في مديح الحُمق.. أو إنقاذ ما تبقّى من العقل

abdelmottaleb

عبد الهادي عبد المطلب

تمهيد..

         يئس العقل من رزانته وتعقُّله وأغلق نوافذ التّبصّر والحكمة رغم أنه يعلم يقيناً أنه سيُتابع ويُلام ويحارب ويُنعتُ بالحمق والسّفَه والرّعونة والجنون، لعلّ العالم من حوله يستيقظ من سباته وبَياته.

         فتح العقل للحُمق باباً حصّنه بالتّغافل والإبداع والسؤال، فالحُمق تغافلٌ وسؤال وإبداع يتجاوز الآن، فكيف يكون الحُمق كذلك في زمن ضيّع صدقه ومعناه واختلطت مقاييسه، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يبحث في تحمُّل الحياة وتفادي السّقوط ومقاومة أنظمة القمع والهيمنة والتّعقُّل الزّائف؟ وكيف يتحول ما يصفه العقل السائد بالحمق والجنون أو التّهوّر، إلى محرّك للتّطوّر الإنساني؟

         في البدء لا بدّ أن نوضّح ما نقصد بالحمق هنا، ليس غياباً للوعي، أو عاهة عقلية، بل هو خروج واعٍ عن السّائد الذي يوقف الزّمن في انتظار الحسابات والالتزامات. فالعقلانية ليست حقيقة مطلقة، بل هي مجموعة من القواعد والضّوابط التي تواضع عليها المجتمع وتقبّلها كحقائق مطلقة وبديهية دون نقاش أو تشكيك لحفظ توازنه واستقراره ومصالحه.[1]  

فعندما تصبح العقلانية جامدة وقوالب صارمة تمنع التّطوّر، يُصبح الحمق الأداة الوحيدة لكسرها، والمغامرة للوقوف في منطقة “اللامعقول” الآن لتُصبح هي “المعقول” غداً. فالتاريخ لا يصنعه المحافظون على الوضع والمطمئنّين على مصالحهم، بل يصنعه “الحمقى” بمقياس عصرهم[2]، فالحقيقة التي يدافع عنها القبحُ الإيجابي التغييري في مواجهته للقوالب الجامدة تمر بمراحل ثلاث، كما لخّصها الفيلسوف الألماني شوبنهاور بقوله: أولا: تتعرّض للسّخرية، ثانيا: تُقاوم بعنف، ثالثا: تُقبل باعتبارها بديهية ذاتية». فهل الحمق أو الجنون، دائما مجرد غباء أو تصرُّفات خرقاء؟ وهل هو ظاهرة إنسانية وثقافية وتاريخية إبداعية تدفعها المغامرة والمخاطرة؟

الشيء بضده يُعرف..

         بين العقل والحمق شعرة أرقّ من شعاع، تمْزج العبقرية بالجنون، والمنطق بالاندفاع، والانتظار بالمغامرة، فهما (العقل والحمق) بهذا، وجهان لعملة واحدة تتأثر بالواقع، تندمج معه وتنصهر فيه. فالتاريخ يصنعه الفكر والعبقرية كما يصنعه الحمق والمجازفة، والحمق رافق الإنسان منذ بداياته الأولى، فالأفكار العبقرية والمشاريع الكبرى والحروب غالباً ما تتّسم بالتّهوّر وغياب العقل حين التخطيط لها. يشير (نيتشه) إلى أن «الحمق يكمن في ابتكار أفكار وقيم جديدة تبدو في البداية جنونية أو عبثية، ولكنها في أكثرها هي ما يحرّك التاريخ ويغير الواقع». والتاريخ مليء بالمنعطفات الغريبة والإنجازات العظيمة التي غيرت وجه العالم، وأغربها التي بدأت بسوء فهم، أو قرار متهور، أو بفكرة “حمقاء” مجنونة في نظر الكثيرين، ثم تحوّلت بعد ذلك إلى عبقرية بعد نجاحها.

         العقل والحمق ليسا نقيضين يحارب أحدهما الآخر على خلفية الهزيمة والانتصار، بل هما امتداد لشعرة ينصهر طرفيْها بحْثاً عن التغيير والحق والعدل، فتمتزج الرزانة والتّعقّل بالجنون والمغامرة، والنّظام والمنطق بالفوضى والغريزة، فينشأ التّغيير من حرارة هذا الانصهار، فتظل الشّعرة تتمدّد وتتقلّص ليقف الإنسان بين العقل والجنون صانعاً لوجوده ومعناه، لأنهما يتساويان في تحدّي اللحظة بدرجات متفاوتة يكون للجنون السبق وخوض المجهول والثقة في الأثر الذي سيحدثه، في حين يلتزم العقل بالحسابات والالتزامات والتوقّفات، والتفكير قبل الانتقال إلى المرحلة القادمة.

وإذا كانت الأشياء بضدّها تُعرف، “فالعقل” أو “التّعقّل” في صرامته وتفكيره في الاحتمالات، ودراسته للمخاطر، وتجنّبه للخسارات، واحترامه للسنن والتقاليد، وتمسّكه بالواقع الملموس، يتخلّى عن الفكرة، بينما “الحمق” باعتباره حمقاً إيجابيا وتغييرياً، نعتبره هنا كذلك، مكمّلاً للعقل، فيتجاوز ما وصل إليه، ويتحدّى المخاطر التي أوقفت العقل ويخوض فيما عجز عنه، أليست الاكتشافات العظمى والمشاريع الريادية التي غيّرت العالم وحياة الناس كانت تكتسي لبوساً من حمقٍ يحركه الاندفاع والشغف والدهشة والتّغابي الذّكي، إذ لولا هذا الحمق ما طار الإنسان ولا ركب الموج، ولا خاض مجاهيل ما يحيط به، ولا وصل إلى ما وصل إليه اليوم، وهو بهذا المعنى، فالحمق شعلة تدفع بالعقل الحذر إلى خوض غمار المجهول للسير إلى الأمام.

الحمق إبداع ومقاومة..

         كثيراً ما ينطق الحمق بالحقيقة التي تُعرّي زيف العقل، فالحمق في كثير من الأحيان ليس غياباً للوعي، بل هو فائض في النور يعمي بصيرة العقل، ليعيد ترتيب فوضى العالم لتُسْتساغ عيشاً كريماً. والأحمق لا توقفه الرقابة، ولا يخضع لها ولا للمنطق الاجتماعي، لذا فهو يمتلك حرية مطلقة في فضح أطروحات العقل التي تخدم مصالحه، في حين يحاول هذا الأخير حين يُشهِّر به وينعته بالجنون والحمق، ويفضحه أمام الناس ليضمن استقراره وسلطته.

         والحمق في أوضح تجلّياته إبداعٌ ومغامرة وركوب المجازفة، والسير عكس التيّار الرّافض للتغيير، وهو في “تعقُّله” هذا، يقف ضد الجمود الفكري، وضد الظلم وتشييء الإنسان وتسليعه. ولطالما نظر المفكّرون والفلاسفة إلى الحمق على أنّه آليةُ عملٍ خاصّة بالعقل حين يستيقظ وتتلبّسه حالات التّصدّي لتردّي العالم وليس غياباً له أو نقصاً، وإن كان يسير في الاتّجاه المعاكس للعقل والتّعقّل، وبيقين مفرط في التصديق والثّقة بقدراته، وامتلائه باليقين، في حين تملأ العقلاء الشكوك والحيرة والأسئلة المقلقة التي تدفعهم إلى الوقوف وإعادة النّظر في الحال لتجميل المآل.

         الحمق في كل حالاته غير المرضية، يجادل عن نفسه، يظهر ويختفي، يحرّك العقل حين ييأس من التغيير، لأن الصرامة تشل الحركة وتوقف التفكير النقدي والإبداعي، فيظهر الحمق بطاقته الخلاّقة يدفع بالعقل إلى الفعل وتجاوز الخوف للتّحرُّر من الصرامة الزائدة المثبّطة للعزيمة والتغيير. هكذا يكون الحمق فعلاً للمقاومة ومواجهة متمرّدة ضد الشر بكل أنواعه لإرباك حسابات العقل، وبهذا يكون وعياً ورفضاً عاقلاً يضمن للإنسان حقه في عالم مجنون بالمصالح والهيمنة والسلطة.

         ما العمل حين تصل الروح إلى قناعة بأن العقل والتّعقّل والرزانة التقليدية لم تغيّر من انحطاط الانسان وبؤسه شيئا؟ يصبح “الحمق” الإيجابي التغييري نوعاً من التمرّد ومحاولة التغيير وكسر القوالب الجاهزة التي فرضها العقل للوصول على عمق الأشياء والبحث فيها والمغامرة انطلاقا منها لفضح الثابت والمعتقد والسائر بين الناس كحقيقة وحيدة.

         فالحمق مواجهة وتجريد الأشياء من زيفها وتحدّي الإجابات القديمة الواقفة عند الأبواب الموصدة تنتظر، وعندما تغلق الأبواب تحضر الدّهشة والمغامرة والأسئلة الجرّيئة التي يخشى العقلاء طرحها متجاوزة رزانتهم، يتحرّك الحمق وفي يده مفاتيح الدخول وكشف المخبوء وراء هذه الأبواب. وكما يتّفق “نيتشه” و”جلال الدين الرومي” أن أعظم الأفكار والتّحوّلات في تاريخ البشرية وُلدت من رحم أفكار اعتبرها معاصروها “حمقاً” أو جنوناً. إذ حين تفشل الرّزانة والتّعقّل في حماية إنسانية الإنسان، يُصبح “الحمق الإيجابي” هو المحاولة الأخيرة لإنقاذ ما تبقّى من التّعقّل والأمل والمعنى والكرامة والحرية.

         الحمق في زمن الانكسارات وضياع الحقوق نوع من أنواع الحكمة، بل هو عين العقل والصّواب، يقول عبد الرحمن المجذوب[3]: «خلّي حمقك ينفعك، ولا تكون عاقلا تحصلْ[4]»، ويقول الإمام ابن حنبل: «تسعة أعشار حسن الخلق التغافل»، ويقول ستيف جوبز: «حافظوا على جنونكم، حافظوا على عطشكم»، ويقول المثل الصيني: «الحكيم يتظاهر بالغباء ليتعلم، والأحمق يتظاهر بالذكاء ليفشل»، ويقول فيكتور هوغو: «أن تفعل ما يراه الناس جنوناً لتغيير الواقع، فهذا هو الذّكاء الأسمى».

الحمق أداة هدم وإعادة بناء..

         الحمق في الحقيقة مساحة متحرّرة من قيود الرزانة والتّعقّل الصارم، ينفلت من عقالها حين يركن العقل إلى ما كان، دون التفكير فيما سيكون، فيتحول إلى قوة فكرية تحفّز على الانطلاق ويرفع راية الإبداع، ويرفض الجاهز والمُسلّم به ويُبْدي استعداداً لكل تجربة يراها العقل مستحيلا أو خروجاً عن المنطق. الحمق قول مالا يقال أو ما يُخاف من قوله، وتجريب ما لم يُجرَّب، وتحدّي المستحيل، يرى (نيتشه) أن الحمق يكمن في ابتكار أفكار أو قيم جديدة تبدوا في البداية جنونية أو عبثية، ولكنها في أكثرها هي ما يحرك التاريخ ويغير الواقع، وكثير من الإنجازات العظيمة بدأت بفكرة “حمقاء” جنونية في نظر الكثيرين، ثم تحوّلت بعد ذلك إلى عبقرية بعد نجاحها، فهو بهذا المعنى ارتيادٌ للمناطق اللاّمفكّر فيها، وقوةٌ ديناميكية تُكسّر رتابة الإجماع الثقافي والاجتماعي، ومحاولةٌ لتفكيك اليقينيات العقلية الصّارمة المُحاطة بالرقابة والمنع. فالحمق الإيجابي ممارسة معرفية متمرّدة، وانفلات واعٍ من أسر العقلانية، وتنميط الواقع، وتحويل الإنسان إلى بضاعة في سوق الربح والخسارة بعيداً عن الكرامة والحرية، والوقوف به عند حدود الممكن والمحسوب والمبرهن عليه. يقول (إيراسموس): «إن المغامرات الكبرى في تاريخ البشرية، سواء كانت علمية أو فنية أو ثورية، لم تولد من رحم الحسابات العقلانية الباردة، بل انبثقت من جذوة “الحق المقدّس” تجاسر على تكذيب الواقع السائد لصالح حلم غير مستساغ». بناء على ذلك، يمكن القول، إنّ مدح الحمق في جوهره دعوة لإعادة الاعتبار للعفوية والتّجريب والمُخاطرة والإبداع لصناعة التّحوّل والتّغيير، تلك العناصر التي من دونها يتحوّل الفكر البشري إلى متحف بارد لأفكار ميتة منسية لا تقبل التجديد والمغامرة.[5]

