فرح القلوب.. حكايات

أسامة كمال

أسامة كمال أبو زيد

تغيرت أفراح بورسعيد كما يتغير البحر؛ موجة تذهب وأخرى تجيء، لكن شيئا من دفء البدايات ظل عالقا في الذاكرة لا يغادرها. كانت الأفراح تبدأ قبل موعدها بأيام، حين يأتي عمال الفراشة حاملين سلالم الخشب وحبال الزينة، ويعلقون المناديل الملونة والمصابيح الصغيرة بين الشرفات، فتتحول الحارة كلها إلى بيت واحد ينتظر مناسبة سعيدة. وعلى باب العروس يعلو مكبر صوت كبير يذيع أغاني محمد رشدي وعايدة الشاعر ومها صبري وشريفة فاضل وليلى نظمي، فتنساب الأغنيات بين البيوت كأنها دعوة مفتوحة للفرح، لا تفرق بين مدعو وعابر سبيل.

في تلك الأيام كانت الحركة لا تهدأ. النسوة ينشغلن بإعداد الشربات في طشت الغسيل أو بستلة الغلية الكبيرة، وتوضع فوقه ألواح الثلج القادمة من مصانع الثلج القديمة، بينما تصل صاجات البسطة والغريبة والبتي فور من الحلواني لتستقر في أحد الأركان في انتظار المساء. وكان الأطفال يطاردون عمال الفراشة، ويتسابقون إلى حمل الكراسي وترتيبها، ويترقبون لحظة توزيع الحلوى والشربات أكثر مما يترقبون الفرح نفسه.

وقبل أن تأتي الليلة المنتظرة، كان جهاز العروس يخرج من بيت أهلها في موكب صغير يعرفه كل أهل الحي. تمر المرايا والمفارش المطرزة وأطقم الصيني وصناديق الملابس أمام أعين الجيران الذين يحفظون تفاصيلها قطعة قطعة، وتتعالى الزغاريد من الشرفات، فيما تمضي الأشياء إلى بيتها الجديد محمولة بالفخر والمحبة والدعوات الطيبة. وفي البيوت كانت دفاتر النقطة تفتح صفحاتها القديمة. تأتي القريبات والجارات بما تيسر، فتسجل الأسماء في خطوط متعاقبة تشبه شجرة ممتدة الجذور. لم تكن النقطة مجرد مال يؤخذ ويرد، بل كانت صورة أخرى للتكافل، وإعلانا غير مكتوب أن الفرح لا يخص أصحابه وحدهم، بل يخص الحارة كلها.

ثم تأتي ليلة الحناء، فتجتمع النسوة حول العروس في دائرة من الضحكات والزغاريد والأغاني القديمة. كانت ليلة دافئة، تختلط فيها البهجة بشيء من الشجن الخفيف، كأن البيت يدرك أن ابنته تستعد لعبور باب لن تعود منه كما كانت. وحين يقترب المساء، يبدأ الفرح الكبير. القادرون ماديا يستأجرون فرقة موسيقى البوليس لتعزف بعد العصر، فتمنح المناسبة شيئا من الهيبة، ثم تترك الليل لأصحابه. فوق الأسطح أو في قلب الحارات الواسعة كانت فرقة علي زوبة أو الدع تتولى المهمة، بينما تفضل أحياء أخرى أفراح الضمة والسمسمية، حيث تتعانق الأصوات مع أوتار السمسمية في ليال تشبه البحر؛ بسيطة وعميقة ومليئة بالحياة. وكانت فرق الريس حسن العشري وكوثر وغيرهما تمنح المدينة نغمتها الخاصة التي لا تشبه أي مدينة أخرى.

ثم جاءت أيام الزفات الشعبية، فظهرت فرق أبو عميرة واسطنبول وهابى داى  متأثرين بما صنعه محفوظ الدمياطي، وصارت للزفة طقوسها المحفوظة؛ طلعة أو نزلة أو حنكيشة، يعرف الناس توقيتها كما يعرفون مواقيت الأعياد. وبعدها بسنوات دخلت فرق الباند الغربي إلى المشهد على يد الراحل عمرو الغفير، فحملت معها إيقاعات جديدة، لكنها لم تستطع أن تنتزع من الذاكرة ذلك السحر القديم.

كانت الأفراح أبسط كثيرا، لكنها بدت أكثر امتلاء بالفرح. لم تكن تحتاج إلى قاعات فخمة ولا إلى شاشات عملاقة أو أجهزة إضاءة معقدة. كانت الحارة هي القاعة، والجيران هم المنظمون، والأطفال هم جمهور الصف الأول. وكان يكفي أن تضاء عدة لمبات ملونة فوق الرؤوس حتى يشعر الجميع أن الدنيا بخير.

أما اليوم، فكل شيء يبدو أكبر وأغلى وأكثر صخبا، لكن شيئا ما غادر المشهد في الطريق. حل الدي جي محل الفرق، وجاءت أصوات لا يجد كثيرون فيها دفء السمسمية ولا بهجة الزغاريد القديمة. وارتفعت أسعار القاعات حتى صار الفرح أحيانا عبئا ثقيلا قبل أن يكون مناسبة سعيدة.

ومع ذلك، ما إن تمر أغنية قديمة في الطريق، أو تظهر على غير توقع صورة باهتة لزفة في إحدى الحارات، حتى تعود الذاكرة إلى أيام كانت فيها الأفراح مناسبة تخص مدينة كاملة. يعود صوت مكبرات الصوت المعلقة على بيت العروس، وبرودة الشربات في مساء صيفي، ولمعان ألواح الثلج تحت المصابيح، وزغاريد النسوة وهي تلاحق جهاز العروس في الطريق، ووجوه الجيران الذين كانوا يفرحون كأن العروس ابنتهم جميعا. عندها يبدو واضحا أن ما تبدل لم يكن شكل الاحتفال فقط، بل ذلك القلب الكبير الذي كان يتسع للجميع، ثم يوزع فرحته على البيوت بالتساوي.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع