القس عيد صلاح
يقف الأدب المصري المعاصر في كثير من محطاته متأملًا الفجوات الطبقية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا السياق، يُعد الروائي الراحل جميل عطية إبراهيم (1937-2020م) صوتًا استثنائيًا استطاع أن يلتقط مفارقات الواقع البشري بعين ثاقبة ولغة مكثفة. وتأتي روايته الشهيرة “النزول إلى البحر” التي صدرت عن دار المستقبل العربي في القاهرة عام 1985م في 163 صفحة من القطع المتوسط، لتشكل علامة فارقة في أدب التهميش والواقعية الرمزية، حيث تحول فيها “القاع” من مجرد بؤرة للفقر إلى فضاء فلسفي يطرح أسئلة الوجود والوعي والإنسانية. وقد صدرت طبعة منها عن دار الكرمة عام 2014م. وله أيضًا ثلاثية الثورة المصرية التي تضم 1952م، الصادرة عن دار الهلال في يوليو 1990م، وأوراق 1954م، التي صدرت عام 1993م، و1981م، التي تتناول اغتيال الرئيس أنور السادات وتداعياته. ومن أعماله أيضًا خزانة الكلام، التي تتناول المجتمع المصري قبيل الألفية الثالثة، وأوراق سكندرية، إلى جانب المسألة الهمجية. وتكشف هذه الأعمال عن اهتمام الروائي بالتاريخ السياسي والاجتماعي المصري، وبأثر التحولات الكبرى في حياة الأفراد والمجتمع.
يظل العنوان عاديًّا ومألوفًا في ذهن القارئ، إلى أن يصل إلى الحوار الذي دار بين دكتور عزمي ودكتور صابر، فيكتشف دلالةً أخرى للبحر، ويدرك أبعاده الرمزية وما يحمله عنوان الرواية من معانٍ تتجاوز دلالته المباشرة، لتتكشّف له أبعاد جديدة لم يكن ليلتفت إليها من قبل. الدكتور صابر يدق الأرض بحذائه وينفض عنه الغبار ويسأله: هل نزلت البحر يا دكتور عزمي؟ أجابه قائلاً: نزلته كثيرًا يا دكتور. أنا من أبناء الاسكندرية. أفصح الدكتور صابر عما يؤرقه قائلاً: أنا لا أقصد المالح. علت الدهشة وجه الدكتور عزمي وتساءل قائلًا ماذا تقصد يا دكتور؟ هل تقصد مياه النيل أجاب الدكتور صابر وهو يشير بيده قائلاً: أقصد هذا البحر. البحر الممتد أمامنا. بحر القاهرة. بحر المقابر. هذا هو البحر الحقيقي الجحيم، فقراء، جوعى، لصوص، أثرياء، تجار، عاهرات، سواد، مخدرات، عالم غريب ومجنون ومليء بالناس الطيبين. (ص 49-50).
تتمحور أحداث الرواية حول تجربة الاكتشاف التي يخوضها شخصيات من طبقة متعلمة ومثقفة يمثلها “الدكتور صابر” وزميله “الدكتور عزمي” حيث تدور الرواية حول دعوة الأول للثاني بالنزول إلى هذا “البحر” الغريب والاستكشاف في أعماقه. ومن خلال هذه الرحلة، تتشكل الفكرة الأساسية للعمل.
تبدأ مفارقة العمل من عنوانه نفسه، فالقارئ للوهلة الأولى يتوقع رحلة إلى شاطئ مائي أو امتداد أزرق، لكن “البحر” عند جميل عطية إبراهيم ليس سوى ذلك المدى اللانهائي من شواهد المقابر وأزقتها التي امتدت عند حافة الجبل بالقاهرة، واستوعبت آلاف المهمشين الذين جعلوا من الموت سكنًا للحياة.
في هذا العالم السفلي، يلتقي الضياع بالأمل، وتتداخل الخطوط الفاصلة بين الجريمة والبراءة. يعيد الكاتب اكتشاف هذا المكان لا كخلفية جامدة للأحداث، بل ككائن حي يشكل سلوكيات قاطنيه ويملي عليهم شروطه القاسية.
في الأسئلة التي يطرحها سيد أحد أبطال الرواية يلخص كل الرواية في البحث عن إجابة هذه الأسئلة التي تدور في رأسه: لماذا تزوج والده من سنية في هذا العمر؟ لماذا يعمل الدكتور صادق في طرق معاكسة لمبادئ؟ لماذا تسكن الناس في المقابر بعد ثلاثين عامًا من الثورة؟ لماذا يتزوج الدكتور صابر من صفية وهي صاحبة مشغل حصلت عليه بطرق ملتوية من صاحبته الأجنبية عندما غادرت القاهرة سنة 1956؟ لماذا طلبت لواحظ الطلاق من حمزة بيه؟ لماذا تجلس لواحظ الى جواره طوال اليوم تاركة عملها؟ لماذا تقبل والدته العيش مع سنية تحت سقف واحد؟ لماذا ينجب والده مرة أخرى؟ هل يستغرقه الحاضر بملذاته إلى درجة الحيوانية مثله مثل الدكتور صادق الذي باع كل شيء في سبيل اللحظة الآنية ومتعها أم أن الأمر به لغز أبدي عصى على الفهم وأن المصريين لا مستقبل لهم ويعيشون في لحظة أن مستمرة لا تفارقهم بأتراحها وافراحها. لحظة لا نهاية لها. لحظة كالملاءة الواسعة بسعة الأفق تلفهم وهم تحتها يتحدثون عن الأجداد والتراث ويتكاثرون ويموتون كديدان الأرض؟ حكمة غائبة لن يتوصل إليها مهما عاش أو عمل بالاتحاد الاشتراكي. (ص. 72). لماذا تزوج والدي من سنية وهل في عمر ابنته؟ لماذا وقعت هزيمة 1967م؟ لماذا يعيش الناس في المقابر؟ لماذا حل الصهاينة بالقاهرة ورفعت أعلامهم؟ (ص 118).
