عبد الناصر حنفي
1- مقدمة:
إذا ما توقفنا قليلا لفحص كيفية طرح السؤال حول المسرح وجمهوره والمعالجات المتداولة حوله، فربما سنستخلص بسهولة أن الفكر المسرحي المصري يتعامل مع هذه الثنائية (أي المسرح والجمهور) بوصفها تشير إلى علاقة مأزومة؛ أو ذات طابع اشكالي ينبغي التصدي له وتجاوزه، وبالمقابل سنجد أن ثمة التفات نظري ضئيل نسبيا نحو ما يشكل هذه العلاقة ويجعلها على ما هي عليه. بمعنى أن أغلب ما يطرح من تحليلات في هذا الصدد سيبدو وكأنه يفترض أننا نعرف كل ما يمكن معرفته عن الظاهرة المسرحية وعن ظاهرة جمهورها، وأننا نمتلك تعريفات حاسمة وفعالة تتيح لنا تحديد خطوط ومنحنيات تقاطع وتداخل هاتين الظاهرتين. وتلك الأفكار هي ما سنسعى في هذه الورقة إلى مساءلتها وإعادة التفكير فيها، والتجول قدر الاستطاعة داخلها، وحولها، ومحاولة كشف حدود علاقتها بالعالم المعاش، وتأثيرها عليه، بحيث قد يبدو في النهاية أن بعض تلك التحليلات المتداولة تقدم بالأساس تصورات مشوهة تحجب ما يمكن ملاحظته حول العلاقة بين المسرح وجمهوره، وخاصة فيما يتعلق بالحالة المصرية، إلى درجه أنها قد تجعل بعض هذه الملاحظات الواقعية بلا قيمة نظرية، فضلا عن كونها تقف عائقا أمام انفتاح التفكير حول “ظاهرة المسرح” في علاقتها بالعالم المعاش، وتحجب إمكانية التعاطي مع هذه الظاهرة باعتبارها أحد مؤسسات إنتاج العالم.
2- لمحة حول تفاعل الظواهر في إطار “فينومينولوجيا العالم“:
ولنبدأ بتحديد إطار نظري شديد الأولية لما يمكن أن تعنيه علاقة أي ظاهرة بجمهورها، وكيف تتداخل تعريفاتهما على نحو ينفي استقلالية كل منهما إزاء الآخر.
فجمهور أي ظاهرة هو حالة خاصة لتلك الظاهرة في علاقتها بما يفترض أنه يقع خارجها، أو بمحيط استقبالها الخارجي. وبما أن محيط الاستقبال الخارجي لأي ظاهرة هو بدوره ظاهرة، وبالتالي فنحن هنا نتحدث عن علاقات الظواهر ببعضها البعض في العالم المعاش؛ أو بالأحرى عن علاقة “فينومينولوجيا المسرح” بفينومينولوجيا الظواهر المحيطة بها، وهو ما يفضي بنا في النهاية إلى مبحث “فينومينولوجيا العالم” الذي يستهدف وصف مسارات إنتاج العالم، ويحاول رصد علاقات الظهور والصدور القائمة بين ظواهره المختلفة.
وفي إطار هذا المبحث، فإن علاقة أي ظاهرة بأخرى تتوقف على دائرة “العطاء” و”الاستجابة”، بمعنى أن كل ظاهرة يصدر عنها عطاء يخصها بحيث تستجيب الظواهر المحيطة لهذا العطاء كل بطريقتها، ثم تصدر عطاءها الخاص (1).
وعلى هذا النحو تشكل دوائر العطاء والاستجابة حالة خاصة لعلاقة الصدور والظهور بين مكونات العالم، مثلما ترسم الآلية التي تضمن استمرارية التفاعلات بين الظواهر وتحفظ وتحفز مسارات عمليات إعادة إنتاجها، وهو ما يلعب دورا في إعادة إنتاج العالم برمته. وفي هذا الإطار فإذا ما تخيلنا أن ثمة ظاهرة تقع بشكل ما خارج هذه الآلية، أي أنها بلا قدرة على العطاء أو الاستجابة، فهذا يعني أن تلك الظاهرة تقع خارج العالم نفسه أو على الأقل لم تعد جزءا منه.
وهناك نمطان على الأقل لدوائر “العطاء – الاستجابة”، الأول هو النمط البسيط و”المباشر”، والذي يجمع بين ظاهرتين تتبادلان تيارات العطاء والاستجابة، وعبر هذا النمط يمكننا النظر إلى العلاقة بين المسرح وجمهوره باعتبارها تقوم على عطاء مسرحي يستجيب له الجمهور الذي يعطي بالمقابل لظاهرة المسرح ما يكفل استمرارها (بداية من التقدير الاجتماعي والجمالي والاقتصادي، وصولا إلى تحول بعض هذا الجمهور إلى ممارس أو فاعل مسرحي). أما النمط الثاني فهو أكثر تركيبا وأقل مباشرة، بمعنى أن تفاعلات العطاء والاستجابة بين ظاهرتين يجمعهما هذا النمط ستتم على نحو غير مباشر عبر ظاهرة أو ظواهر أخرى وسيطة، وهو ما يضعنا دائما أمام تفاعل متسلسل ومتداخل بين عدة ظواهر. وعلى سبيل المثال فلنفترض أن الظاهرة “أ” تقوم بتقديم عطائها للظاهرة “ب” التي تشتق استجابة تخصها ثم تقدم عطاءها بالمقابل إلى الظاهرة “ج”، وبالتالي نصبح أمام علاقة عطاء غير مباشر بين كل من “أ” و”ج”، والأمر نفسه ينطبق على حالات الاستجابة، بحيث أن كل ظاهرة مضافة في هذه السلسلة يمكن أن تربطها مع “أ” حالات غير مباشرة من العطاء والاستجابة، بحيث قد تتحول هذه السلسلة إلى شبكة من الظواهر يتوقف استقرار وتطور كل ظاهرة فيها على استمرارية تفاعلاتها ظواهرها الأخرى.
ويمكننا التفكير في علاقة المسرح بمجتمعه ضمن هذا النمط المركب من تفاعلات العطاء والاستجابة؛ إذا ما افترضنا أن العلاقة المتبادلة بينهما تشمل دائرة أوسع من مجرد حالة تفاعل منعزل عن العالم، أي بحيث لا تقتصر التفاعلات هنا على مسرح يشاهده جمهوره، وجمهور يشاهد مسرحه!
والواقع أن تناول العلاقة بين أي ظاهرتين باعتبارها تفاعلا مباشرا وبسيطا ومنعزلا هو في النهاية مجرد مناورة منهجية تستهدف استكشاف العلاقة بينهما أكثر مما تستهدف وصف علاقتهما بالعالم المعاش الذي لا يسمح بظهور مثل تلك الحالات المنعزلة.
3- حول المنظور القائم في الحالة المصرية لوصف العلاقة بين المسرح والجمهور:
ومما سبق يمكننا القول إن عطاء الظاهرة يمهد لكافة استجاباتها “الممكنة” سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بينما الاستجابة الفعلية للظواهر الأخرى تشتق ما يخصها وحسب من بين تلك الامكانات، وهو ما يعني أنه إذا ما قمنا بتحديد عطاء ظاهرة ما باعتباره مشتقا بالكامل من استجابة ظاهرة أخرى بعينها، أو العكس، فأغلب الظن أن هذا القياس سيكون تقريبيا ويفتقر إلى الدقة.
وعلى هذا النحو فغالبا ما كانت محاولات تعريف العطاء الفعلي لظاهرة المسرح تحدد سلفا نطاق استجابته وتصطفي نوعية معينة من جمهوره باعتباره الجمهور الفعلي أو الحقيقي، فيما تقصي العطاءات الأخرى وتنفي الجمهور الذي قد يكون مرتبطا بالاستجابة لها.
