقد؟ بعض (نقاد)نا الأشاوس، المندمجين في “الهابيتس”، ليس من أجل طرح ماهية “النقد”، بقدر ما هو طرح الذات المندمجة في ماهية النقد، كطريقة تفكير وتصرف تلقائي، ليس بسبب البيئة التي تربى فيها حسب منظور (بيير بورديو)، بل نتيجة تفاعل الذات في “اللوبي” كحقيقة لإعادة توزيع السلطة النقدية، “حراس بوابة”. ولاسيما أن هناك رؤى تشير لموت الناقد (رونان ماكدونالد)، كما تمت الإشارة لموت الكاتب (بارت)، فنحن أمام سرديات الموت، كموت الإله عند نيتشه (مثلاً). فموت الناقد إشارة لموت رمزي بالأساس، لأن ثمّة حاجة إلى إزاحته، إزاحة سلطته، رغم أن النقد سلطة إبداعية تتحكم في العرض المسرحي، سلطة تعلو من شأنه أو تنسفه نسفًا.

ولكن ما قيمة “الناقد” الآن في المشهد الثقافي الذي ينحو نحو [الصناعة الثقافية] موازاة بتطور المنصات الرقمية وزيادة الاهتمام بالمسرح المستقل؟ “للأسف فإن التهديدات والمخاطر المذكورة ليست سوى “زهور” بالمقارنة ما ينتظرنا في المدى البعيد، حيث إن المجتمع والإنسانية مهددان بالاسترقاق الرقمي الكامل (الطريق إلى معسكر اعتقال إلكتروني/ فلانتين كاتسونوف – ص7)”. لهذا، فـ(الناقد) هل سيستطيع الانخراط الكلي أو مقاومة الرقمنة والخوارزميات؟

في تقديرنا، لو كان سيستطيع أمام ما جدّ جديد في عالم التحديث، لما تمت إثارة أسئلة النقد، كمحاولة بئيسة من أجل فرض مبدأ الشرعنة على وضعية السيطرة المنفذة، للحفاظ على نمط إعادة الإنتاج النقدي كمشروع للسيطرة المحققة في سياق مواجهات رمزية (صراع الأفكار). مع من؟ مع واقع أمسى يتجاوزنا “معرفيًا”. ولكن: “هل قدرنا أن نظل نعيش تبعات التحولات الحياتية والمفهومية التي تعرفها البلدان التي تبادر إلى الانخراط في التحول الحضاري بإيجابية مؤسساتها ومجتمعاتها ورهاناتها؟” (الأدب الرقمي: لزهور كرام – ص16).

فبدل أن نتكيف معه، كما هو الشأن عند الإنسان “الغربي” الذي يرحب بكل طرح جديد للانخراط فيه ومناقشته بكل أريحية واختلاف لبناء منظور نقدي جاد وبديل، لأن السلطة الرمزية هي سلطة لا مرئية ولا يمكن أن تُمارَس إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها بل ويمارسونها (الرمز والسلطة – بورديو – ص53)، بداهة فتحقيقها أو تحقيق تأثيرها المفترض يتم أساسًا عبر التعاون والجدل الذي يجب أن تلقاه من طرف المعنيين: الجماعة/ المدرسة.

بخلافنا (نحن)، فالنقد بين شذر مذر، ويعيش حالة التيه والتبعية بكل المقاييس، إذ نقيس أو نعكس عروضنا (المسرحية) على تصورات ونظريات (مثلاً) جورج مونان، وجان موكاروفسكي، وساندريس بيرس، وآن أوبرسفيلد، وكوزان، وفيليب هامون، ودريدا، وغريماس، وإريكا فيشر-ليشته… أكيد أن الناقد محكوم بمرجعياته التي يضمن ولاءه لها قصد إنتاج رؤيته النقدية التي يقدمها لقارئه المفترض، ولهذا لا يمكن تصور بناء نظري نقدي بمعزل عن المناهج التحليلية.

ولكن الملاحظ أن هناك لخبطة مرجعية، بحيث أغلب النظريات النقدية لها مرجعيتها الإيديولوجية وفلسفتها الإجرائية، وأغلبية (النقاد) عندنا غير مؤدلجين طبقًا للفرشة النقدية التي يشتغلون عليها. وهذا ليس حكم قيمة، لأن النقد عندنا ليس سلطة، فسلطته الرمزية تساهم في تقويض العروض المسرحية، بدل الصراع النفسي الذي يتركه (النقد) في نفسية مساهمي العرض، مما يتشكل نوع من العداء المبطن بين (هذا وذاك)، وهذه حقائق لا يمكن أن نتحاجج عليها.

وهذا لم ينتبه إليه العديد ممن يتكلمون عن راهن النقد المسرحي ببلادنا، ولاسيما أن العمل المسرحي هو الذي يقترح مناهجه التحليلية. فهل عروضنا المسرحية (الآن) تتوفر فيها شروط البناء التحليلي؟ أكيد سؤال في إطاره العام صعب، لأن أي عرض مسرحي ينتهج أنماطًا تعبيرية دلاليًا وجماليًا بناء على واقع واستيهامات “فاعله”، في أغلب ذلك يتم لاشعوريًا، لينعكس عمليًا على العمل الفني، لأن (العرض المسرحي) ابن بيئته، ولو مارس صاحبه الاستنساخ والاقتباس.

وبالتالي، أي منهج نقدي يلائمه؟ بغض النظر إلى أن المسرح في المغرب يمر بأزمة، وأزمته أساسًا تنعكس على النقد ذاته. وبناء على هذا، فالنقد من زاوية عامة يعيش في عزلة مكشوفة عن الممارسة المسرحية، مما نقرأ في كثير من النقود ركامًا من المصطلحات والأسماء أكثر من تحليل وتفكيك العرض المسرحي (نقديًا)، وهذا في حد ذاته عجز تفكيكي، وعجز في تأسيس نظرية نقدية ملائمة لخصوصية عروضنا.

فحتى من أُلصقت إليه، اجتبالًا وبهتانًا، يافطة (عميد النقاد)، لم يستطع ترك الخلف النقدي ولا تصورًا منهجيًا يُحتذى به، رغم علته. بمعنى أن النقد عندنا عشوائي الممارسة والمعطى. وذلك أن المؤسسة الحزبية في عقود خلت هي التي صنعت (المثقف/ الناقد) عبر منابرها الثقافية ودور النشر التابعة لها، فبانهيار الأحزاب قياسًا بانهيار الصحف، لنتساءل، وبالأسماء إن شئنا، أين هؤلاء أمام الشبكة العنكبوتية وأمام الفضاء الرقمي؟

البعض انسحب، والبعض عجز عن المواكبة، والبعض انكشف ضعفه المعرفي أمام ما “يتولد عن هذه الممارسة التي تمنحها التكنولوجيا ووسائطها الإلكترونية، ممارسة للحرية في أبعد حدودها، بما فيها حرية المباراة والاختيار والكتابة والتعليق، والإبحار في فضاءات مواقع الشبكة العنكبوتية، والنقاش والتواصل اللامفتوح مع ثقافات وحضارات وتجارب في الحياة…” (الأدب الرقمي – ص17).

شـرح القول:

مقابل هذا السؤال ينبثق سؤال أعمق: هل أمسى المسرحي/ الفنان يمتلك مخيلة أمام التحول الرقمي؟ تلك هي الأسئلة التي يمكن أن تُطرح بدل سؤال راهن النقد المسرحي، لأن راهنه مرتهن بمعطيات التحولات الإبداعية والجمالية، وكذا “الوعي بأهمية تكنولوجيا المعلومات لدى المثقفين والمفكرين والفنانين ورجال السياسة والاقتصاد، وترجمة هذا الوعي بانتهاج العمل الجماعي الذي يضمن مشاركة الجميع… ونقل الاهتمام به من مستوى المجهودات الفردية والخاصة إلى مستوى العمل المسؤول والمنظم والجماعي والبعيد المدى… وتعويضها بذهنية أخرى تؤمن بحرية المعرفة والثقافة وضرورة دمقرطتها بعيدًا عن أي وصاية أو حجر” (من النص إلى النص المترابط: سعيد يقطين ص82/83).

وفي هذا السياق، فاللخبطة التي يعيشها (النقد) ودعاة إمبراطورية (النقد)، أن الفضاء الرقمي، بهجمته، استطاع أن ينسف البرج العاجي الذي كان يتربع عليه (الناقد)، وكذا تفكيك المنظور الأكاديمي وهالته الوهمية التي أفسدت المسرح في المغرب، وأبعد من هذا إفشال مؤسسات الصحف والمجلات الورقية/ الحزبية التي (كانت) تصنع (الناقد).

فالذكاء الاصطناعي (الآن)، وإن كانت لدينا تحفظات حوله، هو الذي أمسى تقريبًا يقدم لنا الإجابة نفسها على السؤال نفسه كلما طلبنا ذلك، أما الشبكة العنكبوتية، من خلال صحف ومواقع إلكترونية، فتُوصل الخطاب النقدي الذي يعادل مقالة تحليلية وانتشاره عالميًا في رمشة عين.

أكيد أن النقد المسرحي تم تمييعه من لدن البعض، والذي أسميته بـ”النقد الفايسبوكي”، ولكن ليس كله، بل لدينا، بكل تجرد وموضوعية، أصوات وأقلام مائزة ورصينة معرفيًا، ومنضبطة لشروط النقد المسرحي، وبعيدة عن الإطناب الاصطلاحي والحشو المعرفي، بحيث تجاوزت دعاة (النقد).

لكن إشكالية ثقافتنا عمومًا هي انعدام انتظام أفراد لهم نفس المشترك والهاجس في منتظم نسقي، مما يسهل محاربة الأفراد فرادى في الخفاء وفي العلن، حتى (الإقصاء والتهميش)، من لدن بعض المنتسبين للفعل المسرحي في المغرب، انتحالًا ورياء.

لكن العالم الافتراضي قلّص سلطوية بعض اللوبيات، التي تحمل ضمنيًا عجزها وضعفها التكويني في المجال العنكبوتي والرقمي، وواقع الحال يشهد على ذلك، بأن هناك شبه انعدام للنقد التفاعلي. وهل استطاع أي مسرحي (عندنا) تقليد “تشارلز ديمر” في إنجاز مسرحية تفاعلية، كمحاولة لتحقيق ما يسمى (نظرية المسرح الرقمي)؟

أكيد بأن المسرح التفاعلي لا يزال في مرحلة التأسيس (عربيًا)، أما في مجال النقد المسرحي فهناك محاولات، ولم ترق بعد للتفاعلية، كما هو الشأن عند الغربيين الذين لهم قدم السبق في التجربة الإبداعية الرقمية بمختلف تلاوينها. ولو أن هناك محاولة الناقد سعيد يقطين/ زهور كرام، تبقى في حدود [المشروع] في سياق الأدب الرقمي، الذي لم يستطع ملامسة النقد المسرحي (تقنيًا/ جماليًا).

من نافلة القول، فالسؤال الجوهري الذي لم يُطرح بعد، في سياق الهزات التي أصابت النقد المسرحي في المغرب: هل الساحة المسرحية تحتاج لناقد أدبي أم فني؟ لأن ما هو سائد في أغلبيته (ناقد أدبي)، مما يتم التمركز على النص وملامسة شكليًا مكونات العرض، دونما الغوص في كيميائيته.

لأننا لا نتوفر على عقل أداتي – لنكن منطقيين مع أنفسنا – لأن مفهوم العقل الأداتي يعتبر أكبر دليل على ظاهرة التمركز حول العقل العلمي التقني، حسب منظور هابرماس في (الأخلاق والتواصل). والعروض المسرحية، بإمكانياتها، تسعى أن تنخرط في عوالم “تكنولوجيا” والأبعاد الثلاثية وسحرية الإضاءة (فيزيائيًا): “إذ كلما زاد منسوب العطاء الإبداعي للعرض، كلما تحقق ناتج التذوق الفني لدى الجمهور، وما فعل النقد إلا بوصلة تشير إلى نجاح تلك المعادلة الفنية الاتصالية أو إخفاقها، لا استعراض مصطلحات مقعّرة، ولا ترتبط بصلة للعملية النقدية، الأمر الذي دفع كل من هب ودب ليعلن عن حضوره ناقدًا!” (النقد المسرحي بين الموضوعي والعشوائي).

فالإشكال المستعصي أن المسرح لا يزال، من منظورنا، (أدبيًا)، نتيجة هيمنة الدراسات النقدية التي كانت الأجناس الأدبية الأخرى تشكل موضوعاتها الرئيسية، ولذلك راح الدرس النقدي في المدرجات يتبنى مناهجها كي يقارب بها المسرح قصد تحديد ما يسمى (البوطيقا)، ولم يتبن مشروعًا ثقافيًا/ مسرحيًا.

ولهذا، فمسرحنا ما زال يتجرع تبعات ذلك عبر البنية العاملية والتداولية، لتتمظهر لذة النص وتغيب لذة التلقي (التفاعل)، علمًا أن المسرح في تركيبته الكيميائية (فني/ جمالي) بالدرجة الأولى، وهذه الفجوة هي المساهمة في الشرخ المسرحي حاليًا.

وفي هذا الباب: “إذ يرى (ياكبسون) أن النقد هو قدرة جذب الانتباه نحو الرسالة الفنية بذاتها، وليس لشيء حولها أو خارجه، إذ إن الرسالة الفنية تكون جمالية على أن لا ينجذب إلى ما خارج تلك الرسالة الفنية” (النقد المسرحي بين الموضوعي والعشوائي).

مجمل القول:

فالكلام عن النقد المسرحي ببلادنا ذو شجون، وذو منعطفات وحكايا رهيبة جدًا، لأسباب تكمن في المسرحي ذاته. برؤية بسيطة جدًا، ويمكن أن نؤطرها في رؤية غبية وبليدة – لا فرق – لدينا (الآن) نقابات مسرحية، ومدرجات مسرحية، وجمعيات النقاد… ولا نتوفر على مجلة مسرحية (قارة)، ولا على موقع إلكتروني (منفتح) على الشأن المسرحي.

ولدينا (نقاد) أشاوس يهرولون بشتى السبل والمسالك نحو (الهيئة العربية للمسرح)، ولحد الآن لم نرَ (لهم) أو نقرأ (لهم) مقالة أو بحثًا حول ما طرحته (الهيئة) الآن: عن إطلاق النسخة السابعة عشرة لعام 2026 من مسابقة تأليف النص المسرحي الموجّه للكبار، تحت عنوان “الإنسان في عالم ما بعد إنساني”.

فهذا التحديد له أهميته أمام صدمة الحداثة في سياق التحولات الرهيبة التي يواجهها المسرح العربي برمته، والكلام عن النقد المسرحي يندرج في سياق ما بعد النقد المسرحي.

يبدو الموضوع “هرطقات”، لكن واقع الحال الحضاري والتطوري فرض تغير الحياة بإيقاعه العملي وفق شروط التفكير الرقمي والوسائطي: “ولعل هذا التحول في أدوات التواصل مع المعرفة، بالشكل الخدماتي السريع الفعال، يساهم في تطور أشكال التعبير التي لا شك أنها تعبر عن تحول عميق في الرؤية إلى العالم” (الأدب الرقمي: ص14).

ولا سيما أن التحول ساهم في تشكل الذهنية الاستقبالية لأي منتوج، وخاصة الجانب النقدي، الذي تطلع عليه شرائح اجتماعية متعددة المستويات معرفيًا/ عمريًا. ومهما كان مستوى المنتوج، فإنه يفتح ضمنيًا حوار الحضارات، وهذا ما لم يستطع مسرحنا، في بنيته العامة، استيعابه بعيدًا عن الإخوانيات واللوبيات والزبونية، وخاصة في الجانب النقدي الذي لا يتوفر على تراكم يساهم بفرزه.

ولا سيما أن النقد، بالمختصر، تقويم وبيان ما في الإبداع من عيوب أو خلل ونقائص وأخطاء، وكذا الإشادة بالمحاسن والجوانب المشرقة جماليًا وأدائيًا، وهذا يطلع عليه العديد من المبحرين في مجالس افتراضية: “في نطاق التطور يكتسي طابعًا خاصًا، فلا هو جماعي ولا هو فردي، إنه وليد المجتمع الافتراضي، حيث يجري التواصل بين الأشخاص المتصلين بالفضاء الشبكي في وقت واحد، وكل واحد منهم يعيش في فضاء خاص بعيد عن الآخر” (من النص إلى النص المترابط – ص181).

وهنا، عبر مجمل القول، لا نقصد غرف الدردشة، كما يلمح أو يشير النص، بل نقصد هاهنا قراء المنتوج النقدي والإبداعي.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع