محمد أسامة
“ما بَيْنَ مُعْتَركِ الأحداقِ والمُهَجِ
أنا القَتِيلُ بلا إثمٍ ولا حَرَجِ
ودّعتُ قبل الهوى روحي لما نَظَرْتَ
عينايَ مِنْ حُسْنِ ذاك المنظرِ البَهجِ”
بهذين البيتين يستهل الشاعر “عمر بن الفارض” قصيدته، واصفا حال نفسه المعذبة: يضع ذاته أمام المتلقي ضحية لصراع انطباعات العقل على المشاهد والصور التي تعلق بالعين، وخفقان قلب يريد لمشاعره المحتشدة أن تتسلل بأي طريقة متسيدة المشهد مالكة زمامه. وكانعكاس لطبيعته المرهفة والنظرة الآسرة يحاول أن يحتكم إلى قلبه، راضيا بعذابه وعنائه، راجيا أن تخرج لمشاعره صادقة حرة.
ووسط تلك الحالة، يتجلى بين أيدينا سؤالا: إن كانت نظرة المحب لحبيبه تختلف عن أي نظرة سواها، فكيف بما يتعلق به من موجودات وصلات؟ أو بصيغة أخرى: من له اليد العليا في طريق النفس؟ القلب ببواعثه أم العقل بحساباته وخطته؟
بشكل ما عنيت الكاتبة “هدى عمران” بهذا السؤال، فنجدها وقد نسجته في دواوينها النثرية وقصصها، باسطة إياه في رحلة يتردد فيها المحب وحبيبه بين الامتزاج التام-لدرجة استخدام صوت سرد موحد يرمز له بالضمير “نا” في قصة “جامع الست لولّا”- أو مجرد التضافر والتشابك الذي يظهر صوت كل طرف-إما بقصد المناجاة وبث الأوجاع كما بقصيدتي “مرآتي” و”قصائد خطيرة”-الموجودة بمجموعة “القاهرة” الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعام 2022-، أو لغرض مدى قوة كل طرق ومعرفة إلى أين تقاد دفة الحكاية كما في التنقل المفاجئ بقصة “جامع الست لولّا”-المنشورة بموقع فم بعام 2023- من صوت المثنى لصوت قطبي الحكاية”الراجل اللي فينا ….الست اللي فينا”-، ومن ثم يكتشف كل نفسه عبر تلك العلاقة
❞ يصدق علي أنه سيفقد بصره أيضا. دفعه جنونه وحبه للتصوير إلى رذيلته الكبرى، التي جرت خلفها رذائل أخرى. يؤمن أنّه يستحق أن يُمسخ على هيئة كلب أو بهيمة لا تعقل. ولولا ما حدث لما نخر الذنب بمعوله الحاد في روحه ولفكر في الحكاية كلها باعتبارها مسألة فنية. ❝
من قصة “ألعاب خطيرة”
شرحت الكاتبة تلك الرحلة ومستوياتها إلى حد يظهر فيه مدى التضارب بين وضوح المصير، وبين الالتباس والغموض بالرغبة الدافعة للرحلة، ويوضح وجود هذا التضارب -أو التصادم أحيانا- كفائدة للمضي قدما: فكان التداخل في قصة “ألعاب خطيرة” -المضمنة بمجموعة “حب عنيف ” الصادرة عن دار الكتب خان بعام ٢٠٢٤-بين الأسطورة والحكاية، يلائم حالة بطلها “عليّ” التي تملكته بالغواية وأحكمته بميزانها-عبر التلصص على نساء الحمام بحجة مشروعه التصويري-، فاصطدم بحقيقة خالصة-أشارت إليها الكاتبة بجمل “عري ممتلئ بذاته…قادم من الطفولة-تصيبه بالتشوش من الانجذاب لصفائها، والرهبة من هيئتها لملامستها الغريزة الكامنة فيه، لذلك يلجأ لصنع ما يشتت هذه الطاقة الكبرى عنه، فيدور في أركان الماضي عن سيرة يراها مبتسرة، محولا إياها لانعكاس عنه-كما في الصور التي انتقاها “علي”، أو في المرآة العجيبة التي يرى فيها بطلي قصة جامع الست لولّا شخصية “سمير الاسكندراني “- يسهل منه النقد والحركة-وعليه كان تحديد الكاتبة لمسير “علي” في تفرعات وشوارع ضيقة يغمرها الظل، مبتعدا عن النور المذّكر للحظة الانكشاف-.
“وأقول إن الحب نوم الغريب على كتف الغريب
معذب من الرغبة
التي ترقد في القاع كأنها صخور راكدة
صخور كبيرة وثقيلة
معلقة للأبد في قلبي
رغم هذا الفراغ الشاسع
رغم أن الإنسان للإنسان”.
من قصيدة “قصائد خطيرة” – ديوان القاهرة
تجدل الكاتبة مع لعبة التشتيت خطا يهتم بتمييز المشاعر المنبعثة وإعطائها معنى يلائم الواقع وبالمثل يقترب من قوتها ومقدارها-فوصفت هدى عمران تلك الحالة في قصة “جامع الست لولّا” بالشقة غريبة الهيئة، وبثتها كذلك في قصة “ألعاب خطيرة” بشخصية “الشيخ محسن” وتركيبة إيمانه واعتقاده-. فتترجم أولا أثر شبح الرغبة عبر لغة صوفية مستلهمة من أجواء ابن الفارض واستهلالات البردة النبوية للبوصيري، تتقوى فيها مشاعر الوجد والاستكانة اللازمة لاستدعاء الحبيب الغائب، ومناجاته بما يليق بفريسة أمام صيادها.
وهكذا تكتمل الصورة، ونرى رحلة ينفصل فيها الأبطال عن عناء واقعهم، منجذبين لرغبة ساقتها الأقدار إليهم. ويكون خطوهم فيها التخفف من قيودهم-دلت عليه الكاتبة بتماثل مصير إحدى قطبي الأسطورة من نفسها وصولا إلى العظام في قصتي “جامع الست لولّا: “وألعاب خطيرة”- ودليلهم في هذا المسير المجهول أثر احتراق قلوبهم-كما صنعت الكاتبة حالة من التأرجح من الرمز المباشر في السمكة التي تلتهم رأس أختها أو الإحالة للوحة “زحل يلتهم ابنه” لفرانشيسكوا جويا، في كل من قصة “جامع الست لولّا ” والديوان الشعري “القاهرة” -وصولا إلى نقطة يراد فيها الصفاء التام، مصحوبا بشفافية خاصة، تجعله ملتمسا لعناء من يحيط بيهم، مرشدا لمكنونهم-كما نرى في شخصية العرافة “نانا بقصة “ألعاب خطيرة” وتبصرها لقوة “علي”، أو “الشيخة ماما الكريمة” ومحاولتها مداواة “شفيقة” بقصائد البردة في قصة “جامع الست لولّا”-. وفي أحوال أخرى قد يشحذ هذا نفسه كصياد جديد-وهو ما أشارت إليه برمز اللون الأحمر في لوحة والدة “الشيخ محسن” أو في التنقل بين توصيف شخصية “محسن” وعلاقته ب”علي” بعد ذلك- لتكمل الدائرة










