مصطفي موسي
منذ عدة أسابيع قبل تلك الليلة وأنا أنام بصعوبة بالغة؛ لا تكفي كل عواصف السماء لإيقاظي. ابدأ كل ليلة بصراعٍ مع الحلم لأستيقظ، وأنهي كل يوم بحربٍ مع الأرق لأنام، وما بينهما هو لانهائية من المعارك اليومية. استجمعتُ كل قواي للتغلب على جاذبية السرير والخروج من فلكه. كانت ليلة في أواخر الشتاء، فالجو ليس بالبرودة التي تمنع من الخروج من الغرفة، ولكن أزيز الرياح وصوت الأمواج المتلاطمة على الشاطئ أوحى بأن وحوش البحر جميعاً قد تجمعت لتجوب شوارع المدينة، متخذة من الليل الغارق في عتمته بيتاً لها. في مثل هذه الأجواء، عادةً ما أخرج من زنزانتي **المُغلقِ على نفسي فيها من الداخل**، للاستماع إلى همسات الأرواح الليلية.
رأيته قادماً نحوي، لم أنظر إليه كثيراً محافظاً على القانون الصامت للسائرين نياماً في الليل، بالحفاظ على هشاشة العزلة المثقلة بكل أحلام اليوم **المُجْهَضة**. ولكن عندما دنا مني أكثر، عكست ثيابه الزرقاء تماماً ضوء القمر، فخُيّل إليّ أنه أحد أشباح عقلي، ولكنه كان أقرب إلى مسجونٍ محكومٍ عليه بالعيش الأبدي في هذه الحياة؛ انطباعٌ أكدته أكثر لحيته البيضاء المشعثة. مرّ بجانبي دون أن يلحظ وجودي نهائياً وكأنني جزء من عدم، مما عزز لدي شعوري ورغبتي أيضاً في الاختفاء. قررت أن أتتبعه بدافع في التماهي مع الظلال أكثر منه فضولاً، أو ربما هو فقط الفراغ.
سرتُ وراءه حتى شاطئ به الكثير من المراكب الخشبية. فكرتُ أنه من المستحيل أن يكون قد خرج للصيد في مثل ذلك الوقت، ليس فقط لحلكة الظلام الذي لا يقطعه سوى خيوط الضوء القمري التي تمكنت من تخطي حواجز الغيوم، ولكن أيضاً لأن ارتفاع الأمواج منع أي أحد من العمل ذلك اليوم. نزل إلى الشاطئ ووقف بالقرب من قارب رمادي متهالك، لا يخفي أثر الشمس والملوحة عليه سوى بقع خضراء من طحلب ينمو فوق سطح الحياة نفسها. بعد أن تأمله طويلاً كأنه مذبح بلا صليب وهو عبدٌ بلا مسيح يخلصه، أخرج من القارب بعض الأدوات وظل البقية الباقية من الليل يرقع ويرقع، غير سامحٍ لقاربه أن يغرق.
تابعت السير خلفه بلا هدف مراقباً سيره المتثاقل، جاراً قدميه بحذائه الذي يئن من أثر الزمن عليه، بدا غير آبهٍ إن أخذ الطريق منه دقائق أو أياماً، كأنه عاقدٌ اتفاقاً مع الايام على أن تمضي بدونه. بحلول الفجر، وصل إلى منزل خشبي على حواف المدينة. كان المنزل متهالكاً حتى إن معجزة لن تكون كافية لإبقائه قائماً. وقفتُ على مسافة محاولاً ملاحظة تفاصيله من نافذة زجاجية صغيرة بجانب الباب، لم أرَ شيئاً إلا عندما وضع في المدفأة بعض الحطب. لم تكن مساحة البيت تكفي لأكثر من غرفة. من مكاني على مبعدة من النافذة، لم أرَ شيئاً سوى مقعد خشبي أصفر موضوع في منتصف الغرفة، ذا منظرٍ مفعم بالكآبة زاده البياض المصفر للحائط الأصم خلفه.
جلس عليه وظل معلقاً نظره على شيء ما أمامه. اقتربتُ شيئاً فشيئاً حتى ظهرت لي قبضتاه مشدودتين كأنه أراد أن يمتلك العالم، فقط لإحراقه وفشل في ذلك. ثم رفعهما مخفياً بهما وجهه، وتناهى إليّ صوت واهن من أنين مكتوم. وعندما انتهى من بكائه الصامت، رفع يديه عن وجهه وجفف عينيه من دموعها التي أبت أن تخرج مقررة أن تتراكم حتى يوم آخر. ثم رفع عينيه نحو النافذة ناظراً إليّ مباشرة. لم يقل شيئاً ولكني قرأت في عينيه حنيناً غامضاً لأزمنة لم يعشها، لطفولة لم يحبها، لشباب رآه يمر أمام عينيه وهو منشغل باللهاث وراء كل ما هو ليس موجوداً؛ كأنه أراد أن يقول، كل هذا الجري وما زالت الجزرة أمام الحمار تسبقه.
أيقنت وقتها أنه لا يوجد ثمن قادر على إنهاء بؤس البشر، ولا يوجد من جنس الفعل ما هو بقادر على إنهاء شقاء الإنسان. حينها فقط، همست إلى أشباح الليل أن أرسمه، أن أؤلفه مقطوعة موسيقية، أن أكتبه أبيات شعر، أن أحوله إلى قطعة من فن؛ لعله يخفف عن شخص آخر مثله، في يوم آخر، في عالم آخر، قليلاً من وطأة الأيام.