وعلى سبيل المثال فقد مرت فترات –أو حتى عهود- شهدت تكريس بعض المسرحيين لظاهرة المسرح باعتبارها نصا أدبيا بالمقام الأول لا عرضا للمشاهدة، وبالتالي فالعطاء الأساسي للمسرح هنا هو عطاء أدبي (ومنه قد تتفرع عطاءات أخرى مثل العطاء الدرامي أو الجمالي بصفة عامة)، وهو ما يجعل الجمهور الحقيقي للمسرح هو جمهور القراء وليس جمهور المشاهدين. ونحن لا نتحدث هنا عن أزمان بعيدة، فمنذ أكثر من قرن كان كاتب مسرحي بحجم سترندبرج (في مقدمة مس جوليا) يقول إن العرض المسرحي “يخدم هؤلاء الذين لا يمكنهم قراءة ما هو مطبوع، …، مثل الشباب وأنصاف المتعلمين، والنساء اللاتي ما زلن يمتلكن قدرة فطرية على خداع أنفسهن”، كما كان كروتشه (فيلسوف إيطالي صاحب اسهام مقدر في علم الجمال) يرى العرض المسرحي مجرد خدمة تجعل “النص المكتوب متاحا على نحو ما لمن لا يتاح لهم قراءته، أو الذين لا يستطيعون القراءة أصلا” (2)، أي أن العرض المسرحي وجمهوره من هذا المنظور يقعان خارج إطار ظاهرة المسرح الحقيقي باعتبارهما مجرد نتوءات زائدة عن الحاجة!
ومع “بريخت” (المنظر المسرحي التاريخي!) سنجد محاولة بالغة الطرافة لضم أو استعادة تلك “النتوءات” إلى “المسرح الحقيقي” عبر اقتراحه السماح لجمهور العرض المسرحي بالتدخين أثناء المشاهدة ليصبح في درجة من التأمل والتركيز مماثلة لما يحظى به جمهور قراءة النص المسرحي الذي يستطيع قراءة كتابه وهو يدخن! أي أن بريخت يسعى هنا إلى “أدبنة” جمهور العرض المسرحي، أو إكسابه طابعا أدبيا مصطنعا حتى يقترب ولو قليلا من الاستجابة للعطاء الحقيقي للمسرح. (3)
وهذه التعريفات المتطرفة والمشوهة لظاهرتي المسرح والجمهور هي في النهاية مجرد مثال عما قد تسفر عنه محاولة التعاطي مع الظاهرة المسرحية عبر نمط تفاعل بسيط ومباشر لا يكترث إلا لحالة عطاء بعينها قد تقدمها الظاهرة ويشتق منها الاستجابة التي يفترض أنها تحدد علاقتها بالعالم. وقد يبدو وكأن هذه التشوهات الفظة قد تراجعت أمام التطورات الهائلة لظاهرة العرض المسرحي في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكن ليس من الحكمة أن نفترض أنها قد اختفت تماما، فمثلا مقابل الإحصاءات الدقيقة لأعداد ما يصدر من أعمال فنية أو أدبية، والاجتهاد في تحديد الجمهور الذي تصل إليه، لن نجد لا على مستوى العالم ولا في مصر سعيا إحصائيا دقيقا يخص عدد العروض المسرحية التي يتم إنتاجها سنويا، بقدر ما سنجد التركيز الاحصائي ينصب على نخبة مختارة من العروض وبالتالي نخبة مختارة من الجمهور، أي أن العالم لا يزال في مرحلة تهيمن عليها رؤية تجزيئية لظاهرة المسرح، وهي رؤية لا تكترث بمحاولة ترسيم معالم حضور الظاهرة ككل بقدر ما تحاول التعاطي مع بعض تبدياتها فحسب.
وقبل أن ننتقل إلى مناقشة الحالة المصرية، فمن الجدير بالذكر أن بعض التقديرات تذهب إلى أن هناك عدة آلاف من العروض المنتجة سنويا (4) بينما المنظور المهيمن على وصف وتحليل علاقة المسرح المصري بجمهوره لا يكاد يهتم إلا بعدة عشرات من العروض لا أكثر، وهو ما يفضي إلى إعادة إنتاج مستمرة لرؤية مشوهة ومأزومة لحضور المسرح في مصر.
وبصفة عامة فإن المنظور القائم لظاهرة المسرح في مصر يكرس لها باعتبارها نشاطا جماليا يفضي –في أفضل الأحوال- إلى تقديم “عمل جمالي” لا أكثر، أي أن عطاءها الأساسي هو عطاء جمالي بالمقام الأول، وبالتالي فكل عطاء آخر ممكن، وكذلك كل استجابة يمكن اشتقاقها من هذا العطاء، ينبعان بالضرورة من حالة العطاء الجمالي، وفي هذا الإطار فإن أي عطاء اجتماعي مفترض للظاهرة المسرحية لا بد أن يمر عبر عطائها الجمالي، أي أنه يظل دائما مرهونا به، بمعنى أن كفاءة أو جودة العطاء الجمالي للعمل المسرحي هي ما ستحدد سلفا مدى قدرته على تقديم أي عطاء اجتماعي ممكن، أي أن العمل الذي سيقدم عطاءا جماليا منخفضا أو رديئا لن يكون بمقدوره سوى تقديم عطاء اجتماعي أكثر رداءة.
ومثلما أن العطاء الأصلي للعرض المسرحي هو عطاء جمالي، فإن الاستجابة الحقيقية لجمهوره ينبغي أن تكون استجابة جمالية، ومنها قد تتفرع أي استجابات أخرى، أما الاستجابة التي قد يصعب ردها إلى الإطار الجمالي فغالبا ما ينظر إليها باعتبارها مجرد ظواهر ثانوية مصاحبة قد لا تخص بالضرورة “ما هو مسرحي”.
وانطلاقا من شرط العطاء الجمالي يتم إعادة تعريف “العرض المسرحي” المصري بحيث يكاد يقتصر على بعض العروض الاحترافية التي يفترض أنها تملك إمكانية تقديم إسهام جمالي متميز، وهو ما قد يعني حصر عدد العروض “الحقيقية” المنتجة سنويا في بضعة عشرات أغلبها يقدم للنخب القاهرية، ناهيك عن أنه كلما تمسك البعض بسقف جمالي مرتفع إلى هذا الحد أو ذاك، فإن هذا الإنتاج المعترف به جماليا قد يتقلص إلى عدد عروض أقل بكثير. أما إنتاج ما يسمى بمسرح الهواة المنتشر في كافة المحافظات، والذي قد يصل سنويا إلى عدة آلاف عرض، فهو لا يمثل سوى مجرد أرقام غير جديرة بالحصر، ولا تستحق حتى مجرد جهد احصائي بسيط لتوثيقها، لأنها من هذه الزاوية الجمالية تشبه كراسات خواطر المراهقين التي قد تسهم في تأهيل بعضهم ليصبحوا أدباء فيما بعد، ولكن لا يمكن عدها جزءا من الظاهرة الأدبية. (وصحيح أن مسابقات المهرجان القومي قد أثبتت أحيانا خطأ هذا المنظور عبر الحالات التي فازت فيها عروض الهواة على العروض الاحترافية، إلا أن هذا لم يمنع البعض من اعتبار هذا الحدث مجرد مصادفة سعيدة، بينما استفزت البعض الآخر إلى المناداة بتعديل تلك المسابقات بحيث تقام على أساس التمييز الاحترافي أو الاقتصادي بين العروض انطلاقا من تكلفة إنتاجها!)
أما فيما يخص تحديد الجمهور حسب استجابته للعطاء المسرحي، فإن بعض الامتدادات التي قد تبدو أكثر احترافية لمنظور العطاء الجمالي تشترط أن يستجيب الجمهور استجابة اقتصادية باعتبار أن هذا وحده هو ما يجعل هذا الجمهور جمهورا حقيقيا، مثلما يكفل بقاء واستمرارية ظاهرة المسرح ويمنحها القدرة على إعادة إنتاج نفسها. وهو ما يعني إعادة تعريف الجمهور الفعلي أو الحقيقي للظاهرة المسرحية باعتباره دائرة من المستهلكين تضم هؤلاء الذين يستطيعون –ويريدون- أن يدفعوا مقابلا ماديا للحصول على هذا العطاء الجمالي، وبالتالي يتم استخدام الجمهور من أجل تسليع الظاهرة المسرحية واصطناع حدود كمية أو نقدية واضحة تعمل بمثابة الأسوار الحديدية التي يتحرك داخلها السوق الاقتصادي لهذه الظاهرة.
