ضياء طمان
على سبيل القَصْر:
التَّذكار
ـ ماتَ مَرّةً واحدةً؛ لم َيمُت بعدَها أبدا. زَوجٌ برُوحَينِ ووالدٌ بأحدَ عشر. بريء كقَرَنفُلَة، عميقٌ كحُلمٍ بسيط، وداهيةٌ كسردابٍ مشرق.
الكلُّ أحَبَّه لمليونِ سبب، وأحَبَّهُم بلِا سبب لا غَير.
عندما قابلتُه لأوَّلِ مَرّةٍ؛ قابلَني للمَرّةِ الألف. وعَرَفْتُ أنّه ـتمامًا ـ يعرفُنِي، ولمْ أعرِف أنَّنِي لنْ أعرفَه. ابنتُه الصغرى أضْحتْ ـفي إيابِه ـ ابنتي الكبرى، بعد عشرينَ نَهرًا مِنَ البِر.
آهٍ يا عَمُّ محمودُ.. آهٍ يا زوجتي البكريةَ، كِلاكُما حقيقةٌ ملونةٌ، أغفُو عِندها بِلا خطيئة. كَمْ تمنيتُ أن أكونَ أباكَ يا عَمُّ محمودُ؛ لأرضَى عنكَ، وأغفِرَ لك ذنوبي بعد ذهابِك. وأحلُمُ بكَ وأنتَ تخترقُ أشجانِي وتَحمينِي من النفاد. كمْ تمنيتُ يا ابنتي الجديدةَ أن أحمِلَ عنكِ أوزارِي التي تُشقيكِ كأمٍّ لا تنجبُ إلا الذكور. أتذكَّرُه عندَ دخولِه إلى المعاشِ، وأنتِ تخرجينَ بلا وطنٍ؛ تبحثينَ عَنه في دَمِي وتَمْنَحيننِي الحريةَ؛ لأبحثَ عنْكمَا في رُوحِ الشَّمس. وكما كانتْ البهجةُ عند رحيلِه، أصبَحَت بقدومِه وهوَ يُبقيكِ معي كتِذكارٍ يقتفينِي ويُقَبِّلُني كلّمَا قابلتُه خلفَ دموعِ المطر.
*
أم فصادة
ـ كأنها أبو فصادة. فهيَ تمشي قفزًا وتقفزُ للمستحيل.
ثلاثةُ عرسانٍ ـكالوردِ ـ هجروها تباعًا بعد رؤيتِها وهي تحجِلُ في الطريق. الزواجُ قسمةٌ ونصيبٌ وأشياءُ أخرى كثيرةٌ، تجعلُ مِنَ الفرارِ تمثالًا للحرِّيَّة. كلَّفَنِي أحدُ أصدقائي المقربينَ بالبحثِ عنْ عروسٍ مناسبةٍ لأخِيه الأصغرِ. لا أعلمُ لماذا(قَفَزتْ) أمُّ فصادة أمامِي حينها. أَطلعتُهُ على اللاءات الثلاثِ، وحاكيتُ طريقةَ قفزِها ـأمامَه ـ بشكلٍ كاريكاتيريّ، وضَحِكنَا فَبَكينا. سَأَلَني عن أخلاقياتِها وعائلتِها وثقافتِها. وَسَّطَنِى لفتحِ بابِ الحوارِ بينَها وبينَ أخيه.
يااااه.. عشرونَ عامًا مَرّت ولا أنسَى هذهِ الزيجةَ المستقرّةَ، رغمَ فَقدِ شَقيقِ صَديقِي هذا لإحدى سَاقَيهِ في حَربِ الاستنزاف. وسُبحانَ الله.. فَقَدْ رأيتُهما ـأكثرَ مِن مَرّةٍ ـ وهما يَسِيرَانِ فَرِحَينِ، وهو يقفز بعكازه مُتكِئًا عليها وهى عليه؛ والغريبُ أنني لمْ أتذكرْ حينَها أبدًا أبًا ولا أُمًّا لفصادة.
*
المَواكِب
-برفقٍ مزعوم.. لَوَّح للقانطين علي رصيف النرد، فَلَّوح البعض خُفية، ووقف البعض علي رؤوسهم، واستمر الجميع في دورانهم حول الأرض.
ولمّا كان ضيفه الكبير قصيرًا؛ تَعمَّد أن يحجبه بكفه عن كل ردود الفعل المصطفاة، وعن قباء البحر الساخر؛ ليتسنى له الوقوف بذاتية علي أحدث صيحات الشمس الغائبة.
وبذكاء مزعوم أيضًا، اِلتَقَط لمحةً من ضربات المواطن الصالح، ورَدَّها إليه كُسَيْرَة.. فَهَدَّده بسيجارة كانت قد توقَّفت عن الغمز واللمز.
وقبل أن يغادر رِفقَه ويعتلي سوطه النابه، ألَحَّ علي ضيفه بقَمع كل الإجراءات اللازمة للصفح عن النادل الذي ظل قاعدًا ولَمْ يأبه بالتصفيق المُشابه.
وعلي إثْرِه.. تَجَرَّأ المواطن الصالح، ودخل ليبول فجأة برفق.
وهكذا.. خرج المواطن المزعوم أبيًّا كالضيف.
*
السفينة
لا بأسَ أن أركُضَ تِجاهَ نفيرٍ،
ليس له اتجاهٌ،
في الوقتِ الذي أرى فيه الناسَ،
يركضون في الاتجاهِ المُعاكِسِ
ولا بَأسَ أن أبحثَ عَمَّنْ يُصلِحُ لي البَوْصَلَةَ،
لكنْ.. أين هي البوصلة؟!
عفوًا.. بل وأين هي السفينة؟!
*
فِنْجان
من الفراتِ إلى النيلِ،
لا من النيلِ إلى الفرات
هكذا..، أَقرأُ أحزاني،
في فنجانِ دَمِي،
كُلَّما تَيَمَّمْتُ لِأُصَلِّي –وحدي – صلاةَ الخوف.
*
جرأة
أنا جريءٌ جدًّا والدليل؛
أنني حتى ساعتِهِ
لمْ أقل يومًا للأعور في عينِهِ،
أنه أعور في عينه.
*
صفر
الفرق بين وطني وذاكرتي= صفرًا.
*
سؤال
سألتها: أثقتك بي عمياء؟
فلَمْ تُجِبني: وبكماء.
*
آدم
فضًّا لجدلية البيضة والفرخة؛
ابحثوا -حالًا -عن ديك أم البيضة، آدم.
*
الكلاب
أعي تمامًا،
كيف أحترس من الكورونا،
التي تراني ولا أراها
ولا أعي تمامًا،
كيف أحترز من الكلاب،
التي أراها ولا تراني.
*
الآخر
كيف يعتبرونني مثاليًّا،
وأنا..
رغم هَوَسي بالآخَر؛
لمْ أتخذ له قرارًا واحدًا لي؟!
*
وعزائي
وعزائي أن لي وجهًا واحدًا،
وقلبًا لا يُعَدُّ ولا يُحصَى.
*
بِلا سببين
أحببتكِ بِلا سببين
أولًا: لأنني أحببتكِ بلا سبب
وثانيًا: لأنك أحببتني بلا سببين.
*
وردة
تلك الوردة علمتني،
أن أنحني للريح، للماء، وللضياء،
وأن لا أنحني لمن ينحني.
*
بستاني
كم وَدِدتُ أن أكون بُستانيًّا
لا لأتقربَ إلى الورود؛
وإنما؛
لأتعلمَ كيف أطيرُ مع الفراشاتِ،
وأستغيث.
*
شمعة
كم وَدِدتُ أن أكون شمعةً
لا لأضيء لحبائبي وأحترقَ؛
وإنما لأبكي عليهِم بلا مقابل.
*
حديقة
لي حديقةٌٌ صغيرةٌ أقاسمُها البراءةَ
ذات مرةٍ نهرَتني وبكَت
وذات مرة نهرَتني وابتسمْت
لي حديقة صغيرة تقاسمني الحقيقة.
*
شجرة
ليتني كنت شجرةً
لا لأموت واقفًا؛
وإنما.. لأحيا واقفا.
*
ذكرى
عندما أموتُ- فَضْلًا- لا تذكروني
لا تذكروا محاسني،
ولا مساوئي
لا تقتلوني مَرَّتين..
حيًّا وميتًا لا تأكلوني
أيها الميتونَ:
عندما لا أموتُ- أَمْرًا- أذكروني..
أذكروني،
وأنتم لا تذكروني.
*
أقدار
مادامت الأقلامُ قد رُفِعَت،
والصحُفُ قد جَفَّت؛
فنحن قد عِشْنا ماضينا البائتَ،
ونعيشُ حاضِرَنا الطازَجَ،
وسنعيشُ مستقبَلَنا السابق؛
في ماضِي اللهِ الراهنِ اللاحِق.
*
بَيْنَ بَيْن
آخرُ الأحزانِ أن أحيا ميتًا
وأولُ الأحزانِ أن أموت حيًّا
وأنبلُها أن أثورَ حيًّا وميتًا،
وبَيْنَ بَيْن.
*
عبقرية
عبقريةُُ ضربِ عصفورين بحَجَرٍ واحدٍ،
أو ضربِ حَجَرين بعصفورٍ واحدٍ؛
عبقريةٌ تستأهلُ الحرقَ بِجازَيْنِ ثلاثة.
*
عصفور
وماذا يفعلُ عُصفورٌ باليدِ،
وهو خيرٌ من عَشرةٍ على الشجرة؟!
*
وآه
بين شارعِ الهَرَمِ وشارعِ الحَرَمِ،
بَرزَخٌ ماسُونيٌّ،
يقطعُهُ الآنَ- مُهَروِلًا- عربيٌّ عِبرِيٌّ مُدَبلَجٌ،
في غَمضَةِ رُوح..
لِيُصَلِّي معهُم ثَمِلًا،
صلاةَ الجمعةِ- قَسرًا- يَومَ السبت.
وآه.
*
لا
لا تقُل شيئًا،
وأنا لن أقول شيئًا
كفانا ثرثرةً..
كفانا خَرَسا.
*
بالثلاثة
العربيُّ الإسرائيليُّ الجديدُ؛
مواطنٌ طالحٌ بالثلاثة..
فهو مسلمٌ الجمعة،
ويهوديٌّ السبت،
ومسيحي الأحد
والأيام بيننا.
*
مَن؟
إن كان للحائطِ آذانٌ،
فالخيمةُ لها عيون
تُرى من منهما يغبِطُ الآخرَ؟
الأذنُ التي لا تنامُ ولا ترى،
أم العينُ التي تنامُ وترى؟!
*
العرش
كلما حلَمتُ بالجلوسِ على كرسيِّ العرشِ؛
كلما تذكرتُ أولادَ العرش.
*
عندما
عندما أرى رجلًا فقيرًا؛
أراني فأرًا
وعندما أرى امرأةً فقيرةً؛
أراني قوَّادًا
وعندما أرى طفلًا فقيرًا؛
لا أراني..
لا أراكم الله فقيرًا في شريفٍ لديكم.
*
مازال
“-مازال قابيلُ الأولُ لا آخِرَ لَه؛
مادام هابيلُ الأولُ؛
مازالَ أولًا، لا آخَرَ له.
*
الحائط
لا فرقَ بينَكَ، وأنتَ تمشي بِجِوارِ الحائطِ،
وبيني وأنا أجري بجِوارِه
فكلانا يثورُ على الآخَرِ،
ويجورُ(أو يبولُ) على الحائط.
*
دِيوجِين
1-بَعدَ حوارٍ الشمسِ،
بين ديوجينَ والإسكندرِ الأكبرِ،
تَوارَى الإسكندر..
وما زال ديوجين وراءَ الشمسِ،
يبحثُ عن مصباحهِ الشريف،
مع أيِّ مُخبر.
2-نَما إلى حُلْمي،
أن دِيوجِينَ قد اختفى،
وهو يبحثُ بمصباحِه،
نهارًا عن رجلٍ شَريف
ومن يومها ولم أزَل أبحثُ بمصباحِه،
نهارًا وليلًا عنهُ..
عن ديوجين.
تُرَى هل اختفَيْتُ قريبًا،
كما نَما إلى عِلْمي؟!
*
هناك
-هُناكَ أسئلةٌ نموذجيةٌ لا ننتظرُ إجاباتِها،
بفارغِ الصبر
وهناكَ إجاباتٌ نموذجيةٌ،
ننتظرُ إجاباتِها كذلكَ،
ليسَ إلا.
*
عُمَر
جلُّ الأثرياءِ لصوص
وكلُّ الفقراءِ شرفاءُ،
بلصوصِهِم الفقراء؛
ما دُمنا في عارِ الرمادةِ،
دون أيِّ عُمَر.














