عبد السلام فاروق
غريب ذلك الفراغ الذي لا نشعر به إلا حين نبحث عن كتاب.
في إحدى أمسيات الإسكندرية الصيفية، حين يكون الهواء ثقيلاً كأنه اعتذار غير مكتمل، وجدت نفسي أسير بلا هدف محدد في منطقة محطة الرمل القديمة. كنت أبحث عن نسخة من كتاب “تاريخ الجنون” لميشيل فوكو، دون أن أعرف بالضبط لماذا أبحث عنه. ربما لأنني شعرت أنني أحتاج إلى فهم شيء ما عن الجنون، أو ربما لأن شخصاً ما أخبرني أنني سأجده هناك حتماً.
على رصيف النبي دانيال، حيث يفترش باعة الكتب المستعملة الأرض بكنوزهم الورقية، كان المشهد أشبه بسوق للحكايات المستعملة. كتب تنتظر قارئها بصبر الكلاب الوفية التي هجرها أصحابها، وروايات تتراكم فوق بعضها كأنها تبحث عن دفء لا تجده، ومجلدات قديمة تفوح منها رائحة الزمن المختلطة برائحة البحر القريب.
وجدته أخيراً. كان مستلقياً بين كومة من كتب الطبخ المبتذلة وروايات أجاثا كريستي البالية. أمسكت به برفق، كمن يمسك بطائر مكسور الجناح. فتحته بعناية، فوجدت على صفحته الأولى إهداء مكتوباً بحبر أزرق بهت لونه قليلا: “لعلنا نجد في الجنون ما لم نجده في العقل. لروحي التائهة، من طبيبها المجنون.”
توقفت لحظة. تساءلت من يكون هذا الطالب الذي أهدى صديقته كتاباً عن تاريخ الجنون؟ هل كان يحبها فعلاً، أم كان يحاول أن يفهمها من خلال فوكو؟ وأين ذهبت الصديقة؟ هل احتفظت بالكتاب لسنوات ثم تخلصت منه حين انتهت قصة الحب؟ أم أنها ماتت، وانتهى الكتاب إلى الرصيف ضمن أمتعتها التي باعها الورثة بثمن بخس؟ هل ما زال الطالب حياً؟ ربما صار طبيباً نفسياً يعالج مرضاه بالفعل، بعد أن عجز عن فهم حبيبته. ربما صار هو نفسه مريضاً. ربما صار الاثنان ذكرى باهتة في صفحة إهداء.
هذا ما تفعله الكتب المستعملة بنا. تفتح أبواباً من الأسئلة لا نعرف إن كانت ستغلق يوماً.
بعد سنوات طويلة من ذلك المساء السكندري، وجدت نفسي أواجه مأزقاً مختلفاً تماماً. مأزق لم أتخيله وأنا شاب ألتهم الكتب التهاماً. مأزق الوفرة القاتلة.
تخلصت من أكثر من ألف كتاب.
أكرر الجملة في رأسي فأشعر بوخزة في مكان ما من صدري. ألف كتاب. ألف صديق ورقي خذلتهم. ألف عالم صغير خربته بيدي. ألف رحلة لم تكتمل.
أقول تخلصت، ثم أتوقف. الكلمة قاسية جداً. كأنني أتحدث عن فضلات طعام أو أثاث مكسور. لكن ماذا أقول بدلاً منها؟ تخليت؟ لا، التخلي فيه نبل غير موجود في الموقف. أعدت تدويرها هذه كذبة حضارية نخدع بها أنفسنا. تبرعت بعضها نعم، لكن معظمها… معظمها انتهى إلى حيث لا أدري.
اللغة العربية تخذلني هنا. لا تملك فعلاً يصف انتقال الكتب من يد إلى يد برقة وإنسانية. الأفعال المتاحة كلها إما قاسية جداً أو مخادعة جداً. كأن لغتنا نفسها لم تتصور يوماً أن إنساناً قد يضطر إلى ترك كتبه.