وهذا الدمج “السلعي” أو الرأسمالي بين حالتي “العطاء الجمالي” الذي يمكن أن تمنحه ظاهرة المسرح، و”الاستجابة الاقتصادية”، أو التجارية” التي ينبغي أن تتلقاها من المستهلك الجمالي، سيبدو وكأنه يسيطر -بشكل آخذ في التزايد- على التفكير في ظاهرة المسرح المصري وجمهورها المفترض أو حتى المنشود، وهو ما يتم تارة باعتباره المنظور الأصح، وتارة باعتباره توجها ينبغي مقاومته!
وإذا ما لاحظنا افتقار أسس هذا الدمج للتماسك النظري، وأن الكثير من التجارب المعاشة تشير إلى تعارض طرفيه إلى هذا الحد أو ذاك، بحيث سيبدو أن أغلب تلك التجارب كانت إما أن تحاول الانتصار لأحدهما على حساب إقصاء الآخر، أو تكتفي بفضح عدم تناغمهما معا، فإن هذا قد يفسر بوضوح نمط توزع بعض الآراء المهيمنة على طرح قضية المسرح المصري، والتي قد تنادي بالانصياع النهائي لضرورة تكريس الحالة الجمالية على حساب الاستجابة الاقتصادية، أو العكس، أو تراهن على أنه يمكن ابتكار حلول جمالية أو تسويقية ناجعة توفق بين هاتين الحالتين، وأن مهمة انقاذ المسرح المصري تتوقف على سعينا للعثور على تلك الحلول، وتطبيقها بنجاح. ومن جهة أخرى، فإن تزايد انتشار هذا النمط من التعاطي الاقتصادي مع المسرح ربما يفسر ميل أصحاب القرار القانوني والإداري خلال السنوات الأخيرة إلى مراكمة المزيد من الأعباء المالية على عملية الإنتاج المسرحي في مصر.
وإذا ما توقفنا قليلا للتأمل في الصورة الإجمالية التي يرسمها تعاضد كل من المدخل الجمالي والاقتصادي في التعاطي مع ظاهرة المسرح المصري، فربما لن يفاجئنا أنها تمنحنا تفاصيل شديدة الابتئاس لظاهرة المسرح المصري! فالعقود الأخيرة شهدت اضمحلالا شديدا للمسرح التجاري، أي أن المسرح المصري قد فقد جزءا كبيرا من أرضيته الاقتصادية، بحيث بات قوامه الأساسي يعتمد على تمويل الدولة دون مردود مناسب، بينما أصبح جمهوره “الاقتصادي” المفترض يعاني من تآكل متزايد في قدرته الشرائية، وهو ما جعل البعض يرى المسرح المصري بمثابة نتوء شبه سرطاني يستنزف المالية العامة دون مبرر كاف، وبالمقابل فليس لدينا ضمن هذا الإطار سوى عدد قليل من العروض المتمركزة في العاصمة، أغلبها قد يفتقر إلى اسهام جمالي واضح يحظى بتوافق كافي. وتلك الملامح تشكل في المجمل أسس كافة الاطروحات التي تعالج ما يسمى بأزمة المسرح المصري.
وفي الفقرات التالية من هذه الورقة لن أجادل في مدى دقة هذه التفاصيل، ولكنني سأحاول تقديم تصور مغاير يعيد تعريف الظاهرة المسرحية ودوائر عطائها واستجاباتها وجمهورها في إطار أوسع على نحو قد يجعل تلك الصورة البائسة أشبه بالرأس الصغير الظاهر من جبل جليد ضخم يختفي تحت الماء.
4- إعادة تعريف اللعبة المسرحية في علاقتها بعالمها الاجتماعي المعاش:
في رواية “بين القصرين” قال نجيب محفوظ: “إني عاذرك لأنك تنظر من بعيد، والجمال كالسراب لا يُرى إلا من بعيد”، أما محاولة تخطي هذا السراب والاقتراب مما قد يحجبه فقد تفضي إلى “يأس ليس له قرار”! (5)
وهكذا، فالجمال طبقا لهذه العبارات يمكن في بعض الأحيان أن يتحول إلى حالة “فيتشية” مطلوبة لذاتها، بحيث يقدم نفسه وكأنه يشكل حد النهاية الغامضة لظاهرة ما حينا، أو حتى للعالم بأكمله حينا آخر، وهو ما يعني أنه قد يتحول إلى حاجز يعيق الاقتراب من الظاهرة التي يصدر عنها، مثلما قد تصبح محاولة الاقتراب منه أكثر من اللازم بمثابة مخاطرة وخيمة العواقب تهدد باختفاء الظاهرة وتبددها تماما. وتلك الوضعية الغارقة في حالة “الأسى الجمالي” لا تبتعد كثيرا عما يطرحه المنظور الجمالي للمسرح كما رأينا في الفقرة السابقة، لأنه إذا لم نتحدث عن المسرح بوصفه فعلا جماليا يقدم عطاء جماليا، فماذا سيبقى لنا كمسرحيين للحديث عنه! ولذلك فعلى سبيل التمهيد لتجاوز هذا الحاجز الجمالي، سنبدأ في محاولة شرخ القيد الذي بات يفرضه على ظاهرة المسرح عبر تناولها من منظور “فينومينولوجيا اللعب”.
وعلى المستوى الفينومينولوجي فعندما تتحول أي ممارسة أو مجموعة أفعال إنسانية إلى لعبة فهذا يعني أن تلك الممارسة قد باتت تستهدف نفسها في المقام الأول، وهو ما يفضي إلى انكشافها على نحو مغاير وإعادة بناء العناصر المكونة لها، وكذلك إعادة بناء علاقاتها مع الظواهر الأخرى بشكل مختلف، بمعنى أن تلك الممارسة قد تتخفف من العلاقة بظواهر كانت تؤدي دورا أساسيا في إنتاجها وإعادة إنتاجها، مقابل مزيد من الارتباط مع ظواهر أخرى ذات استجابات وعطاءات متباينة، بحيث سيؤدي هذا إلى استحداث سلسلة جديدة –ومبتكرة- من التفاعل بين ظواهر بعينها.
وكمثال على ذلك يمكننا التفكير في ممارسة بسيطة مثل “العدو” أو الجري باعتبارها ممارسة يومية، مقابل تحولها إلى إحدى الألعاب الرياضية. فعلى المستوى اليومي يمارس الإنسان العدو من أجل الابتعاد عن شيء، أو سعيا للحاق بشيء، وكل موقف يستدعي هذه الممارسة يأتي محملا بكثافة شعورية هائلة تكاد تجعل كل واقعة من وقائع حدوثها بمثابة تجربة شخصية مفردة خاصة للغاية ومحملة بتشابكات ومعطيات متباينة حسب ظروف وطبيعة الشخص نفسه، بحيث قد تبدو كل واقعة مستقلة بذاتها ولا يكاد يجمعها بما يماثلها من وقائع سوى تشابهات عارضة أو غير جوهرية. أما حينما تتحول ممارسة “العدو” إلى لعبة رياضية، فهي تقطع صلاتها المباشرة مع المواقف اليومية والتجارب الشخصية المعاشة، بحيث تصبح وقائعها أكثر تماثلا وأكثر خضوعا للقواعد نفسها أيا كان الفاعل وأيا كانت ظروف الفعل، وهو ما يسمح بإعادة بلورة تلك الممارسة في فضاء عام لا يخص فردا بعينه، أو بالأحرى فضاء معرفي وسلوكي معمم وقابل للتطور، وقادر على كشف المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الممارسة والامكانات المرتبطة بها، وهو ما لم يكن ليصبح متاحا إلا بفضل ما سمحت به تلك اللعبة من تنظيم خاص ومنضبط ومنهجي لتلك الممارسة مقارنة بعشوائية وتشظي التجربة الفردية العارضة.
