“عين سحرية”.. التلصص على عري العدالة

عين سحرية

عبد الرحمن إبراهيم

يرسم مسلسل “عين سحرية” العدالة كنقطة عمياء، تتهكم على الشر من أعلى؛ حيث يجلس الباحثون عنها في مقعد الإله، وحيث تسلك أذرعها طرقاً ملتوية مثل الشر، بشرط إقصاء كفته مقابل رجاحة كفتها.

في الأساطير اليونانية، توجد الكفوف في القضايا الأزلية مثل الخير والشر على مضمار متساوٍ من القدرة المطلقة؛ حيث كلا الطرفين نصف إله ونصف بشر، وحيث القوة في كلا النقيضين تكفل لهما حق الرد لترجيح كفة كل منهما حين المواجهة. أما في “عين سحرية”، فنجد أن البحث عن العدالة التي يمثلها «زكي غالب» – المحامي المشطوب من لوائح النقابة – لا تتحقق إلا بطريقة مماثلة للخفاء، مثل الشر الذي يمثله «شهاب الصفطاوي». وحيث إن الطريقة التي يخرج بها عن القانون هي الأصلح لمواجهته بكفة متساوية، للانتقام منه دون أن يتلقى طعنة الغدر مرة أخرى، ولكن بطريقة غريزية تملأ ما حرمه الزمن من ثقل أبوة، مارسها كالمحاماة في الخفاء.

ندوب الخفاء

في الحلقة التاسعة، تقف «شفيقة» خادمة عم «زكي» لتقدم له الطعام، ثم تلمح ملفًا يخص مكتب شهاب على طاولته، ونعلم بعد ذلك أنها على دراية بما كان بين زكي وشهاب في الماضي، بعد أن واجهته بلوم وتحذير من دوافع انتقامه؛ كون شهاب أصبح شيئًا يفوق قدرته على الانتقام، وأن مدة حبسه في السجن كانت كافية لإقصاء كفته من المواجهة.

نرى هنا ردة فعل عم «زكي» تتحول من مجرد مقهور يراهن على انتقامه من باب الخسارة، إلى شخص ينكر أن كفته غير المتساوية وراء استفحال أناه؛ فهو شخص يثق في طرقه الملتوية التي رآها في مرافعاته التي منحها لزملائه في مكتب «د. راغب»، والتي يطلع فيها على ملفات قضايا رجال أعمال فاسدين بحثًا عن ثغرات لتخليصهم من العدالة، والتي كانت وسيلته الوحيدة لاسترجاع ملكته الأثيرة في ممارسة الحيلة بدهاء، وينكر على عاتقها إقصاء كفته في الانتقام.

العدالة مجردة

لا يظهر «زكي غالب» أي انتماء سياسي، وحتى قضيته المدفوع بها لتحقيق العدالة لا تنطلق إلا من جرح قديم نتيجة خيانة تلميذه «شهاب» وحرمانه من ابنته؛ فهو يسير في انتقامه بغرائز تملأ ما فقده طوال عشرين عامًا خلف القضبان، لا يتقاطع فيها «عادل» مع حججه الواهية في تسيير العدالة، التي لا يمثل فيها إلا حلقة مفقودة داخل دائرة أبوة عجز عن أن يشاطر بها ابنته.

على الجانب الآخر، يظهر «عادل» مهندس الكاميرات الذي يقف معه على خط واحد من المساومة، ولكن بدافع آخر غير الانتقام؛ فهو لا يمثل أي ثقل أيديولوجي في قضية «عم زكي» سوى النجاة من ملاحقة وصمة أبيه التي أُلصقت به بعد سجنه بتهمة السرقة، وبعائلته من دائرة الفقر التي حملها على عاتقه بعد وفاته.

تتحقق العدالة هنا من الظل، حيث لا تقام محاكمات هزلية للنظام، أو محاولة لتفكيك الحقيقة بموضوعية هشة؛ فاليقين فيها سياقي ونسبي، تنحاز فيه إلى دوافع أخلاقية ليست منطوية على دستور أعمى، مجرد عدسة مصغرة كفيلة بأن تتلصص على مصير مجهول، وعين سحرية تمنح سلطة لذراع المساومة، حيث الجميع تحت رحمة العدالة المطلقة التي لا تتبنى شرعية مؤسسة هشة تغيب أمام سردية متقنة أصبح فيها القانون عائقاً أمام تحقيقها.

في «عين سحرية»، جميع الأبطال مدفوعون بالفقد، لا يملكون القدرة على التحكم في فراغ صنعه غياب كامل لشخص تحت التراب أو خلف الذاكرة. «زكي غالب» الباحث عن إحياء أبوة اندثرت في عيني ابنته عبر استرجاع ذاته المفقودة خلف القضبان، و«عادل» الذي فقد ظل أبيه في صورة مشوهة عن الحقيقة، لا يحصل فيها عبر كل تلك السنوات إلا على نجاة مذاقها مثل مذاق الموت، و«شهاب الصفطاوي» الذي يختبئ خلف صورته الجامدة، صورة أخيه الميت الذي لم ينجُ من مرض أرجأت فيه زجاجة دواء حياته إلى الأبد.

قانون أعرج وعدالة عمياء

لا يؤمن «زكي غالب» بالقانون، فهو بالنسبة له ليس الوسيلة الأكثر قدرة وصدقًا لتحقيق العدالة. ففي الحلقة الأخيرة، حين علق على تبرير «شهاب» لقيمه في توفير دواء فاسد لعادل قائلاً: “أقدم لك شهاب بيه الصفطاوي، رجل العدالة والقانون”، ليعلق شهاب قائلاً: “لا، أنا رجل قانون بس، أما العدالة فدي ليك أنت يا زكي.. أنت غاويها من زمان”، كأن كلا الطرفين يؤمن جيدًا أن القانون ليس إلا وسيلة يمكن أن يتحقق من خلالها الخير والشر، وأن العدالة تتحقق بما هو قيمي وأخلاقي لدى مرجعية صاحبها، مهما اختلفت السبل إليها.

إذ نحن أمام نموذجين لإشكالية مضادة: رجل قانون يتلاعب بالحقيقة، ورجل عدالة لا يؤمن بما سنته قواعد اللعبة في الإتيان بها. فزكي يظن أنه سرق العدالة، معقبًا لعادل: “إحنا خطفناها”، في حين أن «عادل» يظن أنها تحققت دون أن يكفر بقدرها الحتمي.

هنا لا يتطرق “عين سحرية” في أسئلته الأخلاقية إلى السياسة، رغم أن ما يسنه من قوانين بعيدة عن مرفأ القانون هي في جوهرها سياسة موازية، قائمة في انحرافاتها على مرونة طرق ممارستها وتحقيقها بحرية، مثلما يسن الشر قوانينه في الخفاء بما يلائم إيقاع تغيرات العدالة وبما يخترق به خط استقامتها. فالعدالة هنا لا تتحقق من دوافع أخلاقية مطلقة؛ فمثلما يلوذ الشر بجانب من البراءة أحيانًا، يقع الاختيار الأزلي لتحقيقها بما يلبي احتياجات صاحبها دون أن يتلطخ بدمائها، لتكون هي الفكرة الجوهرية في ملء ما خلفته الدولة من فراغ.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع