فتحي مهذب
1
في الشارع الملعون
أصغي إلى تساقط خطواتي
على الحجر
وسماء روحي مليئة بالغيوم
الخوف يهبط كالباشق فوق راسي
لا يعرفني أحد غير الله
في مدينة تتدفق بالفؤوس والبشر
اهش على شياه هواجسي
ضاحكا من تزاحم الأضداد
من حبل المشنقة المتدلي
على وجه المتسول
تنهشني عيون الكلاب السائبة
كأني أنحت خطواتي من الحجر
***
2
ماتوا قبل قليل
سقطوا جميعا في الهوة السوداء..
مات البهلوان في غابة السافانا..
ماتت عصافير الدوري في مفترق شراييني الهشة..
مات أخي مختنقا في مبولة الهامش..
ماتت الوردة في كتاب الأغاني..
مات نوح بحمى التيفويد في عرض البحر..
مات الحب بعضة أفعى المامبا.
ماتت الشجرة الوحيدة في صحن البيت المظلم..
ماتت قطتي المكفهرة بأعراض البلهارسيا..
مات آخر نبي غرقا في محيط المعاني..
ماتت العاهرة تحت صدري مثل شاة ضريرة..
مخلفة كدمات حمراء على عضوي الحجري ..
نصا سرديا طويلا في مدح الخيول الأصيلة..
ماتت أمي مثل كلبة مقززة في المستشفى..
رغم هيئة القوس التي تكون عليها بعد العاشرة ليلا..
رغم صلاتها اليومية لم تظفر بجنازة مهيبة ..
كسرت كرسيها المتحرك بفأس.
لأنسى صرير العجلات التي تقرص
مخيلتي طوال الليل..
مشية الفالج العبثي على قارعة جنبها الأيسر..
مات كل شيء جميل في قلبي..
مت مرارا شاتما السماء والأرض
وكل ألهة العالم..
أموت ألف مرة في اليوم..
بلت على رأس ملك سفسطائي..
بلت على كل دساتير العالم..
بلت على برلمانات الإوز العبثي..
بلت على مؤخرة الواقع الزنخة..
بلت على وجوه الساسة المثليين..
فجرت كاتدرائية واحدة ..
وجامعت قديسة بجوار تمثال المسيح..
كان المسيح يضحك مثل أب طيب للغاية..
والدم يزرب من عينيه شبه الغائمتين..
العذراء تستمني بصمت ..
فاغرة فمها الكرزي ويداها مرفوعتان إلى الأعلى..
مات الممرض المتعفن برصاصتين
من نهدي جثة طازجة..
مات حصان العائلة أمام البنك
متأثرا بجروحه..
ماتت الملائكة في مجزرة جماعية..
مات جارنا الضرير بركلة قطار جامح..
مات النقاد في رحلة صيد عبثية..
مات جرو الفرح الصغير بالسل..
مات البلبل الضحوك في البلكونة..
مات كل شيء جميل
أطفالي ماتوا في الشتات..
أنا مت ألف مليون مرة في اليوم..
الله مات من قرون
لم أشهد جنازته..
ماتت رغبتي في الحياة
مثل قحبة مفلسة .
لكن لم تمت الثعابين السوداء
التي تسحب البلاد إلى الهاوية .
لم يمت اللصوص والعيارون وقاطعو الطريق.
**
3
التنين الأبله
أخفضي مسدسك الأشيب.
ودعي ذكرياتنا تحلق بأمان.
تهبطين من الباص
مثل شجرة ضريرة.
قطع أغصانها حطابون كثر.
صوتك مليء بالأسرى.
بكمشة فراشات نافقة.
وخطواتك أمطار متقطعة.
أنا تنينك الأبله.
الذي يتبعك برؤوس سبعة.
وعشرين مترا من الحريق الهائل.
في انتظارنا وردة السيمياء
وأصيص صغير من جبس المخيلة.
لنقاتل ثيران الأسبوع الهرمة.
ونقيم دويلات من الفرح الخالص.
***
4
أيتها الأرض.
أيتها الأرض
يوما ما سأكون وجبتك المميزة..
ستلتهمين قلبي مثل شطيرة بيتزا
لكن حذار ثمة مواد سامة
دسها أصدقاء أثيرون في أذينه الأيمن..
ثمة غراب ميت داخل أذينه الأيسر
ثمة حمامة بيضاء عالقة في الشريان التاجي..
أعلم جيدا أن أسنانك غزيرة وحادة مثل أسنان القرش الأبيض..
لكن أرجوك ستجدين حبلا طويلا
في رأسي ..
كان يساعدني ليلا في الصعود
الى سماء سنواتي الأولي
حيث لا شيء غير الجمال المطلق
حيث لم تزل ذئاب الشك صغيرة
وهشة ..
لم تقطف حملان يقيني بشراسة..
أحيانا أصنع منه أرجوحة
لألهو مثل صوفي حذو أريكة الله..
أرجوك أنزعيه بلطف
لئلا تهاجمني موسيقى حزينة جدا
لئلا تندلع ذكريات حارقة في غابة رأسي..
خذي عطر عيني العميقتين
ورشيه على المارة النائمين
ليستيقظ في أرواحهم نيزك الأسئلة..
هبي أصابعي الجافة لبستاني..
ليزرعها في الحديقة مثل عيدان غريبة تجلب الحظ والمطر
لشجرات الفستق ..
أطردي الحشرة الملعونة
التي تطن في حنجرتي..
التي سببت موتا مبكرا لمنظرين
كبار زاروا قلعة روحي البعيدة..
هبي قدمي المتعبتين لأول ظربان
يتهجى شاهدة قبري
ويحاول الحصول على حصته من الغنيمة..
أيتها الأرض طبي خاطرا
سأسكن جسدا آخر
جميلا ومتماسكا وخاليا من أفاعي الأصدقاء..
في مكان ما من هذا العالم المليء
باللاشيء .
***
5
قبرها يهطل بالمطر
الرسولة التي امتلأت روحها بالغيوم.
****
الصخرة تعوي
كما لو أنها تنادي الجبل النائم
في التلة.
فجأة يخرج الحصان من الصخرة
بينما الذئب يفتح المغارة.
****
الفراشة
تنقل بريدنا السري للأزهار
المدججة بمكعبات الضوء.
*****
سيكون حسابك عسيرا
أيها الإسكافي
قالت الأرض:
– لا ترتق جزمة هولاكو.
****
إنتهينا من طرد اللامعنى.
بعد قطع فراسخ في الصحراء
مختفين وراء أقنعة كثيفة من الغبار
متسربلين بالأوراق والغصون
تتعقبنا زرقاء اليمامة
بسلة من العيون الكاسرة
كان( ش) يرعى قطيع الإوز
في أذهاننا
لا يفكر بتاتا في إسعاد الموتى
لم يكن ينتمي إلى بنات نعش.
لم نكسب الحرب
ولكن اكتفينا بحصتنا من الجنون الخالص.
*****
في الكنيسة
يصير التفكير مليئا بالضفادع
والخط المنحني الذي يتركه كلب الراعي وراءه
يطارد مخيلة الكاهن.
*****
تابوتك طازج جدا
أتعبنا جدا هذا التنظير لتيمة الفقد
الفلاسفة ماتوا في منتصف الطريق
بجلطات دماغية حادة.
****
بعد موتها
صرت أنادي شجرة التوت باسمها
في المساء ترسل أوراقها
لإضاءة الشرفة
وتهدئة الخواطر.
****
سعداء بالقماط
أشقياء في الكفن
****
سمعت الجرة
تقول : حنانيك يا أبتي.
****
المصابيح تتكلم بلغة الضوء
سنفهمها يوما ما.
****
سيتبعك فراغك
مثل كلب سلوقي
فراغك الذي قتل نهديك بالرصاص
وفي فمه إصبع مقطوعة
سيتبعك إلى الجحيم
بساقين من الهلام الخالص
ليلتهم خفافيش السحرة
ويطارد الجواسيس بضبابه الفلسفي.
****
سأقاتلكم أينما كنتم.
يتبعني سكان المقابر الجماعية
وطاويط الكهوف الحجرية
أخرج الأرواح الشريرة من زجاج أعينكم.
أيها السحرة المعلقون في الهواء
أيها القتلة.
****
دبابتك انتحرت فوق الجسر.
عد إلى مغارتك الرجيمة
أيها المغولي.
****
تبدع الحرب في صناعة المجانين
تبدع الحرب في زراعة القتلى
تبدع الحرب في فن السخرية
تبدع الحرب في ترويج شواهد القبور
تبدع الحرب في نسيان يهوه.
****
لما أصير عجوزا حيزبونا
يتغضن جلدي وتتهدل شفتاي
تسقط رأسي إلى أسفل
ينقرها طائر الزهايمر بشراهة
ويفر النور من عيني
مثل نورس مذعور
تحدودب الكلمات في فمي
وتداهمني أصوات غريبة من لا مكان
تتجمد ضحكتي مثل سمكة في عز الجليد
يتقوس ظهري وأجرجر ساقي
مثل لقلق مكسور الخاطر.
حينئذ ترشقني النسوة
بأعين من قش.
حينئذ أبحث عن تابوت العائلة
لأخفي جثتي المت