إن الحمق الإيجابي والتغييري لا يعني نقص الإدراك، بل نقصد به حالة الإبداع والتّحوّل التي يلجأُ إليها العقل لخلق مساحة للإبداع والتجديد والتغيير والتّمرُّد على السائد والجامد والصّارم من الأفكار، وتحمُّل النّعت بالجنون والخرف لأنه فكّر خارج العقل الجمعي وحطّم القوالب الجاهزة، ليتبيّن لاحقاً أن هذا الحمق هو الذي غيّر التاريخ وليس العقل الذي وقف حارسا على السائد.

         والتاريخ يعجُّ بالحمقى المغيّرين الذين بصموا بحمقهم الإيجابي صفحات التاريخ، منهم على سبيل الذكر، الفيلسوف المشاغب “ديوجين الكلبي” الذي كان يسير بين الناس نهاراً حاملاً مصباحه ويقول: «أبحث عن إنسان حقيقي»، و”غاليلي غاليليو” الذي خرج عن تفكير مجتمعه حين قال بدوران الأرض حول الشمس، وأن الأرض ليست مركز الكون، فنعتوه بالجنون والهذيان، ليثبت صحة حمقهِ لاحقاً، ويؤسس لمفهوم العلم التجريبي الحديث وعلم الفلك، و”جحا نصر الدين خوجة” الذي كان نموذجاً للمغفّل الحكيم الذي كان يتصرّف بحمق ظاهر، و”دون كيخوطي” الذي كان يحارب الفساد حين حارب الطواحين الهوائية، وغيرهم كثير.

ختاماً..

         «إن الذين يعتقدون بجنون أنهم قادرون على تغيير العالم، هم الذين يُغيرونه فعلا»[6]. إنّ ما يمنح الحمق التغييري الإيجابي قوته هو اليقين الدّاخلي بأن العقل قادر، حين يتخلّص من وزانته وصرامته التي تقتل التغيير والإبداع والتجديد، وأن عقلانيته هاته مرادفة للجمود، عندها، يُصبح الحمق هو العقلانية الحقيقية، لأنه يعيد ربط الإنسان بإمكانياته اللامحدودة، ويحرره من أسر ما وجد عليه آباءه الأقدمون، لينطلق فاتحا ما أغلقه العقل حين اعتقد أنه يحافظ بذلك على إنسانية الإنسان والسير به إلى مرافئ الأمان.

………………………………………..                                                        

[1] يمكن الرجوع إلى ما قاله في هذا الباب المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.

[2] نذكر هنا على سبيل التمثيل: سقراط، جاليليو، جحا، الكلبي، نيتشه وغيرهم.

[3] عبد الرحمن المجذوب: أبو محمد عبد الرحمن بن عياد بن يعقوب بن سلامة بن خشان الصنهاجي الفرجي الدكالي (1506 – 1568)  

    هو شاعر ومتصوف مغربي.

[4] (يقول المثل المغربي الدّارج: أحيانا يكون تظاهر المرء بالحمق أو البساطة درعاً يحميه من مشاكل الدنيا وصراعاتها التي يسقط فيها العقلاء)

[5] يمكن الرجوع إلى كتاب «بنية الثورات العلمية» توماس كوهن. ترجمة شوقي جلال. سلسلة عالم المعرفة عدد 168.

[6] قولة تنسب ل: ستيف جوبز.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع