يأتي كتاب «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق» لكرم نعمة الصادر مؤخرا عن دار خريّف للنشر في تونس، في لحظة عالمية تتجاوز حدود التقنية إلى حدود الوجود نفسه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا للنقاش الأكاديمي أو مادة للصحافة العلمية، بل أصبح قوة ثقافية تعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة واللغة والخيال.
والكتاب في جوهره، ليس سجالًا تقنيًا، بل محاولة لالتقاط هذا التحوّل من موقع إنساني قلق، ومن عين صحافي خبرَ التحولات الرقمية منذ بداياتها.
يبدأ نعمة كتابه من حكاية خرافية ألمانية عن السمكة الذهبية، ليبني عليها أطروحته المركزية: إن الخطر الحقيقي ليس في قدرة الذكاء الاصطناعي على تلبية رغباتنا، بل في قدرته على إلغاء معنى الرغبة نفسها. فالعالم الذي تتحقق فيه كل الأمنيات بلا مقاومة هو عالم بلا جاذبية، بلا ندرة، بلا معنى. هذه الفكرة، التي تبدو للوهلة الأولى أدبية، تتحول في الكتاب إلى مفتاح لفهم التحولات العميقة التي تصنعها الخوارزميات في وعينا الجمعي.
يكتب نعمة عن الذكاء الاصطناعي بوصفه «قوة سردية» جديدة، لا مجرد أداة. فالخوارزميات، كما يرى، لا تغيّر طريقة إنتاج النصوص فحسب، بل تغيّر الطريقة التي نحكي بها عن أنفسنا وعن العالم. وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى نقد ثقافي منه إلى دراسة تقنية. فالكاتب لا يناقش الذكاء الاصطناعي من زاوية قدرته على التفكير أو التعلم، بل من زاوية تأثيره على المخيلة، على الذائقة، على الذاكرة، وعلى معنى الإبداع ذاته.
وفي منتصف الكتاب، يقدّم نعمة واحدة من أكثر لحظاته قوة حين يتناول مسألة الملكية الفكرية. يستعيد تجربة الروائية البريطانية كيت موس، التي أمضت خمسة عشر عامًا في كتابة روايتها «المتاهة»، ليطرح السؤال الأخلاقي الذي يتهرب منه الجميع: ماذا يعني أن تنتج الخوارزميات رواية مشابهة في دقائق؟ هل هذا تقدّم أم سرقة؟ وهل يمكن لصناعة الإبداع أن تستمر حين تصبح المادة الخام — اللغة، الأسلوب، الخيال — متاحة للنسخ بلا مقابل؟ هنا يلمس الكتاب جرحًا عالميًا، ويضعه في سياق عربي نادرًا ما يُناقش بعمق.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند مؤلف الكتاب نفسه. فكرم نعمة — الكاتب والصحافي العراقي المقيم في لندن منذ أكثر من ثلاثة عقود — ليس طارئًا على هذا النوع من الأسئلة. أربعة عقود من العمل الصحافي، وإدارة تحرير صحف عربية كبرى، وستة كتب سابقة تتراوح بين النقد الثقافي وتحليل الإعلام والسياسة، جعلت صوته في هذا الكتاب امتدادًا لمسار طويل من التفكير في علاقة الإنسان بالتقنية وباللغة وبالسلطة. «الوعد الزائف» هو كتابه السابع، لكنه الأكثر تماسًا مع سؤال المستقبل، والأكثر جرأة في مساءلة ما نظنه تقدمًا.
يتنقل الكتاب بين موضوعات تبدو متباعدة: من «جمع بيض البقرة» الذي وقع فيه الذكاء الاصطناعي في إحدى التجارب وأثار السخرية في تلك الهلوسة، إلى قدرة الخوارزميات على تحليل الموسيقى، إلى خطر «الفاشية الرقمية»، إلى سؤال: هل يمكن للآلة أن تُفتي حين يصمت الفقيه؟ لكن هذا التشتت الظاهري يخفي خيطًا واحدًا: محاولة فهم كيف تغيّر التقنية جوهر الإنسان، لا أدواته فقط. فالذكاء الاصطناعي، كما يراه نعمة، ليس تهديدًا للوظائف بقدر ما هو تهديد للمعنى.
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من نقاط ضعف. فبنيته القائمة على مقالات متتابعة تمنحه حيوية، لكنها تجعله أحيانًا أقل تماسكًا مما قد يتوقعه القارئ المعتاد على الكتب ذات الأطروحة الواحدة. كما أن غياب فصل نظري صريح يضع الذكاء الاصطناعي في إطار فلسفي محدد (ما بعد الإنسانية، فلسفة التقنية، نقد الحداثة الرقمية) يجعل بعض الأفكار تتوه في الاستطراد. لكن هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة الكتاب، بل تكشف طبيعته: كتاب يكتب من قلب اللحظة، لا من برج أكاديمي.
في النهاية، «الوعد الزائف» ليس كتابًا عن الذكاء الاصطناعي، بل كتاب عن الإنسان وهو يواجه مرآة جديدة لا تعكس صورته فقط، بل تعيد تشكيلها. كتاب يذكّرنا بأن الخطر ليس أن تفكر الآلة، بل أن نتوقف نحن عن التفكير. وأن الوفرة المطلقة ليست خلاصًا، بل شكلًا جديدًا من العدم. وأن الخرافة لم تمت، بل عادت في هيئة خوارزمية.
هذا كتاب يفتح بابًا لا يُغلق بسهولة، ويطرح سؤالًا سيظل معنا طويلًا: هل نحن مقبلون على عصر يكتب فيه الذكاء الاصطناعي مستقبلنا… أم عصر يمحو فيه ما تبقّى من إنسانيتنا؟