وهكذا، فالألعاب الجسدية بصفة عامة ليست مجرد إنفاق منظم للطاقة الحركية بقدر ما تعيد بناء علاقاتنا مع اجسادنا ومع طبيعة حضورها في العالم، وتستكشف الحد الأقصى لإمكانات تلك العلاقات، مثلما أن الرياضات المشتركة تعيد تعريف واستكشاف العلاقات بين الأجساد، كما أن الألعاب الذهنية تفعل الشيء نفسه مع القدرات العقلية.
وفي ضوء هذا المثال يمكننا التفكير في اللعبة المسرحية باعتبارها تستهدف بالمقام الأول إعادة بناء “حدث معاش” بعينه عبر إخضاعه للفعل المسرحي بحيث ينتج عن ذلك “حدث مشهدي” مقرون بمحاولة إكسابه معنى عاما أو قابلا للتعميم، وهو ما يعني تخليص الحدث المعاش من ثقل فرديته الشخصية المصاحبة لوقوعه في إطار التجربة اليومية، وتجريده وتعميمه بحيث يمكن أن يعاد تقديمه إلى جمهور اللعبة (أو جمهور المسرح!) بوصفه يخصهم بطريقة أو بأخرى، وباعتباره يتماس مع تجاربهم الشخصية على هذا النحو أو ذاك، أي بحيث يصبح جزءا من مكونات عالم هذا الجمهور.
وفي هذا الإطار فإذا ما سلمنا بأن العالم الذي نعيشه يمكن تحليله في النهاية إلى مجموعة من الاحداث والتجارب المعاشة التي نسعى بين الحين والآخر لإكسابها معنى بعينه، أو نفي معنى آخر عنها، فهذا يعني أن المسرح هو “لعبة” إعادة بناء هذا العالم، وباعتبارها كذلك فهي تتيح التركيز بصورة خاصة على كشف أدوات وتقنيات هذا البناء، وتشذيبها، واقتراح مستويات مغايرة أو جديدة يمكن تعميمها في تجربة كل منا مع عالمه. وبالتالي فنحن هنا أمام دوائر أكثر عمقا وتركيبا يقدمها عطاء اللعبة المسرحية والاستجابات المشتقة منه، وهذا العطاء –كما هو واضح- غير مشروط بالضرورة بكفاءة العطاء الجمالي.
وحتى نتلمس مدى تجذر اللعبة المسرحية في العالم الاجتماعي ومدى انتشارها إلى خارج الحدود المألوفة لظاهرة المسرح بما هو مسرح، فيكفي أن نتأمل في العمل الرائد لإرفنج جوفمان: “تقديم الذات في الحياة اليومية” (6) الصادر في خمسينات القرن الماضي، والذي كشف عن أن أغلب تفاعلاتنا الاجتماعية يمكن النظر إليها باعتبارها استخداما ممنهجا لتقنيات اللعبة المسرحية (مما أدى حينها إلى تأسيس علم الاجتماع الدرامي!)، وهو ما يعني أن الحالة المسرحية تجعل تلك الطرق في التفاعل مع العالم منكشفة بذاتها لجمهورها على نحو أوضح وأشمل مما تتيحه خبرات التجارب الشخصية المعاشة، وذلك لأنها تقدمها في سياق مسرحي قابل للتعميم بعيدا عن الاحراجات والارتباكات والتورطات والاستيهامات والمقاصد الذاتية التي تميز كل خبرة تفاعل اجتماعي مباشر بين الافراد، وبالتالي يمكننا القول إن تلك التقنيات تقدم عطاءا اجتماعيا يترسب في عالم جمهورها على نحو مستقل عن أي عطاء جمالي محتمل.
5- الممارسة المسرحية باعتبارها إحدى مؤسسات إنتاج العالم:
وإذا كان تناول الظاهرة المسرحية من منظور فينومينولوجيا اللعب يكشف عن عمق عطائها ومدى انتشار وتراكب سلسلة الاستجابات والعطاءات غير المباشرة المشتقة منها، فإن هذا لا يعني أن ظاهرة المسرح قد باتت منكشفة بالكامل، أو أن عطاءها بات ثابتا أو متكررا مثلما قد نجد في أغلب الألعاب، فرغم أن قدم هذه الظاهرة قد يحملنا على استنتاج أنها قد كشفت عن نفسها، وعن أنماط الاستجابة المصاحبة لها بصورة نهائية، بحيث لم يعد لديها ما تخفيه، إلا أن هذا الاستنتاج بعيد تماما عن طبيعة “ما هو مسرحي”، ليس فقط بسبب التطورات المذهلة التي شهدها العرض المسرحي على مستوى العالم خلال العقود الماضية، ولكن أيضا بسبب طبيعة موضوع اللعبة المسرحية ذاتها والتي تستهدف إعادة بناء بعض ما يفترض أنه يحدث في العالم وتحويله إلى مشاهد؛ وهي المهمة التي يسعى نحوها كل عرض مسرحي على حدة، وبطريقة تخصه، وبالتالي فإذا ما سلمنا بأن أحداث العالم هي في طور انكشاف دائم لا ينقطع قط، فهذا يعني أن هناك دائما ما هو محجوب في العالم ولكنه قد يكون في سبيله إلى الانكشاف، مما يفضي بنا إلى القول بأن تلك اللعبة التي تستهدف إعادة بناء أحداث العالم سيكون لديها دائما ما تحاول كشفه على نحو يمكن أن يفضي إلى تطور عطائها واستجاباتها، إن لم نقل أن هذه السياقات قد تتيح لها تقديم إضافة تخصها على نحو يغير من مسار عمليات بناء العالم ذاته!
وفي هذا الإطار يمكننا تلمس مدى عمق علاقة “ما هو مسرحي” بالعالم إذا ما تأملنا في طبيعة الممارسة المسرحية التي تطورت من داخل لعبة المسرح، فتلك الممارسة تتأسس آلياتها على تلاقي مجموعة من الافراد حول هدف مشترك، بحيث يقومون بتطبيق نظام شديد الرهافة والتطور لتقسيم العمل فيما بينهم، مرورا بتبني منظومة لتوزيع السلطة داخل المجموعة بشكل نوعي وتراتبي، مع تفعيل ما يلزم من تقنيات اجتماعية لتسوية التنازعات والخلافات وتبادل الدعم المشترك، بما قد يتضمنه هذا من تطبيق بعض إجراءات الضبط والمعاقبة، وصولا إلى تقديم بعض التنازلات أو إعادة توزيع الأعباء بشكل غير متساو من أجل صالح المجموعة.
وإذا ما توقفنا قليلا أمام تلك الآليات المسرحية التي يمكن رصد حضورها بسهولة مع بداية تكون أي عرض مسرحي، فسنجد أنها مجرد حالة خاصة من الآليات التي تستخدمها أي مجموعة إنسانية تهدف إلى إنتاج عالم مشترك، ولذلك فليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الممارسة المسرحية هي في جوهرها إحدى مؤسسات إنتاج العالم! وهي مؤسسة شديدة التمايز لأنها -خلافا للمؤسسات الأخرى- ستبدو غير محكومة بالمقتضيات والمصالح المادية المباشرة، ولا بالسلطوية القامعة التي تستخدمها تلك المؤسسات بالضرورة، فنحن هنا أمام التزام يتم تبنيه عادة انطلاقا من استجابة طوعية، وحتى إذا ما كان هذا الالتزام قد يتم تحفيزه أحيانا عبر عوامل خارجية، إلا أن تلك العوامل في حد ذاتها لا تكفل استمراره.
وقد تنشأ عبر هذه الآليات المسرحية اقتراحات جديدة للتفاعل مع العالم، أو تأسيس تطورات غير مسبوقة بشأن عمليات إنتاج العالم أو إعادة إنتاجه!
ولتوضيح هذا الأمر دعونا نسترجع بعض التطورات المسرحية التي شهدها العصر السكندري أو الهلنستي وما بعده، ففي ذلك العصر تحديدا –وليس في العصر الإغريقي أو الهيليني- تحول العرض المسرحي من طقس موسمي مرتبط بأحداث بعينها، إلى حالة أشد اندماجا في الحياة الاجتماعية اليومية، وهو ما أفضى إلى تزايد انتشار نمط “العرض المسرحي النصي” الذي يتكرر تقديمه على نحو قريب مما نألفه حاليا، وقد طور هذا النمط المسرحي -لأول مرة- توليفة من العلاقات بين أنماط الفعل والفاعل بحيث بات يمكن ملاحظتها بوضوح وتمييزها على نحو يسمح باستكشاف العلاقات المرتبطة بها واستخدامها في إعادة بناء تلك العلاقات. وتتوزع هذه الأنماط بالنسبة للفعل إلى أفعال مباشرة (أي ما يبدأ وينتهي داخل مساحة المشاهدة المسرحية)، وأفعال غير مباشرة (أي ما يبدأ من خارج مساحة المشاهدة ويمتد إلى داخلها)، مقابل حالات الحضور والغياب والمفارقة بالنسبة للفاعلين، وفي هذا الإطار يعد الممثل بمثابة فاعل مباشر وحاضر يقدم فعلا مباشرا داخل مساحة المشاهدة، أما المساعدون أو مشغلو العرض ممن هم خارج مساحة المشاهدة (أو الميكانيست بالمعنى الحديث) فهم بمثابة فاعل حاضر يقدم فعلا غير مباشر ولكنه يؤثر فوريا فيما يحدث داخل مساحة المشاهدة، بينما المنظمون (مثل الخوريجوس قديما، والمنتج والمخرج حديثا) هم فاعل غائب يقدم فعلا غير مباشر، بينما مؤلف النص قد يكون فاعلا مفارقا (أو ميتا منذ زمن طويل) يقدم فعلا غير مباشر بواسطة كل هؤلاء الفاعلين.
وإذا ما استبدلنا مساحة المشاهدة في هذا التصنيف بـ “محيط الحدث” اليومي المعاش، فسنجد أن تلك اللحظة قد قدمت انكشافا فريدا ومبهرا لتصنيف الفعل والفاعل، وأنماط العلاقات الممكنة بينهما في العالم، وهو ما كان بمثابة أرضية مستحدثة ارتكزت عليها الكثير من النقاشات والتحليلات الانطولوجية واللاهوتية التي أعادت بناء العالم تماما. ويكفي أن نستحضر مقولة القديس أوغسطين -غير المسبوقة- حول تشبيه العالم بعرض مسرحي هائل يجري بدقة طبقا لما كتبه الرب على نحو مسبق، بحيث تحول الرب هنا إلى فاعل انطولوجي مفارق يساهم فعله غير المباشر (والذي يبدا من خارج محيط الحدث المعاش) في إنتاج كافة الأفعال المباشرة التي تحدث في العالم. وهو ما أسس لتصور لاهوتي جديد، بحيث أصبح مفهوم الرب في غير حاجة إلى التدخل في العالم بأفعال مباشرة (أو معجزات)، لأنه بات المصدر –أو الفاعل غير المباشر- لكل الأفعال المباشرة التي يقوم بها الفاعلون المباشرون في العالم.
وبدون الدخول في المزيد من التفاصيل حول التحولات التاريخية والمعرفية التي نتجت عن ذلك الاسهام المسرحي في هذه الفترة، فيكفي أن نشير إلى أنها دشنت في النهاية لأولوية الفاعل غير المباشر (أي المؤلف، أو الرب حسب القديس أوغسطين) على حساب كل ما كان يبدو أنه فعل إنساني يقدمه فاعل مباشر مرئي وحاضر.
كما أنها خلقت قيمة خارجية مستحدثة للفعل، وهو أن يكون مطابقا لنص أسبق وملزم، وذلك بغض النظر عن القيمة الذاتية المفترضة للفعل ذاته في الخبرات اليومية، وهو ما جعل حضارات البحر المتوسط تشهد فيما بعد انتشار حالة من التدين النصي القائم على مطابقة الفعل لنص أسبق بغض النظر عن القيمة الأخلاقية أو المعرفية لذلك الفعل، ويجدر الإشارة إلى اننا لا نجد تلك الحالة بنفس درجة الانتشار خارج حضارات المتوسط. وقد امتدت ظاهرة “الفعل النصي” مع حركة الحداثة من أفعال التدين اليومي إلى الحضور في مكونات المؤسسات القانونية والإدارية، والتي أصبحت أحيانا تحدد قيمة أو صحة الفعل أو الاجراء بمدى مطابقته للقانون أو اللائحة وليس بقيمته الذاتية، لدرجة أن الفعل القانوني قد يعد مرفوضا وغير صحيح حتى وإن بدا عادلا؛ فقط لأنه لا يطابق نصا قانونيا ملزما.
وبرغم أن دوائر العطاء والاستجابة التي حفزها المسرح السكندري/ الهلنستي واستهلت عملية إعادة بناء العالم قد أفضت إلى تحريم هذا المسرح نفسه في العصر المسيحي، إلا أن العالم الذي ساهمت في بنائه ظل قائما.
وفي هذا الإطار يظهر المذهب الأشعري باعتباره يقدم تحولا مثيرا للغاية في العلاقة بين الأفعال والفاعل غير المباشر للعالم، فعبر نظريتي كسب الأفعال والخلق المستمر، طرح هذا المذهب تصورا يرسخ أن الله هو الفاعل غير المباشر للأفعال كلها، أو الفاعل الأصلي والأوحد ولكنه غير مفارق لأنه حاضر دوما وبمقدوره استحداث التأثير الفوري في أي فعل، وبالتالي فإن كل ما يحدث في العالم هو أفعال غير مباشرة، وكل البشر الحاضرين في محيط الحدث ليسوا سوى فاعلين غير مباشرين، بحيث يمكننا القول أنه لا يوجد –ولن يوجد- في العالم المعاش أي فعل مباشر ولا أي فاعل مباشر، وهو ما قد يبدو وكأنه قطيعة مع الكشف المسرحي الذي قدمه العصر الهلنستي حول أنماط العلاقة بين الفاعل المباشر وغير المباشر، بحيث قد يدعونا هذا إلى اعتبار اللحظة الأشعرية بمثابة إبحار ينطلق مبتعدا عن الأرضية التي قدمها المسرح وأسهمت في بناء عالم العصور الوسطى! غير أن هذا الاستنتاج قد يتراجع على نحو ما إذا لاحظنا أن انتشار الأشعرية تزامن مع فترة شهدت انتشار نوع مسرحي وحيد هو “خيال الظل” والذي يقدم مساحة مشاهدة تخلو تماما من أي فعل مباشر أو أي فاعل مباشر، أي أن كل الأفعال التي يقدمها هذا النوع المسرحي تتحقق بالأساس من خلال فاعل غير مباشر، ولكنه حاضر في كل فعل. وهو ما يدفعنا للتساؤل: هل كان “خيال الظل” هو مجرد محاولة لإعادة بناء مسرحي موضوعها العالم الذي اقترحه الأشاعرة؟ أم أن المذهب الأشعري نفسه كان بمثابة إعادة بناء فلسفي لنمط العالم الذي يقترحه “خيال الظل”؟ وأيا كانت الإجابة الممكنة على هذا السؤال فربما لن يكون بمقدورها أن تنفي أن المسرح ظل حتى هذه الفترة بمثابة إحدى مؤسسات إنتاج العالم، أو إحدى مؤسسات إعادة إنتاجه.
ومع الخروج من العصور الوسطى لم تتراجع أهمية دوائر العطاء والاستجابة التي يقدمها المسرح لصالح عمليات إنتاج العالم، سواء مع حركة الحداثة أو ما بعدها. وسأكتفي هنا بالإشارة إلى الدور الذي لعبه ما أطلق عليه “نمط الحقيقة المسرحي” في تدشين حركة ما بعد الحداثة.
وبداية فإذا ما سلمنا بأن المسرح هو لعبة إعادة بناء العالم، وأن العالم عادة ما يتطلب بناؤه الارتكاز على حقائق بعينها تلعب دورا تأسيسيا في تشييد هذا البناء وحفظه، وأن مختلف مسارات التعاطي مع تلك الحقائق المؤسسة يشكل في النهاية ما يمكن للفلسفة أن تتناوله باعتباره “أنماط الحقيقة”، ففي هذا الإطار سنجد أن المسرح يتميز بنمط حقيقة تخصه، وهو أمر بدأت ملاحظته بشكل سلبي في إحدى حكايات أيسوب (القرن السادس ق م)، ولكن تمت الإشارة إليه لأول مرة بوضوح في القرن التاسع عشر مع عبارة منسوبة للمسرحي الفرنسي “فرانسوا تالما”، والتي تنص على: “في المسرح ما نريد أن يبدو حقيقيا لا ينبغي له أن يكون كذلك”، وإذا ما سلمنا بالحالة التي تصفها تلك العبارة فسيبدو أنها تسبغ على اللعبة المسرحية قدرة خاصة على مناورة هيمنة أنماط الحقيقة السائدة.
وقد تم استكشاف المزيد من أبعاد هذه المناورة مع أطروحة الماركسي الفرنسي “هنري لوفيفر” في كتاب “نقد الحياة اليومية”، الصادر في أربعينات القرن الماضي، حيث عالج إشكالية كيف يمكن للوعي الذي تفرضه الطبقة السائدة على مجتمعها (والذي هو وعي مقلوب أو مزيف أو غير حقيقي حسب التعريف الماركسي) أن ينتج في النهاية واقعا معاشا يبدو حقيقيا، وهو ما لم يجد له تفسيرا إلا عبر اللعبة المسرحية التي تطرح هذا النمط من الحقيقة. وقد تطور هذا الاستبصار في ستينات القرن الماضي مع منظر ماركسي آخر هو “جي ديبور” في كتابه “مجتمع الاستعراض” أو مجتمع الفرجة، وبالأخص مع عبارته الشهيرة التي تشير إلى أن ما هو حقيقي في هذا المجتمع ليس سوى لحظة من لحظات ما هو زائف، والتي يمكن أن ننظر إليها باعتبارها تقدم وصفا دقيقا لجوهر مناورة اللعبة المسرحية بين ما قد يعد حقيقيا، وما قد يعد زائفا؛ بحيث تمزجهما معا وتقوم بإنتاج كل منهما عبر الآخر. وربما كان التوسع في اكتشاف هذه المناورة هو ما مهد لطوفان تيارات ما بعد الحداثة التي كانت تسعى إلى تقديم عالم يفتقر إلى أي حقيقة مؤسسة، وهو ما امتد أيضا إلى مبحث فلسفة العلم مع “بول فيراباند”، الذي حاول تقديم تصور لتركيب النظرية العلمية لا يستند إلى حقيقة تستبعد ما هو سواها مستعينا في ذلك بالأطر التي تقدمها آليات المسرح في مناورة الحقيقة. (7)
وهكذا، فعبر هذه الأمثلة المختصرة أكثر مما ينبغي يتبين أن الظاهرة المسرحية قد قدمت اسهامات في بناء العالم كما أصبح عليه، وهو ما تم عبر تطور عطاءاتها تجاه مجتمعاتها، وعبر تحفيزها لأنماط مستحدثة من الاستجابة المركبة وغير المباشرة والتي تفتتح طرقا جديدة للذهاب إلى العالم وإعادة تشكيله، وهذه الأنماط من الاستجابة تمس كتلا اجتماعية أوسع بكثير من جمهور الاستجابة المباشرة للعروض المسرحية، أو ما اصطلح على تسميته بجمهور المشاهدة. ولذلك فإن تلك الشبكة التي تجمع بين عطاء المسرح واستجاباته هي أمر لا يمكن إغفال التفكير فيه إذا لم نشأ الاستمرار في حصر المسرح داخل قيود النظرية الجمالية المشتقة أساسا من نظرية الأدب، أو إذا كنا نسعى لرؤية الظاهرة المسرحية كما هي عليه في العالم، والتعاطي معها انطلاقا من كونها إحدى المؤسسات التاريخية التي ساهمت –وتساهم- في بناء هذا العالم، أو –وهو الأهم على وجه الإطلاق- إذا كنا نسعى إلى تفهم ووصف مسارات إنتاج عالمنا، بما كان عليه، وكما أصبح عليه!
6- ملاحظات إضافية حول حالات العطاء والاستجابة المتعلقة بظاهرة المسرح المصري:
وفي إطار ما قدمناه من إعادة تعريف للمسرح في علاقته بالعالم، سننتقل هنا لاستعراض بعض الحالات والملاحظات الأكثر تعينا وتحددا بصدد الواقع الفعلي لظاهرة المسرح المصري، حيث سنشير أولا إلى إخفاق المنظور الجمالي (والاقتصادي) في تفسير أو حتى تفهم الوضعية الفعلية لمجريات هذا المسرح، ثم سنرصد سريعا بعض حالات الاستجابة الاجتماعية المركبة التي شكلت جزءا كبيرا من حالته القائمة.
6-1- رصدنا في فقرة سابقة أن تعاضد المنظور الجمالي والاقتصادي يقدم تصورا بالغ البؤس لحالة المسرح المصري، أما هنا فسنحاول توضيح كيف أن هذا التصور يخفق في التعامل مع واقع تلك الظاهرة، بل ويحجب معطياتها ويجعلها خارج إطار التفكير.
لقد شهدت العقود القليلة الماضية اتساع قاعدة الممارسة المسرحية في مصر مقابل تقلص قمتها “الاحترافية” أكثر فأكثر، على نحو بات يثير قلق البعض من إمكانية استمرار هذه الظاهرة في أي أفق منظور. وهذا القلق الملح يمكن تفهمه باعتباره محصورا بالنظر إلى القمة الاحترافية مع تجاهل توسع قاعدة الممارسة، وربما كان هذا الانحصار ليس ناتجا عن خيار تحليلي فحسب، بقدر ما ينبع من عدم قدرة هذا المنظور نظريا على تفسير كيف يمكن لهذا التوسع أن يصبح ممكنا. فمثلا بالنسبة لحالة الانضباط والالتزام المطلوبتين لبناء آلية الممارسة المسرحية فإن هذا المنظور يفسرها على المستوى الاحترافي باعتبارها التزامات تعاقدية في إطار قانوني أفضت إلى تقاليد مهنية متراكمة وملزمة بذاتها، أو أن تجمع الممارسين المحترفين يتم انطلاقا من المصالح الاقتصادية التي يوفرها سياق العمل المأجور، بمعنى أن الأمر هنا مرهون في النهاية بالعطاء الاقتصادي الذي يفترض أن تقدمه الحالة المسرحية لممارسيها، أما الممارسات المسرحية التي تتحرك خارج إطار العمل المأجور مع التزامها بنفس تلك الآليات فينظر لها في هذا السياق باعتبارها مجرد استثناء عارض ولا يعول عليه.
وهو ما يضع هذا المنظور أمام سؤال حرج بعض الشيء، فإذا كان هذا العدد الضخم من الممارسين “الهواة” لا يتجمع على أرضية عطاء اقتصادي ملزمة، وفي نفس الوقت لا يمكن اعتبار أن هذا يتحقق على أرضية عطاء جمالي لم يتحقق بعد، وربما لن يتحقق أبدا وفقا لبعض التعريفات المتداولة لجماليات المسرح، وبالتالي فقد لا يصبح أمام ذلك المنظور سوى الاتكاء على مفهوم “الهدف الجمالي” الذي سيبدو وكأنه متطلب لذاته ولغيره من الأفعال، وقادر في الوقت نفسه على حفظهما ومنحهما رحلة مناسبة ومتماسكة تنتهي بظهور العرض المسرحي في العالم!
غير أن هذا الهدف هو مجرد عباءة أو مناورة اجتماعية تبدأ منها الممارسة المسرحية بحيث تميز نفسها عما عداها من ممارسات، أي أن هذا الهدف يعمل بمثابة بوابة أو عتبة مرور تصطنع بعض الحدود الخارجية للممارسة المسرحية، وليس من المقبول بالطبع النظر إلى حدود أي كيان –سواء كانت فعلية أو مصطنعة- بوصفها تستطيع بذاتها أن تتحكم في كل ما تحده، أو كل ما يفترض أنه يقع داخل الحدود التي ترسمها، وبالتالي فإن تلك البوابة أو العتبة الجمالية ليس بمقدورها أن تفرض تلك الالتزامات المتباينة والدقيقة والصارمة على منظومة العمل غير المأجور التي يتتطلبها إنتاج عروض الهواة، ولذلك يمكننا القول إن مصدر تلك الالتزامات وأرضيتها تكمن في محاولة الاستجابة للعطاء الاجتماعي الذي تهبه الظاهرة المسرحية لممارسيها، وأن التعويل الباهت الذي يقدمه المنظور الجمالي على استهداف ما هو جمالي لنفسه؛ يحجب رؤية هذا الواقع القائم والمتشابك بشدة مع العلاقات والتوازنات والتطورات الاجتماعية.
ومن جهة أخرى فإن عروض الهواة المحلية، سواء في الثقافة الجماهيرية، أو الجامعات والمدارس ومراكز الشباب، يرتبط كل منها بجمهور حميمي يختلف عن جمهور المشاهدة التقليدي، لأنه يتداخل مع الحالة المسرحية عبر ارتباطه بالممارسين المسرحيين أنفسهم (العائلة والأصدقاء والزملاء .. إلخ)، أي أنه جمهور لا يذهب فقط لمشاهدة العرض المسرحي كمنتج نهائي بقدر ما يتابع التجربة المسرحية الجارية في تقلباتها وتحولاتها، وفي التغيير الذي تستحدثه في أنماط دوائر العطاء والاستجابة بين فاعليها، وهو لا يراقب تقدم هذه التجربة ويرصد مشاكلها واخفاقاتها فقط، بل قد يشارك أيضا في تعبيد الطريق أمامها حتى تستمر وتقدم منتجها المسرحي النهائي، أي أن علاقة هذا الجمهور بالحالة المسرحية لا تتوقف على أي عطاء جمالي محتمل لهذا العرض المسرحي أو ذاك، بقدر ما تبدأ قبله وتستمر بعده، أي أن تجربة هذا الجمهور مع المسرح لا تنقضي تماما مع نهاية العرض المحلي الذي يخصه، ولذلك فهناك طابع تراكمي يحكم تنامي أعداده وتزايدها من سنة إلى التي تليها، بحيث بات هذا الجمهور الحميمي يشكل كتلة ضخمة للغاية من الطبقة المتوسطة المصرية (ولن يكون من قبيل المبالغة القول أن تراكم هذه الكتلة على مدار العقود القليلة الماضية قد يصل بحجمها إلى رقم يقدر بالملايين).
والمنظور الجمالي السائد في التعاطي مع المسرح المصري لا يرى هذا الجمهور الحميمي إلا باعتباره مصادفة عارضة، ولذلك فهو لا يشعر بوجوده ولا يحاول التفكير فيما قد يسمح به هذا الوجود من إمكانية استحداث تطورات هائلة في المسرح المصري إذا ما تم اتباع سياسات من شأنها أن تطور هذا من الارتباط مع العروض المحلية إلى الارتباط مع الحركة المسرحية بصفة عامة. (في السنوات القليلة الماضية بدأت بعض مجموعات الهواة والمسرح الجامعي في استقطاب جمهورها المحلي نحو الحركة المسرحية العامة عن طريق تأجير قاعات عرض وإقامة عروض مدفوعة، وهو ما كان يمكن لو استمر أن يحول بعض هذا الجمهور إلى جمهور مسرحي أو جمهور مشاهدة بالمعنى التقليدي، ولكن غياب الرؤية التي تدرك أهمية هذه المحاولة أفسح الطريق أمام التشديدات الرقابية الأخيرة التي –تقريبا- قضت عليها في مهدها).
وهكذا، فقد يتضح من هذه الملاحظات أننا لسنا في مقام المفاضلة بين مدخل نظري وآخر فحسب، بقدر ما بتنا في حالة تجبرنا على دفع تكلفة باهظة نتيجة حصارنا داخل منظور مدخل بعينه، والمؤسف أن هذه التكلفة تظل غير مرئية لأن ذلك المنظور –ببساطة- لا يسمح لنا برؤيتها!
6-2- والآن سنحاول تقديم رصد سريع لمدى تشابك العلاقة بين ظاهرة المسرح المصري ومجتمعها عبر دوائر عطاء واستجابة مركبة وغير مباشرة ساهمت في تكوين هذه الظاهرة، مثلما شاركت في إعادة بناء مجتمعها وتحقيق بعض التوازن في علاقاته.
في منتصف السبعينات ومع بداية الخروج من النظام السياسي والاقتصادي (والقيمي) الذي هيمن خلال فترة الستينات، بدأت مجموعات مسرحية تتركز في أغلبها حول الثقافة الجماهيرية في محاولة استثمار قدرة الممارسة المسرحية على مناورة الحقائق السائدة لتحقيق بعض التوازن في العلاقة مع المجتمع والذات، ولأن هذا الاحتياج كان يمثل استجابة عامة غير قاصرة على فئة اجتماعية محددة، فقد أفضى ذلك إلى توسع ممارسي المسرح في هذه الفترة على نحو أفضى إلى تكوين كتلة ديموغرافية فريدة للغاية ربما لم يشهدها المسرح المصري قبل أو بعد هذه الفترة، وهي كتلة كانت تضم تنوعا من الأعمار والمهن والمستويات التعليمية والثقافية والطبقية (نحن نتحدث عن تجمع يضم موظفين كبارا وأساتذة جامعة وباعة جائلين ومفتشي تموين وحرفيين وطلاب ومدرسين وأطباء ومثقفين وفلاحين وعمال .. إلخ) (8)، ورغم أن هذه الكتلة من الممارسين لم تكن بضخامة الكتلة الحالية إلا أنها كانت استجابة لقلق اجتماعي عميق على نحو أفضى إلى التفاف العديد من المثقفين والسياسيين حولها باعتبارها تمثل رهانا وتحولا شديد الخصوصية، وقد تكونت في هذه الفترة بعض المعطيات والتصورات حول ماهية المسرح وعلاقته بمجتمعه وسياساته والتي سادت بعدها، وما زلنا نعايش بقاياها حتى الآن.
أما مع مطلع التسعينات، ومع اشتداد وتيرة التحول الرأسمالي والتسليع القيمي الذي دشنته فترة السبعينات، فقد استقبلت الحركة المسرحية رافدا جديدا يتمثل في تيار عارم من الممارسين الشباب، الذين استجابوا للعبة المسرحية باعتبارها عملا غير مأجور يتيح لهم مقاومة حالة تسليع العالم وتسليع ذواتهم، أو على الأقل تمكنهم من اصطناع منصة متوازنة بعض الشيء أمام تلك الحالة.
وقد شهدت هذه الفترة تفكك الكثير من معالم الكتلة الديموغرافية الفريدة التي قدمها مسرح السبعينات، بحيث اكتسب مسرح الهواة منذ ذلك الحين فصاعدا طابعا شبابيا، وكأنه قد بات أحد سبل هؤلاء الشباب للخروج إلى العالم والتكيف معه.
وفي العقد الأخير شهد المسرح الكنسي في مصر خروجا متزايدا من طابعه الديني التقليدي تجاه ما يمكن تسميته بالمسرح المدني أو العام، وذلك بهدف تعزيز التماسك والتعاضد الاجتماعي بين ممارسيه، وقد تطورت هذه الظاهرة بحيث باتت تقدم كل سنة عددا ضخما من العروض، ويكفي أن نذكر أن أقل التقديرات التي يتداولها الباحثون حول العروض المشاركة سنويا في مسابقة المسرح الكنسي التي تنظمها الكنيسة المصرية الارثوذكسية تتحدث عن 1300 عرض، وإن كان بعض التأمل في نظام هذه المسابقة مع أخذ عدد الكنائس في الاعتبار قد يمنحنا تقديرات تفوق هذا الرقم بكثير، ناهيك عن أننا لا نملك أي تقديرات حول الأنشطة والفعاليات المسرحية التي تقدمها كنائس الطوائف الأخرى، ولكن في كل الأحوال فقد بات واضحا أن المسرح الكنسي/المدني قد أصبح يمثل واحدة من أضخم كتل المسرح المصري إن لم يكن أضخمها على وجه الإطلاق، ولكنها للأسف تظل كتلة شبه غير مرئية لا من باحثي المسرح ولا باحثي العلوم الاجتماعية.
إن هذه الملاحظات الثلاث التي استعرضناها هنا تقدم شيئا حول بعض تعينات ظاهرة المسرح المصري وتغيراتها وروافدها المستحدثة التي أصبحت تشكل معالمها الرئيسية، مثلما تشكل بعض معالم مجتمعها، أي أنها تقدم لمحة حول جسم جبل الجليد الغارق في الماء، أو بالأحرى الغارق أو المتجذر في مجتمعه على نحو شبه غير مرئي، وتدعونا إلى ضرورة إعادة استكشافه وإعادة تعريف مكوناته ودوافعه وأهدافه وعطائه واستجاباته، وهي مهمة تظل مطلوبة بقدر ما هي معلقة ويتم تجاهلها بانتظام.
خاتمة:
لقد سعت هذه الورقة إلى نفي منظورات وأفكار مسرحية مطروحة وسائدة مقابل تأكيد أخرى، غير أن هدفها الأولي الذي كتبت من أجله هو محاولة توضيح مدى عمق الظاهرة المسرحية وتجذرها في عمليات بناء العالم بصفة عامة، ومدى تنوع استجابات جمهورها أو المتأثرين بها سواء حاليا في مصر، أو على مستوى التاريخ الذي صنعته تلك الظاهرة لنفسها. ولذلك فإذا كان لها أن تقنع البعض بإمكانية توسيع دوائر تفكيرهم حول المسرح، فهذا هو القصد.
………………….……………….
(1) حول مفهوم العطاء المسرحي، والمفاضلة بين تجلياته الجمالية والاجتماعية انظر للكاتب “ظاهرة المسرح بين العطاء الجمالي والعطاء الاجتماعي”، ضمن كتاب “تأملات في فينومينولوجيا المسرح”، الهيئة العامة للكتاب،2021، ص 7- 14.
(2) جاءت هذه الاقتباسات في: مارفن كارلسون “العرض المسرحي، رسم توضيحي أم ترجمة أم تحقق، أم إضافة”، ترجمة حازم عزمي، مجلة فصول، العدد 62. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003. ص 181-188
(3) انظر برتولد بريخت “ملاحظات على اوبرا القروش الثلاثة وطريقة قراءة الدراما” – ضمن كتاب “اوبرا القروش الثلاثة -لوكلوس-بعل”
ترجمة عبد الرحمن بدوي، سلسلة المسرح العالمي، يوليو 1977، ص 142-143.
(4) لا توجد لدينا أي ارقام موثقة تقدم صورة إحصائية شاملة لظاهرة المسرح المصري، لا من حيث عدد العروض المنتجة سنويا، أو عدد الممارسين، أو عدد الجمهور، أو حتى عدد قاعات العرض المستخدمة أو القابلة للاستخدام، ولذلك ليس أمامنا سوى استخلاص بعض التقديرات المرجحة ثم تدقيقها من حين إلى آخر كلما سمحت المعطيات بذلك، وهو ما أحاول القيام به ونشر نتائجه بالمشاركة مع العديد من النشطاء المسرحيين منذ مطلع هذا القرن على أمل أن تستجيب المؤسسات التي تملك السعي إلى تقديم إحصاءات دقيقة وموثقة.
وبصدد عدد العروض المسرحية المنتجة سنويا في مصر، فإن آخر استخلاص نشرته وتمت مناقشته، يتضمن تقديرات تخص بعض أوعية الإنتاج المسرحي –وليس كلها- وهو ما يعطينا رقما قد يتجاوز 5000 عرض سنويا، موزعة كالتالي:
1- مؤسسات وزارة الثقافة ومكتبة الاسكندرية (متوسط اجمالي 350 عرضا)، موزعة كالتالي:
-قصور الثقافة: 250 عرضا، بالإضافة إلى 100 أو 150 عرضا تقريبا للأوعية الأخرى ومكتبة الاسكندرية. ومعهد الفنون المسرحية بمهرجاناته ومشاريع تخرجه.
2- مراكز الشباب: (1000 عرض):
– لدينا في مصر أكثر من 5000 مركز شباب، ويوجد مخصص في ميزانيتها للنشاط الفني والمسرحي، فإذا قدرنا نسبة المراكز التي تنتج مسرحا بـ 20% فهذا يعطينا 1000 عرض تقريبا.
3- الجامعات والمعاهد التعليمية: (1000 عرض)
– لدينا حوالي 1000 منشأة جامعية، وجميعها مدرج لديها ميزانيات للنشاط الفني والمسرحي، فإذا افترضنا أن كلا منها يقدم عرضا واحدا فقط كمتوسط سنوي، فلدينا حوالي 1000 عرض.
4- المدارس (1500 عرض):
لدينا 62 الف مدرسة (منها 7 آلاف مدرسة خاصة وانترناشيونال).
وكلها مدرج بها ميزانيات للنشاط الفني والمسرحي، ولكن قد يحدث أن بعض المدارس تضم ميزانياتها وتتعاون في إنتاج عرض مشترك، فإذا افترضنا أن نسبة تدور حول 3% من هذه المدارس تنتج مسرحا فهذا يعني حوالي 1500 عرض سنويا.
5- المسرح الكنسي: (1300 عرض)
يتداول بعض الباحثين هذا الرقم منذ 9 سنوات، ويمكن الأخذ به لحين العثور على تقريب أدق.
(5) من النادر أن نعثر على رصد دقيق لحالة “الأسى الجمالي” مثل الذي يقدمه محفوظ في هذه الفقرة التي قد تبدو مقحمة بعض الشيء على الحوار بين ياسين وشقيقه فهمي في رواية “بين القصرين” بحيث يمكننا القول أننا هنا أمام رؤية محفوظية فريدة تم استدعاؤها للسياق السردي.
” لا أشكو إلا الظاهر الذي لا يُعاب! … شكواي في الحق منصبَّة على الجمال نفسه! (….) ولا تسل عما في ملل الجمال من فجيعة، إذ أنه يبدو مللا بلا عذر مقبول، وبالتالي قضاء محتوما … فيتعذر التفادي من يأس ليس له قرار، لا تعجب لقولي، إني عاذرك لأنك تنظر من بعيد، والجمال كالسراب لا يرى إلا من بعيد ..”.
انظر: نجيب محفوظ، “بين القصرين”، طبعة منصة هنداوي، فصل رقم “50”.
(6) انظر: ارفنج جوفمان “تقديم الذات في الحياة اليومية”، ترجمة ثائر ديب، دار معنى للنشر والتوزيع، الرياض، 2021
(7) للمزيد انظر للكاتب “استطرادات فينومينولوجية حول نمط الحقيقة المسرحي!”، موقع الكتابة، أغسطس 2022
(8) بخصوص تنوع مكونات هذه الكتلة الديموغرافية الفريدة انظر شهادتي حول “ناس مسرح الثقافة الجماهيرية”، موقع الحوار المتمدن، سبتمبر 2014










