قصائد من “كأنها القيامة”

nehad zaki

نهاد ذكي

مِيراثي

⁠‫غمازةٌ واحدةٌ على الخدِّ الأيسرِ.

⁠‫قطعةٌ منِّي مُستعَارَةٌ من أختِ أبي.

⁠‫عيناي ربحتُهُما من أمِّي في «اليانصيب».

⁠‫مقاس قدمي الـ 36 من جَدَّتي.

⁠‫كُلُّ بئرٍ شربتُ منها صارتْ في دمي

⁠‫حتى أصبحَ جسدي خارطةَ طريقٍ.

⁠‫كُلُّ علامةٍ فيها هِبةٌ ممَّن عبَرُوا من هُنا

⁠‫وشربُوا

*

أبوابٌ مُغلقةٌ

⁠‫هُناك أبوابٌ

⁠‫يجبُ أن تظلَّ مُغلقةً.

⁠‫أبوابٌ مقابضُها صَدِئةٌ

⁠‫كُتِبَتْ عليها «اللعناتُ»

⁠‫إنْ فتحتها أيقظتِ الألمَ النائم.

*

أتذوَّقُ طعْمِي

⁠‫أطلقتُ اسمًا على كُلِّ نُطْفةٍ أجهضتُها

⁠‫نثرتُها في تُربةٍ مالحةٍ

⁠‫تركتُها للطبيعةِ

⁠‫بُذورَ خلْقٍ

⁠‫نزفت وتفتَّقت

⁠‫زُهُورًا وورْدًا.

⁠‫هي ثمرُ البطْنِ.

⁠‫تقُولُ:

⁠‫«في الغدِ أقطفُ منها وأتذوَّقُ طعمِي».

*

القِططُ أكلتْ جدِّي

⁠‫بالأمس حلمتُ أنَّ قِططي الإناث

⁠‫أنجبتِ الكثيرَ من الهررةِ الصَّغيرةِ.

⁠‫رأيتُها تلتفُّ جميعًا حول الجسدِ الميتِ لجَدِّي،

⁠‫ثم بدأتْ تنهشُ لحمَ وجْهِهِ

⁠‫تاركاتٍ عظامَ الفكِّ ظاهرةً للعِيَان.

⁠‫ما أقلقني أنَّني كُنتُ هُناكَ

⁠‫أراقبُ جدِّي يُؤكَلُ

⁠‫قبل أن أخبِّئ جسدَهُ من أمي في الخزانة

خشية أن تعنفني.

*

تنتهِي القيامةُ

⁠‫تقفُ الأمهاتُ صفًّا واحدًا

⁠‫أرحامُهُن مفتُوحةٌ لاستردادِ الأبديةِ

⁠‫هبتهُن إلى العالم.

⁠‫كلٌّ مُستعدٌّ لأنْ يأخُذَ ما أعطى

⁠‫حتَّى يفرغَ العالمُ من سكَّانه.

⁠‫عندها فقط.. تنتهي القيامة.

⁠‫*

جنيني في المزْهرِيَّة

⁠‫آلامُ وضْعٍ

⁠‫جسدٌ يتلوَّى.

⁠‫أضعُ جنينِي المُشوَّهَ في المزهريَّةِ

⁠‫ومعهُ مِلعقةُ سُكَّرٍ وبعضُ الماءِ

⁠‫حتَّى ينبُتَ ويُزهِرَ

⁠‫أما الأب

⁠‫فقد أكلتهُ قِطَّتي في العشَاء.

⁠‫الآنَ وحدِي في غُرفةِ الطَّعام

⁠‫يتدلَّى منِّي حبلٌ سُريٌّ

⁠‫يتطوَّحُ كبندولِ ساعةٍ بين ساقيَّ

⁠‫أثناء الانتظارِ الطويلِ ليضعُوا الخُبزَ على الطَّاولة

*

غَرَقٌ مُسْتَعْصٍ

⁠‫أنحنِي

⁠‫ليمرَّ البحرُ من فوق رأسِي

⁠‫موجةً موجةً

⁠‫أنحني

⁠‫لينسكبَ المِلحُ في دمي

⁠‫كلُّ الأحجارِ التي وضَعتُ في جيبي

⁠‫لم تعُد كافية.

⁠‫فكلما وصلتُ إلى العُمق

⁠‫طفَا جسدِي من جديد.  

*

لا أريدُ لرَحِمِي أنْ تتورَّطَ في الخلْق

⁠‫أخشَى منَ الأمُومةِ

⁠‫كما تخشَى على نفسها منِّي.

⁠‫أحبالٌ سُريَّةٌ كثيرةٌ تلك التي قطعتُ

⁠‫كي أحافظَ على وحدتي في العالم .

⁠‫لا أريدُ أذيالًا لخيبتِي

⁠‫لا أريدُ لرحمي أن تتورَّطَ في الخلْق

⁠‫كما تتورَّط الآلهة.  

*

كآبتي مُعْدِيةً

⁠‫كُنتُ أخشى من أن تكونَ كآبتي مُعْدِيةً

⁠‫أنْ يلتقطَها أحدُ المارَّةِ

⁠‫يُمرِّرَها لآخرين.

⁠‫أن تُظلِّلَ سَحابةُ حُزنِي المدينةَ بأكملِهَا

⁠‫ينتقلَ السجنُ من داخلي

⁠‫إلى كُلِّ مكان.

……………………..

*قصائد من ديوان “كأنها القيامة”، صادر عن دار الأدهم بالقاهرة

 

 

نهاد زكي

6 مقال

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع