د. رشا الفوال
مقدمة:
يقدّم كتاب: رمزية الشيطان في السرد الروائي المعاصر الصادر عام 2023م، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للكاتبة: منة الله حسن دراسة شاملة لفكرة رمزية الشيطان في أربعة أعمال روائية عربية بارزة هى: رواية أولاد حارتنا للكاتب نجيب محفوظ، رواية عزازيل للكاتب يوسف زيدان، رواية متاهة إبليس للكاتب العراقي برهان شاوي، ورواية موسم صيد الغزلان للكاتب أحمد مراد، محاولًا تتبع تطور تلك الرمزية عبر الميثولوجيا، الدين، الفكر الإنساني، الأدب العربي والعالمي، والتحليل النفسي.
تهدف المراجعة النقدية الحالية إلى تقييم البناء المنهجي للكتاب، ومدى وضوح الفكرة المركزية، وفاعلية الربط بين النظرية والتطبيق، مع إبراز نقاط القوة والقصور في تحليل رمزية الشيطان، أسلوب الطرح، وتنظيم المباحث الداخلية. كما تسعى إلى تقديم رؤية نقدية متوازنة حول مساهمة الكتاب في الدراسات الأدبية المعاصرة ومدى الاستفادة منه كمرجع أكاديمي. من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: مدخل عام للكتاب وفكرتة المركزية
أولًا: اتساع المفهوم وغياب ضبط المصطلح
تتعامل الكاتبة مع آليات ظهور الشيطان بوصفها آليات سردية، ورمزية، ونفسية، وأحيانًا خطابية، لكنها لا تُقدّم بحسب ما يوحي به العنوان تعريفًا إجرائيًا واضحًا لمصطلح الآلية.
وهو الأمر الذي يخلق اتساعًا غير مضبوط يسمح بدمج تقنيات متباينة داخل خانة واحدة، مما يجعل التحليل ثريًا لكنه غير صارم منهجيًا.
نراها أيضًا تحاول رسم خريطة واسعة لوظائف الشيطان مثل(التمرد، المعرفة، الفتنة، القسوة، الوعي الداخلي، التعارض مع السلطة…) الملاحظ أنها تميل إلى تضخيم الرمز بحيث يصبح قابلًا لكل شيء، هذا التضخيم يوحي بتحويل الشيطان إلى إطار شامل لا يضبطه سياق.
ثم تأتي القراءة الأخلاقية/ الوجودية التي تطغى على القراءة البنيوية؛ فنراها تربط الشيطان بوظائف وجودية مثل معنى الشر وأزمة الإنسان وصراعاته، هذا التناول يميل إلى إعادة إنتاج التأويل الديني-الاجتماعي ذاته دون مساءلة البنية الفنية التي تُنتج هذه الدلالات. نرى أنه كان من الأجدى تحليل كيف يوظف السرد صورة الشيطان ووظائفه.
وفي تناولها للوسوسة بين النفس والشيطان استخدمت الوسوسة كمفهوم نَفسي ديني؛ ففي رواية: عزازيل مثلًا، الوسوسة جزء من الانقسام الداخلي، بينما في رواية: موسم صيد الغزلان هي عملية معرفية علمية مرتبطة بإدراك الإنسان. نقديًا كان يتطلب هذا التناول تمييزًا معرفيًا في الروايات محل الدراسة بين: الوسوسة بوصفها حوارًا داخليًا نفسيًا، والوسوسة بوصفها صوتًا خارجيًا ميتافيزيقيًا، والوسوسة بوصفها تقنية سردية، غياب هذا التمييز أضعف المستوى التحليلي .
هناك أيضًا خلط بين الوظيفة الرمزية والوظيفة السردية للشيطان، بمعنى أن الكاتبة أحيانًا تساوي بين وظيفة الشيطان ورمزية الشيطان، وهناك فروق؛ لأن الوظيفة تتعلق بما يؤديه الرمز داخل السرد(دفع الصراع، خلق التوتر، الكشف…) والرمز يتعلق بما يمثّله الشيطان داخل رؤية الكاتب للعالم. نرى أن الفصل بينهما كان ضروريًا لبناء تحليل منهجي متماسك.
إضافة إلى غياب النظرية الرمزية الحديثة؛ فالكاتبة تتناول صورة الشيطان وفق منهج تقليدي يميل إلى الرمزية الكلاسيكية، متجاهلة إمكانات الرمزية الحديثة وما بعد البنيوية، مثل: الرمزية كشبكة دلالية لا نهائية عند الفيلسوف والناقد الفرنسي: جاك دريدا، والرمز بوصفه أثرًا للاوعي عند عالم النفس السويسري: كارل يونغ، والرمز بوصفه إنتاجًا ثقافيًا عند السياسي الكندي: ريتشارد أوغدن. هذا الأمر جعل تحليل الدلالة أحادي البعد بدلًا من أن يكون متعدد الروافد.
ثانيًا: المقاربة الانتقائية دون إطار نظري جامع
رغم أن الكاتبة تدرس أربع روايات مختلفة المدارس(رواية واقعية رمزية، رواية روحية/تاريخية، رواية غرائبية فلسفية، رواية خيال علمي)، إلا أن آليات تحليلها تبدو انتقائية، تعتمد على ما يقدّمه النص ذاته دون بناء إطار مقارن واضح. كان من الأفضل نقديًا أن تشتغل على نموذج مرجعي واحد يتمثل في: آليات الظهور المباشر للشيطان/ آليات الظهور النفسي/ آليات الظهور الرمزي/ آليات الظهور السردي، ثم تقاس كل رواية وفقًا لهذه الآليات، مما يمنح التحليل اتساقًا.
ثالثًا: هيمنة القراءة الموضوعاتية على حساب التحليل السردي
في دراسة حضور الشيطان تظهر في منهج الكاتبة هيمنة واضحة للرؤية الموضوعاتية، ما يؤدي إلى طمس الفروق السردية الدقيقة. نقديًا هذا يجعل تحليل(الآليات) أقرب إلى تحليل(الأدوار) أو (الدلالات)، بينما الآلية بالمعنى النقدي الدقيق ترتبط بتقنية السرد، لا بموضوعه.
في مناقشة المبحث الأول: الشيطان في الميثولوجيا والأساطير
تتناول الكاتبة الميثولوجيا والأساطير في مبحث واحد، وهو ما يُشكل خللًا منهجيًا، إذ أن الميثولوجيا تشير إلى نظام فكري شامل، بينما الأسطورة هي نص سردي ضمن هذا النظام. إضافة إلى ذلك أسهبت الكاتبة في ذكر الحكايات الشعبية وأسطورة اليهودي التائه وحكايات ألف ليلة وليلة والجن، مما أثر على وحدة المبحث وجعله يبدو كموسوعة أكثر من كونه مدخلًا تحليليًا لخدمة دراسة رمزية الشيطان. هذا التشعّب رغم ثرائه يُشتت الانتباه عن محور الدراسة المركزي، فكان من الممكن للكاتبة أن تعتمد على أحد المسارين المسار الأول: الفصل المنهجي لمبحث الميثولوجيا عن مبحث الأساطير مع تحديد وظيفة كل منهما في تشكل صورة الشيطان. المسار الثاني: الدمج الواعي مع توضيح الفرق. وبذلك يصبح المبحث ممتع ثقافيًا.
في هذا المبحث رأينا أن الاستطراد يُربك وحدة الموضوع؛ لأن وظيفة المبحث النظري تكمن في أن يمهّد مباشرة لفهم حضور الشيطان في الروايات، لكنّ التشعّب في عشرات الأمثلة يُضعف بوصلة التحليل، ويشتّت المتلقي ويجعل صورة الشيطان تتماهى مع عشرات الرموز المختلفة؛ فيفقد الكتاب وحدة موضوعه.
في مناقشة المبحث الثاني: الشيطان في الأديان الوثنية والسماوية
قدمت الكاتبة دراسة موسوعية لمختلف الديانات القديمة والحديثة، بدءًا من مصر وبابل واليونان، مرورًا بالهند والبوذية والجينية، وصولًا إلى الزرادشتية، مع التركيز على تصورات الشر والشيطان في اليهودية والمسيحية والإسلام. ورغم أهمية هذه المادة في توضيح تطور الرمز، إلا أن غياب إطار مقارن منهجي بين هذه الديانات يجعل الفصل منفصلًا عن الروايات محل الدراسة. كذلك يؤدي تعدد التصورات المتعارضة للشر إلى خلق فوضى مفهومية، ويُصعّب على المتلقي تتبع وظيفة الشيطان الرمزية داخل السرد الروائي المعاصر باعتباره العنوان الرئيسي للكتاب.
إضافة إلى أن اتساع الدائرة الدينية وتداعياتها المنهجية في هذا المبحث، يمكننا اعتبارها محاولة طموحة لرسم الجينالوجيا الدينية لمفهوم الشيطان عبر حضارات متعددة، لكن ذلك الطموح يتحوّل نقديًا إلى اتساع مفرط يُربك الإطار النظري؛ فالروايات الأربع نفسها لا تحتاج كل هذا الامتداد الديني، نجد أن رواية: أولاد حارتنا تعتمد أساسًا على المتخيل الديني، ورواية: عزازيل تنطلق من المسيحية المبكرة، ورواية: موسم صيد الغزلان تعتمد على الشيطان الوجودي والعلمي، ورواية: متاهة إبليس كُتبت من منظور فلسفي/رمزي مرتبط بالتراث الديني، معنى ذلك أن أغلب الديانات التي تناولتها الكاتبة ليست مرجعًا فعليًا لهذه الروايات.
في مناقشة المبحث الثالث: الشيطان في الفكر الإنساني المعاصر
استعرضت الكاتبة تطور مفهوم الشيطان في الأدب العربي الحديث، من التصوف عند الحلاج وابن عربي، مرورًا بالشعر والمسرح عند أحمد شوقي وتوفيق الحكيم، وصولًا إلى الرواية العربية المعاصرة. ورغم ثراء المادة؛ فإن المزج بين الحقول المختلفة من دون إطار منهجي محدد أدى إلى فصل الجانب النظري عن التطبيقي، وجعل المبحث يبدو موسوعيًا أكثر من كونه تحليليًا دقيقًا للرمز. كما أن الإسهاب في الشرح قلل من التركيز على علاقة الشيطان بالنصوص محل الدراسة.
ثم جاء بعد ذلك تناول الشيطان في الأدب العالمي، مع التحول إلى التحليل النفسي والشيطان عند: سيجموند فرويد، والحديث عن الفرق بين الظهورات الشيطانية والوسواس العصابي والأفعال التسلطية، وربطها بالأساطير والميثولوجيا مرة أخرى. هذا المزج بين الأدب والتحليل النفسي، والأساطير أدى إلى خلط منهجي، حيث لم يتم التفريق بين الرمز النفسي الداخلي والوظيفة السردية للشخصية. كما تكررت مشكلة استخدام مصطلحي الأسطورة والميثولوجيا دون تحديد دلالي واضح، مما أثر على وضوح الرمز ووظائفه في النصوص.
في هذا المبحث أيضًا تناولت الكاتبة صورة الشيطان وسميولوجيا الشخصية، وأسهبت في شرح مفاهيم الصورة والشخصية وتقسيمها إلى مرجعية وإشارية واستذكارية، وهو أمر مفيد نظريًا لكنه فصل مفاهيمي شتت المتلقي وصرف ذهنه بطريقة غير مباشرة عن التطبيق النصي المباشر. كذلك تناول: رمز الشيطان والبنيات السيموطيقية الزمانية والمكانية بدا دخيلًا على فكرة الكتاب، إذ ركز على عناصر سردية عامة دون ربط مباشر بوظيفة الشيطان الرمزية، مما أثر على وحدة الكتاب المنهجية.
اتساع المادة على حساب التركيز النقدي جعل المبحث موسوعي الطابع أكثر من كونه تحليليًا دقيقًا، نقديًا الفائدة المنهجية من هذا الإتساع محدودة لأنه لم يحدد: أي من هذه الصور أساسية لفهم الروايات محل الدراسة، وأيها ثانوي أو هامشي في بناء رمزية الشيطان المعاصر.
تضمن المبحث أيضًا تحليل أنساق التلقي لكل رواية، هذا جيد من حيث التطبيق العملي للرمزية، إذ يوضح كيف يتفاعل المتلقي مع الرمز، ويمكننا اعتباره فصل خاص بالدراسات السابقة في الكُتب والدوريات، مع ذلك كان من الأفضل وضعه في البداية كمقدمة تحليلية لتوجيه المتلقي، بدلًا من تأجيله بعد تراكم المباحث النظرية، وهو الأمر الذي أثر على انسيابية الكتاب وبناءه النقدي.
خاتمة:
_ يتميز الكتاب بالجرأة في اختيار روايات متنوّعة، مع امتلاك الكاتبة للحس التأويلي الغني الذي أضاءبلا شك المناطق المسكوت عنها في الروايات محل الدراسة
_ الغزارة المعرفية والتمكن من المادة التراثية والأسطورية مع الاهتمام ببعد ظلّ مهمَلًا في النقد العربي رمزية الشيطان
_ تناولت الكاتبة رمزية الشيطان المرتبط بفكرة الصراع بين الخير والشر، ومنها إلى الصراع السردي بين وعي الشخصية المحورية والرغبة، وبذلك تصبح الثنائية الأخلاقية ثنائية تفسيرية جاهزة تُسقَط على النصوص محل الدراسة، بدلًا من أن تُستنبط منها.
_ تدخل الكاتبة إلى موضوع الشيطان في الفكر الإنساني عبر مساحة معرفية ضخمة تمتد من الميثولوجيا إلى الفلسفة والأديان والأدب الشعبي. من منظور نقد النقد هذا الاتساع يتطلّب ضبطًا منهجيًا صارمًا يحدد: هل المقاربة تاريخية؟ أم أنثروبولوجية؟ أم رمزية؟ أم مقاربة مقارنة؟ غياب هذا التحديد جعل التحليل ثريًا لكنه يفتقر إلى اتساق بنائي، فيظهر الفصل كمسح عام أكثر منه دراسة نقدية محكمة.
_ وجود مبحث نظري أمر أساسي لدراسة رمزية الشيطان، لكن حين تتحول الخلفية إلى سرد متتالٍ لأساطير لا تُوظّف مباشرة يُفقد المبحث وظيفته الإطارية، ويتحوّل إلى تجميع معلومات غير متماسكة معرفيًا، نقديًا هذا يُسمّى في الدراسات الحديثة Over-contextualization أي الإفراط في الشرح حتى يضيع الموضوع المركزي.
_ الميل إلى السرد التوثيقي بدل التحليل، تبدو الكاتبة أحيانًا وكأنها تجمع المادة المتعلقة بالشيطان في الفكر الإنساني من مصادر مختلفة، دون تحويلها إلى إطار نظري يمكن أن تستند إليه في تحليل الروايات لاحقًا. نقديًا: كان من المفترض أن يصبح هذا الفصل قاعدة نظرية توجه تحليل النصوص، ولكنّه يبقى أقرب إلى الاستعراض المعرفي.
_ الدراسة تفترض علاقة تلقائية بين الفكر الإنساني والرواية المعاصرة، لكنها لم تدرس: آليات انتقال الرمز أو كيفية اشتغاله داخل الخطاب الروائي، أو درجة تحرر الروائي من الإرث الميثولوجي؛ فبقي الفصل منفصلًا عن التحليلات السردية التي تليه.
_ الجمع بين الميثولوجيا والأساطير في مبحث واحد أمرًا يستدعي التوقف؛ ففي التداول النقدي العربي يُستخدم مفهوما الميثولوجيا والأساطير في كثير من الأحيان كمترادفين أو شبه مترادفين للإشارة إلى:النظام الحكائي القديم، المرويات التأسيسية، التفسيرات الرمزية للكون والوجود، وعليه فإن الجمع بينهما قد يعكس خلطًا اصطلاحيًا، أو على الأقل عدم الوضوح في التفريق الدلالي بين ما هو خطاب(ميثولوجي) وما هو حكاية(أسطورية).
في الدراسات المعاصرة أيضًا هناك فرق معتمد نسبيًا؛ فالميثولوجيا منظومة فكرية متكاملة تفسر العالم وتمنح الجماعة إطارًا رمزيًا لفهم الوجود. والأسطورة قصة أو بنية سردية تحمل وظيفة رمزية داخل هذا النظام الميثولوجي. عدم مراعاة هذا الفرق جعل المبحث مفتقدًا للبنية المفهومية.
_ الجمع بين الميثولوجيا والأساطير في مبحث واحد ليس خطأً في ذاته، لكنه يُصبح إشكاليًا حين لا يرافقه تحديد اصطلاحي يبيّن: ما هو المبحث المعرفي الذي تستند إليه الكاتبة، وما الفرق بين الميثولوجيا كمنظومة فكرية وبين الأسطورة كحكاية أو بنية سردية، وكيف سيؤثر هذا على تحليل رمز الشيطان في الروايات، ولماذا ندمجهما؟، وما العلاقة بينهما في تحليل الرمز؟، وما حدود كل مصطلح؟ غياب هذا التفصيل يجعل الدمج شكليًا وليس منهجيًا.
_ غياب الربط بين الأسطورة والبنية الثقافية للمتلقي؛ فالكاتبة لا تناقش كيف تتشكل علاقة المتلقي العربي المعاصر بهذه الأساطير، ولا كيف تُعاد قراءتها في المخيال الحديث.
من منظور نقد النقد، كان يمكن توسيع النقاش إلى: مفهوم الأسطورة المُستعاد إنتاجها، وبذلك يتجاوز التحليل التوثيق إلى تفكيك الوظيفة الثقافية للميثولوجيا.
_ استخدمت الكاتبة الأسطورة كمرآة لا كأداة تحليل، تعاملت معها باعتبارها خلفية معرفية لفهم الروايات، بينما كان من الممكن استخدامها كـ أداة تحليلية تكشف: أنماط التكرار، وإعادة إنتاج الميثولوجي داخل السرد المعاصر، إهمال هذا البعد أضعف العلاقة بين الجانب النظري والتطبيق النقدي.
_ التضخم المعلوماتي على حساب البنية التحليلية، فهناك توسّع في حكايات الجن، ومرويات التراث الشعبي، وأسطورة اليهودي التائه التي ترتبط بفكرة العقاب الأبدي واللعنة ولا ترتبط بصورة الشيطان مباشرة، ولا تُستثمر داخل الروايات الأربع، وحكايات ألف ليلة وليلة، وأساطير الشعوب القديمة
لكنّ هذا التراكم لم يُترجم إلى دور تحليلي يخدم موضوع الرمز في الروايات محلّ الدراسة، من منظور نقد النقد هذا التضخم المعلوماتي يخلق فصلًا غني من حيث المادة، فقير من حيث التوظيف النقدي؛ فالمادة لا تتحوّل إلى عدسة تفسيرية، بل تبقى مجرد خلفية موسوعية.
_ المبحث الثاني يتميّز بالثراء وتنوّع المادة، لكنه يعاني من: اتساع غير ضروري يشبه الموسوعات لا الدراسات التحليلية، إضافة إلى غياب الصلة بين المادة الدينية والنصوص الروائية، والفوضى المفهومية الناتجة عن جمع تصوّرات متعارضة للشيطان، بالتالي فإن هذا المبحث رغم قيمته المعرفية لا يخدم الهدف النقدي المركزي، بل يُثقل بنية الكتاب بمادة تراثية/دينية لا تتحول إلى أدوات تحليلية.
_ الكتاب غني بالمعرفة، ويغطي جوانب متعددة: الميثولوجيا، التحليل النفسي، السيميولوجيا، والأدب العربي والعالمي. مع ذلك نرى فيه بعض القصور المنهجي الذي يتضح في تشعّب بعض المباحث، خلط التخصصات، ضعف الربط بين النظرية والتطبيق، وضعف الخاتمة. نرى أن الكتاب يحتاج إلى إعادة هيكلة منهجية تجعل كل مبحث يخدم فكرة رمزية الشيطان بشكل واضح، مع دمج التحليل التطبيقي للنصوص بشكل مباشر.
_ التحليل النفسي هو إطار علمي-نظري مستقل، لا يمكن توظيفه مباشرة دون ضبط العلاقة مع النصوص الأدبية، كما أن إدخال: سيجموند فرويد يحتاج إلى تحديد: هل نُحلّل الشيطان بوصفه رمزًا نفسيًا داخليًا، أم كشخصية أدبية؟، بدون هذا التحديد يصبح المبحث مزيجًا وصفيًا بلا معيار منهجي واضح. نتيجة لهذه الإشكالات نجد أن المبحث غني بالمعلومات، لكنه ضعيف الصلة بالتحليل النصي المباشر للروايات محل الدراسة. ونجد أن الشيطان أصبح رمزًا عامًّا متعدد المستويات بدون ضبط وظيفي محدد في النصوص.
_ الكاتبة شرحت بمساحة واسعة ما يعنيه مفهوم الصورة ومفهوم الشخصية، هذا الإسهاب أدى إلى تحويل المبحث إلى درس في السيميولوجيا العامة أكثر من كونه تحليلًا لرمزية الشيطان في الروايات محل الدراسة. كان عليها الاكتفاء بتعريف مختصر وواضح يربط مباشرة بين الصورة الرمزية للشيطان ووظيفة الشخصية الشيطانية أو الشريرة في الروايات.
_ الجزء الخاص برمز الشيطان والبنيات السيموطيقية غير مرتبط بفكرة الكتاب الأصلية التي تركز على رمزية الشيطان في السرد الروائي المعاصر، بينما محور الزمان والمكان، كما قدمته الكاتبة يعالج عناصر سردية عامة ويهتم بالمسافة الزمنية والمكانية للروايات، ولا يرتبط مباشرة بالشيطان كرمز أو بوظائفه الرمزية، نرى أن هذا الجزء يبدو دخيلًا على فكرة الكتاب الأساسية، لأنه يشتت التركيز عن تحليل رمزية الشيطان.
_ الجزء الخاص بأنساق التلقي لو وُضع في البداية، لكان بمثابة خريطة طريق لفهم كيفية ظهور الشيطان في الروايات الأربع، وبالتالي كان سيحدد آليات ظهور الرمز ووظائفه، ويوجّه المتلقي نحو ما يجب مراقبته في المباحث النظرية اللاحقة، ويجعل التحليل أكثر تركيزًا ووضوحًا.
_ ضعف البناء المنهجي في الخاتمة، نلاحظ أن الخاتمة لم تُعدّ خريطة معرفية تربط بين المباحث النظرية والتطبيقية. إذ لا يوجد فيها إعادة صياغة منهجية واضحة لآليات ظهور الشيطان، وظائفه الرمزية، أو تأثير أنساق التلقي. هذا النقص جعلها تبدو ملاحظات عابرة أكثر من كونها ختامًا نقديًا مؤثرًا.
نلاحظ أيضًا غياب الإضافة النقدية؛ فالخاتمة لم تُقدّم أي توصيات بحثية، أو توسعات مستقبلية للدراسة، أو أي تحليل تكاملي يُبرز أهم نتائج البحث.
_ رغم هذه الملاحظات، يظل الكتاب مرجعًا قيمًا للباحثين في دراسة رمزية الشيطان في الرواية العربية المعاصرة، بفضل المادة الغنية والشمولية الفكرية. إلا أن قوة الكتاب النظرية تحتاج إلى تركيز منهجي أفضل، وضبط للربط بين المباحث والنصوص، وخاتمة تحليلية تعزز القيمة الأكاديمية.