تكشف الرواية عن صدمة الواقع التي يواجهها المثقف حين ينتقل من التصورات النظرية والصور المنمقة إلى مواجهة الحياة في قسوتها الخام، بعيدًا عن أي رتوش أو تجميل. وفي هذا العالم، تتجلى ازدواجية الطبيعة البشرية، إذ يمكن للفقر والحرمان والقسوة الاجتماعية أن تدفع الإنسان إلى سلوكيات منحرفة، وأن تفتح المجال للمخدرات وغيرها من مظاهر الانحلال، لكنها لا تلغي في المقابل قدرته على التعاطف والتكافل والنبل، وهي قيم تظل قادرة على التألق وسط الركام. ومن هنا يبرز التناقض بين الموت والحياة، حيث تنبض إرادة الاستمرار في أكثر الأماكن ارتباطًا بالبؤس والعدم، وكأن الرواية تؤكد أن الحياة لا تنطفئ تمامًا حتى في أقسى الظروف، وأن الإنسان، رغم ما يحيط به من قهر وانكسار، يظل قادرًا على إظهار جوانب من الخير والكرامة الإنسانية.
لا يقدم جميل عطية إبراهيم في رواية النزول إلى البحر مجرد توثيق أدبي لحياة المهمشين، بل يطرح رسائل فكرية واجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الحكاية، إذ يدعو المثقفين والأكاديميين إلى تجاوز المعرفة النظرية والانغلاق داخل الصالونات، والنزول إلى الواقع المعيش لمعاينة آلام المجتمع وفهم تناقضاته من الداخل، انطلاقًا من أن الوعي الحقيقي لا يتشكل بعيدًا عن الإنسان ومعاناته. كما يعيد الاعتبار إلى سكان المقابر، متجاوزًا الأحكام الأخلاقية الجاهزة التي تدينهم أو تنظر إليهم من علٍ، ليكشف عن بشر دفعتهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية إلى العيش على هامش المجتمع، ويؤكد ضرورة التعامل معهم من منظور إنساني يحفظ كرامتهم بدلًا من اختزالهم في أوضاعهم المعيشية. ومن خلال تصوير هذه الحياة المهمشة، تعرّي الرواية آثار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت الفئات الأكثر هشاشة، وأسهمت في نشوء مجتمعات موازية تعيش داخل الوطن جغرافيًا، لكنها تعاني الإقصاء والتهميش اجتماعيًا، وكأنها خارج دائرة الاعتراف والمشاركة، وبذلك تتحول الرواية إلى دعوة لمواجهة الواقع وفهم أسبابه البنيوية، وإلى مساءلة مجتمع يسمح للفقر بأن يتحول إلى عزلة، وللتهميش إلى حاجز يفصل بين الإنسان وحقه في الكرامة والانتماء.
ولا تغفل الرواية السياق التاريخي والسياسي الذي تشكّل فيه المجتمع المصري، فتستحضر التحولات الكبرى التي أعقبت ثورة يوليو 1952م، مرورًا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وصولًا إلى نكسة يونيو 1967م، ثم حرب أكتوبر 1973م، وما تركته هذه الأحداث من آثار عميقة في حياة المصريين ووعيهم الجمعي وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. ولا تقتصر أهمية هذه الإشارات على توثيق تعاقب الأحداث التاريخية، بل تتجلى في ربطها بحياة الإنسان العادي، ولا سيما الفئات المهمشة التي غالبًا ما تتحمل أعباء التحولات السياسية والاقتصادية دون أن تكون طرفًا فاعلًا في صنع قراراتها؛ وهكذا تتجاوز الرواية حدود الحكاية الفردية لتقدم صورة للمجتمع المصري في ظل التحولات الكبرى، كاشفةً عن التداخل بين التاريخ العام والتجارب الإنسانية اليومية، وعن الكيفية التي تنعكس بها الأحداث الوطنية على حياة الأفراد ومصائرهم، حتى أولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع.
تظل رواية “النزول إلى البحر” نصًا روائيًا مكثفًا يقدم تجربة قراءة فريدة تجمع بين البساطة في الأسلوب والعمق في الدلالة. لقد نجح جميل عطية إبراهيم في جعل “البحر المقابري” مرآة تنعكس عليها أزمات المجتمع المصري وصدمات مثقفيه، لتبقى الرواية صرخة إنسانية هادئة تدعو للتأمل، والمواجهة، وإعادة استكشاف ما خفي من جراح الوطن.

















