محمود عماد
“ما أطال النوم عمرا.. ولا قصر في الأعمار طول السهر.”
هذا البيت المنتمي لرباعيات شاعري المفضل عمر الخيام، الذي تربطني به علاقة صداقة روحية، والتي أستخدمها أنا وكل من يسهرون الليل، بمعنى آخر من يعانون من الأرق كعزاء عن عدم قدرتهم على النوم.
يعتبر النوم ضيفا عزيزا على أمثالي من الذين يغزو كائن الأرق حياتهم. لا أتذكر تحديدا متى أصابني الأرق، لكن ما أذكره أنني لم أحب النوم في طفولتي القصيرة. كنت أعتبر إغلاق الجفون نوعا من نهاية عالمي الخاص القائم على الألعاب، ومشاهدة رسوم الكارتون التي كانت في فترة كل حياتي.
لم يتوقع هذا الطفل أن يصير يوما يتوق للنوم، ليس باعتباره عقابا، بل مكافأة عن تعب اليوم الذي قضاه في العمل أو الدراسة. هذا الشاب العجوز الحالي أصيب بوحش يلتهم صحته العصبية وربما النفسية، ويضعف قوته، وهو الأرق.
في السنوات التي هجم فيها الأرق حاولت خلسة اقتناص بعض الساعات من فم سارق الراحة، ومع ذلك فشلت محاولاتي كثيرا، فعلت كل ما يلزم للظفر بالنوم، تناولت الأعشاب والمشروبات الساخنة، قللت الأشياء التي تحتوي على مادة الكافيين، مثل القهوة والنسكافيه والشاي، كل هذا لم يجدِ نفعا.
صار الأرق عادة مرتبطة بحياتي بشكل لا أعرف معه نفسي لو غاب عني يومان بفعل التعب من الدوام علي. في ساعات الليل يصبح السرير مليئا بالأشواك، والمخدات عبارة عن حجارة، أتقلب حتى تبزغ أشعة الضوء الأولى معلنة أنني سأغوص في غمار يومي بلا نوم. في طريقي لتلمس الهروب من الأرق، وجدت المكان الذي أنام فيه تقريبا في كل مرة أضع رأسي فيه، وهو المواصلات.
عندما أركب الأتوبيس، أو الميكروباص على عكس الكثيرين، تنتابني أنا وفئة قليلة من البشر حالة من الراحة المفاجئة، أضع رأسي على النافذة، أراقب الطريق. على مدار الرحلة من البيت إلى العمل أو الجامعة، والعكس، أستقل العديد من وسائل المواصلات، يضيع من عمري الكثير على الطريق.
هذا الطريق الذي يعرفني أكثر من أي أحد آخر، هو الشاهد على أفراحي وخيباتي، على فرحي وحزني. في المواصلات أتذكر حياتي الماضية، تتشكل مشاهد الذاكرة على زجاج النافذة. يتداخل التفكير في المستقبل مع الذكريات؛ ليضحي الأمر مزيجا مما كنت، وما أريد أن أكون.
في هذه الأثناء أتسلل من بين كماشات التذكر والتفكر، والأرق لأقبض على بعض دقائق الراحة، أغمض عيني، وعلى عكس السرير يأتي النوم ويربت علي. تدفق الأحلام والخيالات، ما أهرب منه طوال اليوم يزورني في لحظات نومي المعدودة، ومع ذلك، وعلى عكس البيت، لا أنتفض فزاعا.
صحيح أنني في بعض المرات ينتابني شعور بالسقوط، وكأنني أسقط من قمة جبل جهازي العصبي لأقع في مستنقع الواقع من جديد، لكن دون خوف، ربما تشعر نفسي أن النوم هنا مضمون حتى لو شابه بعض الاستيقاظ غير المتفق عليه.
يعيدني الأتوبيس بشكل ما إلى زمن كنت فيه طفلا رضيعا يهدهد، نعم، من الممكن أن يكون ذلك السبب، فهو يعود بي إلى الوقت الذي شعرت فيه بالأمان، عندما كانت تحملني أمي أو جدتي، في تلك اللحظة كنت أنام. يتذكر عقلي كل شيء، حتى لو حاول النسيان.
العودة إلى الطفولة المبكرة، ووضع الرضيع يعيد الكثير منا إلى حالة من الأمان، نحن نفتقد أحضان أمهاتنا وجداتنا، نتوق لتربيتاتهم، وإلى حملهم لنا.
تعد المواصلات العامة مكانا يعج بالضجيج، على عكس البيت، وهو أيضا ليس المكان الأكثر أمانا لمحاولة أخذ قسط من الراحة، ومع ذلك، وعلى عكس أغلب الناس، أشعر أنا وقلة من الناس بالأمان هناك.
عندما أحاول تفكيك الأمر أسأل نفسي سؤالا جوهريا: هل أملك بيتا من الأساس؟ أشعر بعبثية السؤال، لكن ربما يفيد في فهم علاقة نومي بالمواصلات بشكل عام، والأتوبيس العام بشكل خاص، أنا وتلك الفئة القليلة من البشر. أنا لا أشعر بالألفة مع البيوت التي قطنتها، ولا أحب غرفي، أو أسرتي، لا لعيب فيها، لكن لعدم الشعور بالاطمئنان أو الراحة، وربما لشعور بالوحدة.
في فيلم “Insomnia”، الذي ترجمته بالعربية “أرق”، بطولة النجم العالمي آل باتشينو، ومن إخراج المبدع والمختلف كريستوفر نولان، يعاني المحقق ويل/ آل باتشينو من أرق مزمن طوال أحداث الفيلم. يبدو للوهلة الأولى بسبب الضوء الذي يقتحم غرفته، والذي يأتي بسبب طبيعة المكان الذي لا تغيب شمسه تقريبا، لكن بشكل ما يصبح هذا الضوء إسقاط على الأفكار التي تطارد ويل سواء منذ جاء إلى هنا، أو حتى قبل ذلك.
تصير ظروف مكان النوم مجرد حجة في عقل ويل تمنعه من النوم، وتجعله لا يألف السرير. ضمن أحداث الفيلم تذكر جملة “الأرق هو أسوأ أنواع الوحدة.”، وهي تكشف أن ما يضيف للأرق بعدا أكثر سوداوية هي الوحدة. في الليل يصمت العالم كله، وتصبح الوحدة أكبر بشكل قادر على ابتلاع البشر الوحيدين، ويصير الأرق ثقبا أسود يتغذى على تلك الوحدة.
الضوء الذي يعكر صفو نومنا، ليس سوى أفكار متجسدة على شكل أشعة تخترق نوافذنا وشرفاتنا، ومهما حاولنا منعها، تعبث بعيوننا. في ليال كثيرة أعيد مشاهد من محاولات ويل لحجب الضوء المتسلل، عندما يدخل في ساعات الصباح الأولى من شرفتي لينير غرفتي. وذلك بعد ليل طويل لم أستطع النوم فيه، لا أنجح في طرد الضوء، تماما مثل ويل، ربما لأن الأفكار تسللت قبلها، وملأت الغرفة.
الخوف من الهدوء الكلي أثناء الليل، هو أمر آخر يتعلق بالأرق، يسمح صوت الصمت لعقلي بالعمل أكثر، وتبدأ الأفكار في غزو رأسي، وهذا جل رعبي أن أترك مع أفكاري وحدي.
أظن أنني أتشارك – بشكل ما – هذا الأمر مع فئة ليست بقليلة من الذين يتعايشون مع الأرق، يمنحنا الأتوبيس والمواصلات بشكل عام مكانا يعج بالحركة. تعمل أصوات البشر على حمايتنا من أصوات رؤوسنا القادرة على تكدير نومنا.
العجيب أن من ينامون في المواصلات لا يخافون أن تفوتهم محطة النزول، كأنهم يثقون بالطريق وبالمواصلات، لديهم ثقة بأن حضن الأتوبيس سيكون أحن من يد الأرق القاسية، هم هنا يجدون الراحة التي غابت عن أسرتهم.
لم أخف في مرة أن تفوتني محطة نزولي، والأغرب أنها لم تفتني قط، في كل مرة أستيقظ قبلها، مثقلا بعرق من تعب الطريق، الذي لا يهمني فيه غير النوم، حتى لو استندت على كتف من بجواري أو لم أرد على هاتفي أو رسائلي، ولو فوّت طريقي. هذا لمعرفتي أنني عندما أعود للبيت، ومع كل تعبي، لن تغلق جفوني المتعبة.