أتذكر كيف حدث ذلك. بدأ الأمر بتراكم الكتب في كل ركن من أركان البيت. تحت السرير، فوق الدولاب، في المطبخ حتى. صرت أسير في البيت متجنباً أكوام الكتب كمن يسير في حقل ألغام. زوجتي كانت تنظر إلي بتلك النظرة التي تعرفها كل زوجات مدمني الكتب: مزيج من الحب واليأس والاستسلام.
ثم جاء يوم الحساب.
قضيت ليلة كاملة أصنف. كتب سأحتفظ بها حتماً. كتب ربما أحتاجها يوماً. كتب لا أذكر لماذا اشتريتها أصلاً. كتب ورثتها عن أبي. كتب أهداني إياها أصدقاء لم أعد أراهم. كتب أهديتها لنفسي في مناسبات مختلفة. كتب اشتريتها لأن غلافها أعجبني (اعتراف محرج، لكنه صادق). كتب بدأت قراءتها عشر مرات ولم أكملها قط.
كانت ليلة أشبه بوداع طويل. أتصفح كل كتاب قبل أن أضعه في صندوق المصير المجهول. أتذكر أين كنت حين اشتريته، وفي أي مرحلة من عمري. أجد تذكرة قطار قديمة استخدمتها كعلامة للصفحات. أجد بقعة قهوة على صفحة قرأتها في صباح شتوي بعيد. أجد ملاحظة كتبتها بقلم رصاص على الهامش: “هذا كلام فارغ” أو “رائع!” أو “يذكرني بنفسي”.
حياتي كلها كانت هناك. متفرقة بين صفحات ألف كتاب. وأنا أتخلص منها واحدة واحدة.
المشكلة الحقيقية لم تكن في وحدي. المشكلة أنني بحثت عن مكان يشتري هذه الكتب، أو حتى يأخذها مجاناً ليعطيها لمن يحتاجها. بحثت بجد، صدقوني. سألت أصدقاء، تصفحت الإنترنت، تجولت في المدينة باحثاً عن محل كتب مستعملة حقيقي، ليس مجرد رصيف أو صفحة فيسبوك.
لم أجد.
في النهاية، انتهى الأمر ببعض الكتب في صناديق إعادة التدوير. فكرت في مصيرها وأنا أراقب العمال وهم يفرغون الصناديق في الشاحنة الضخمة. أين تذهب؟ قيل لي إن الورق يعاد تصنيعه. يتحول إلى كرتون، إلى ورق تغليف، إلى علب بيض ربما. تخيلوا: “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ تتحول إلى علبة بيض. “الحرافيش” تغلف بها خضروات السوق. “اللص والكلاب” تمسح بها طاولة مطبخ.
هذا ليس مصيراً يليق بكتاب. هذا إعدام ثقافي جماعي.
أتساءل أحياناً هل شعرت الكتب بالألم؟ أعرف أن السؤال غير عقلاني، لكن أخبروني من منكم لم يشعر أن للكتاب روحاً؟ من منكم لم يتردد قبل أن يرمي كتاباً، حتى لو كان كتاباً سخيفاً لا قيمة له؟ من منكم لم يشعر بوخزة الذنب وهو يغلق كرتونة الكتب للمرة الأخيرة؟
نحن نعيش في مجتمع يعاني من انفصام ثقافي مريب. الكتاب غالي جداً، نعم. ثمن الرواية المتوسطة الآن قد يعادل ثمن وجبة كاملة لأسرة. أعرف شباباً يقتطعون من مصروف طعامهم ليشتروا كتاباً. أعرف طالبات يستدن من بعضهن ثمن رواية. أعرف مثقفين يحسبون ميزانية الكتب الشهرية كما يحسب غيرهم ميزانية السجائر.
أتذكر أن أول كتاب اشتريته من مصروفي الخاص كان رواية “النداهة” ليوسف إدريس. كنت في الثانية عشرة من عمري، وكنت أجمع مصروفي أسبوعاً كاملاً، أتحمل نظرات أصحابي وهم يشترون الفطائر والحلوى وأنا أكتفي بالماء. يوم الخميس، ذهبت إلى المكتبة الصغيرة في شارعنا واشتريت الرواية. كانت لحظة انتصار شخصي صغير. كنت أحمل الكتاب بيدي الاثنتين كأنني أحمل كنزاً. وكنت سعيداً.
اليوم، أرى شباباً في العشرين يتصفحون الكتب في المكتبات الكبرى، ينظرون إلى السعر، يعيدون الكتاب إلى الرف، يلتقطون غيره، يعيدونه أيضاً. وجوههم حزينة. أعرف هذه النظرة. نظرة من يريد شيئاً ولا يستطيع ثمنه.
لكن في الوقت نفسه، هناك آلاف الكتب تحتضر في بيوتنا. كتب على الأرفف لم تلمسها يد منذ سنوات. كتب في كراتين مخزنة لا يتذكرها أحد. كتب اشتريناها في لحظة حماس ثقافي عابر ثم نسيناها. كتب نقرأها مرة واحدة فنحبها، ثم تظل حبيسة الرف لا نعود إليها ولا نسمح لغيرنا بالاقتراب منها.
أليس هذا عبثاً؟
لماذا لا توجد محلات حقيقية للكتب المستعملة؟ ليس أكشاكاً على الأرصفة، ولا صفحات على مواقع التواصل، بل محلات فعلية، بنظام واضح، وفهرسة محترمة، وتسعير عادل. محلات تشتري ما زاد عن حاجتك من الكتب، وتبيعه بسعر يقل عن ثمن الكتاب الجديد، فيربح الجميع. أنت تتخلص من كتبك دون ذنب، والقارئ الجديد يجد ضالته بسعر معقول، وصاحب المحل يكسب رزقه. معادلة بسيطة جداً.
لكن لا. في عالمنا العربي، هذه المعادلة لا تعمل.
أعرف أن البعض سيقول إن المشكلة اقتصادية بحتة. لا يوجد طلب كاف، وبالتالي لا يوجد عرض. لكنني لا أقتنع. في بلدان أفقر من بلداننا، تزدهر أسواق الكتب المستعملة. في الهند، حيث الفقر أقسى، تجد أسواقاً كاملة للكتب المستعملة، يدرس منها طلاب الطب والهندسة فقراء لا يستطيعون شراء الكتب الجديدة. في كينيا، في نيجيريا، في بيرو. لماذا لا نستطيع نحن؟
ربما المشكلة أعمق. ربما المشكلة أننا لا نؤمن حقاً بدورة حياة الكتاب.
فكروا معي نحن نشتري الكتاب باهظ الثمن، نقرأه مرة واحدة (إذا قرأناه أصلاً)، نضعه على الرف حيث يتراكم عليه الغبار سنوات، ثم في لحظة تنظيف أو انتقال إلى بيت جديد، نتخلص منه. لا نفكر في أن نبيعه، ولا في أن نتبرع به، ولا في أن نقرضه لصديق (الأصدقاء لا يعيدون الكتب المستعارة، هذه حقيقة ثابتة). الكتاب عندنا يشبه قطعة الأثاث القديمة، نستخدمها حتى تهترئ، ثم نرميها.
هذا لو كان الكتاب أدبياً أو فكرياً. أما الكتب الدراسية، فحدث ولا حرج. آلاف الكتب الجامعية والمدرسية التي كلفت الأهل ثروات، تنتهي في القمامة بعد نهاية العام الدراسي. لمجرد أن المنهج تغير قليلاً، أو أن الطبعة اختلفت. تخيلوا الكم الهائل من المعرفة التي تذهب هدراً. تخيلوا عدد الطلاب الفقراء الذين كان يمكن أن يستفيدوا من هذه الكتب لو وجدت آلية لتجميعها وتوزيعها.
يقول لي صديق قديم، ساخراً كعادته: “المشكلة أن معظم الكتب المستعملة المعروضة في السوق العربي رديئة أصلاً. كتب طبخ من السبعينيات. كتب دينية مكررة لا يريدها أحد. روايات تجارية تافهة. معاجم قديمة. من يريد هذه الأشياء؟!
أجيبه حتى هذه الكتب الرديئة قد تكون كنزاً لشخص ما. كتاب الطبخ القديم قد يحوي وصفات لم تعد موجودة. الرواية التجارية التافهة قد تكون الشرارة التي تشعل حب القراءة في مراهق. المعجم القديم قد يكون الوحيد المتاح لطالب في قرية نائية.
لكن صديقي يضحك. وصوته ما زال يرن في أذني وأنا أفكر ربما المشكلة ليست في جودة الكتب، بل في نظرتنا إليها. ربما لا نريد أن نعترف أن الكتاب المستعمل ما زال كتاباً، وما زال يحمل في داخله عالماً كاملاً يستحق أن يكتشف.
في الليل، حين يسكن كل شيء، أفكر في مصير الألف كتاب. أين هي الآن؟ هل تحولت فعلاً إلى علب بيض؟ هل يقرؤها أحد في مكان ما؟ هل تتعفن في مخزن مهمل؟ هل احترقت في فرن إعادة التدوير؟
أفكر في ذلك الإهداء على صفحة “تاريخ الجنون”. “لعلنا نجد في الجنون ما لم نجده في العقل”. كم مرة قرأ هذا الإهداء غيري؟ كم قارئاً تساءل عن قصة الطالب وصديقته؟ هل تحول هذا الكتاب أيضاً إلى عجينة ورق؟
غريب أمرنا. أمة “اقرأ” التي لا تجد مكاناً لكتبها المستعملة. مجتمع يشتكي من غلاء الكتب لكنه لا يفكر في شرائها مستعملة. قراء يتخلصون من كنوزهم الورقية لأن أحداً لم يخبرهم أن ثمة بديلاً.
أحلم بعالم توجد فيه في كل مدينة عربية شارع كامل للكتب المستعملة. شارع تفوح منه رائحة الورق القديم والحبر الباهت. شارع تمشي فيه فتجد رواية نادرة كنت تبحث عنها طويلاً، بسعر علبة سجائر. شارع تسمع فيه حكايات الباعة عن الكتب النادرة التي مروا بها، وعن الزبائن الغرباء الذين يأتون في ساعات متأخرة بحثاً عن ضالتهم. شارع فيه مقاهي صغيرة يلتقي فيها القراء ليتبادلوا الكتب والنقاشات.
حلم صغير. لكن الأحلام الصغيرة أحياناً تكون الأصعب تحقيقاً.
وربما، في لحظة ما من المستقبل، سيجد شاب نفسه ذات مساء صيفي في الإسكندرية، على رصيف ما، يبحث عن كتاب. سيجده بين كومة من الكتب المهملة. سيفتحه ليجد إهداء قديماً: “لعلنا نجد في الجنون ما لم نجده في العقل”. وسيتساءل، مثلما تساءلت أنا قبله من يكون هذا الذي كتب الإهداء؟ ومن تكون تلك التي أهداها؟ ولماذا انتهى الكتاب هنا؟
وربما سيبتسم، كما ابتسمت أنا. وربما سيشتري الكتاب، كما اشتريته أنا. وربما، بعد سنوات طويلة، سيجد نفسه يتخلص من كتبه، ويكتب مقالاً يسأل فيه لماذا لا توجد محلات لبيع الكتب المستعملة في عالمنا العربي؟
وهكذا تدور دورة الحياة. الكتب لا تموت. هي فقط تنتظر قارئها التالي. تنتظر بصبر لا حدود له. تنتظر ذلك الغريب الذي سيفتحها ليكتشف فيها عالماً لم يكن يعرف بوجوده.
كل ما نحتاجه هو أن نؤمن أن المعرفة، مثل الحب، لا تفقد قيمتها حين تنتقل من قلب إلى آخر.
بل ربما تزداد.











