حامد موسى
لم يكن اسمه في بورسعيد مجرد “السيد”، فهذه المدينة البحرية العتيقة لا تنادي أبناءها بأسمائهم كاملة، بل تمنحهم أسماء أخرى تشبه الموج ورائحة الميناء. لذلك ظلّ “السيد الخميسي” عند أمه، وعند أهل الحارة، وعند الصيادين وباعة السمك وعمال الميناء، هو “العربي”. ذلك الفتى الذي خرج من قلب بورسعيد، ولم يغادرها أبداً، حتى وهو بعيد عنها.
ولد العربي من طين المدينة المالحة، من الأزقة الضيقة التي تعرف وقع الأقدام، ومن الحواري التي تحفظ أسماء سكانها كما تحفظ الأم ملامح أطفالها. عاش طفولة تشبه حياة الصيادين؛ خشنة من الخارج، لكنها مغمورة بالحنان الإنساني العميق. رأى البحر مبكراً، فصار البحر جزءاً من لغته، وجزءاً من مزاجه، وجزءاً من روحه التي لم تهدأ يوماً.
اشتغل بالتجارة، وعمل مع أبيه في محل الحلويات، فعرف مبكراً معنى الكدح اليومي، وعرف كيف تختلط رائحة السكر بعرق الرجال البسطاء. هناك، في ذلك المحل الصغير، كان يتأمل وجوه الناس، ويختزن الحكايات في ذاكرته، كأن القدر كان يهيئه ليصبح راوياً كبيراً لحياة المهمشين والبسطاء وأبناء الأرصفة.
ثم صار معلماً. حمل رسالته إلى الفصول، لكن قلبه ظل معلقاً بالحارة القديمة. وحين جاءت سنوات الهجرة القاسية، وغادرت بورسعيد أبناءها مكرهين، حمل العربي حقيبته ومضى يدرّس في مدن مصر المختلفة، لكنه كان يحمل مدينته معه أينما ذهب. كانت بورسعيد تسكن صوته ولهجته وكتابته وحتى غضبه.
وقد سجّل تلك الرحلة الإنسانية كاملة في رباعيته الروائية الكبرى “البشروش”، ذلك العمل الذي لم يكن مجرد رواية، بل سيرة مدينة وسيرة جيل وسيرة رجل ظل يفتش عن نفسه وسط العواصف. كتب ذاته كما يكتب البحّار يومياته فوق الخشب المبتل بالملح. وفي “البشروش” لم يكن العربي بطلاً متخيلاً، بل كان ابن بورسعيد الحقيقي الذي عرف الحياة من قاعها، وعرف الناس بقلوبهم لا بأسمائهم.
وكان العربي يؤمن، في أعماقه، أن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، بل شكل آخر من أشكال البقاء. كان يشعر أن الكاتب الحقيقي لا يموت دفعة واحدة، بل يترك روحه تمشي بين الناس في هيئة كلمات وصفحات وذكريات. لذلك لم يكن يخاف الموت بقدر ما كان يخاف أن تتوقف الحكاية.
وقبل رحيله بوقت قصير، قال لصديقه الشاعر فارس خضر كلاماً بدا وقتها غريباً ومؤلماً. طلب منه أن يطبع أعداداً كبيرة من رباعية “البشروش”. تعجب صديقه وقال له:
لماذا نطبع كل هذه النسخ؟ سنفعل كالمعتاد، وإذا نفدت نعيد الطباعة.
لكن العربي، بذلك اليقين الغامض الذي يشبه حدس البحّارة قبل العواصف، هزّ رأسه قائلاً:
“لا… اطبع كثيراً… كل النسخ ستباع.”
وحين سأله صديقه من أين جاء بكل تلك الثقة، أجاب بهدوء موجع:
“لأني سأموت… وبعدها سيأتي الناس ليشتروا الرواية.”
كأنه كان يرى نهايته تقترب، ويرى أيضاً كيف ستبقى كلماته بعده، تمشي وحدها بين القرّاء، وتبحث عن أصحابها الجدد.
أما الشعر، فكان نافذته الأخرى على العالم. كتب دواوينه بروح رجل يعرف الألم جيداً، ويعرف كيف يحوّل الخسارات الصغيرة إلى أغنيات حزينة. منها «نصغي ويقول الموج» و«الرقص الغجري» و«من مقامات الرحيل»، إلى جانب روايتي «البشروش» و«الفرائس»، لم يكن شاعراً يكتب من برج عاجي، بل من قلب المقاهي الشعبية، ومن صخب الندوات، ومن وجع الحياة اليومية.
وكان، فوق ذلك كله، واحداً من أنشط الوجوه الثقافية في بورسعيد. ترأس نادي الأدب، وشارك في مؤتمرات وندوات كثيرة، وصار له أصدقاء في كل محافظات مصر. كانوا يحبونه لصدقه، ولتلك “الجدعنة البورسعيدية” التي لم تفارقه أبداً. كان صديقاً وفياً، حاضراً وقت الشدة، كريماً في مشاعره كما في كلماته.
وكان، حتى أيامه الأخيرة، معلماً حقيقياً للغة العربية، عاشقاً لمفرداتها، بارعاً في تطويعها، يعرف كيف يمنح الكلمة دفئها الإنساني. وحين كنت تكتب له تعليقاً على رأي أو منشور في صفحته، كان يردّ ببساطته المحببة:
“تعيش يا حامد.”
وها هي العبارة الآن تعود من الذاكرة، أستعيدها بصوته الدافئ الحنون، كأن الرجل لم يغب تماماً، وكأن نبرته ما زالت معلقة في الهواء.
غير أن شخصية العربي لم تكن سهلة أو هادئة. فقد جمع تناقضاً حاداً؛ كان طيباً إلى حد مدهش، لكنه سريع الغضب، حاد الطباع، عصبياً كبحر الشتاء. وربما كانت تلك التناقضات هي ما منحت روحه ذلك العمق الإنساني النادر. فالقلوب الكبيرة غالباً ما تحمل عواصفها الخاصة.
وفي سنواته الأخيرة، تكاثرت عليه الأمراض كأنها تتآمر على جسده القوي البنيان. قاومها بصبر أبناء بورسعيد وعنادهم، وظل واقفاً بجسده الفارع ما استطاع، يحاول أن يهزم الألم بالإرادة والكتابة والابتسام أحياناً. لكن الجسد، مهما بدا صلباً، له لحظته الأخيرة التي يرفع فيها الراية البيضاء.
فاستسلم الجسد أخيراً…
وبقي العربي.
بقي صوته في الحواري القديمة، وفي ضحكات أصدقائه، وفي صفحات “البشروش”، وفي ذاكرة بورسعيد التي لا تنسى أبناءها الحقيقيين.
يرحل الجسد، ويبقى الفتى الذي كانت أمه تناديه من شرفة البيت:
“يا عربي…”
كأنها، حتى الآن، ما زالت تنتظره عائداً من البحر ..










