عن كتاب “لا ترفعوا هذه الجثامين”: اليوميات كمختبر للكتابة

لا ترفعوا هذه الجثامين كمال الرياحي

توفيق الشابي

«لا ترفعوا هذه الجثامين» هو الكتاب الصادر سنة 2025، للكاتب والروائي التونسي كمال الرياحي عن دار مرفأ – لبنان، في 278 صفحة. كتبت مواده ابان ازمة كورونا سنة 2020. توجد عدة مداخل لقراءة العمل بالنظر الى تنوع ما فيه، فهو من ناحية الشكل يوميات ومقالات متصلة ببعضها، والجمع بين النوعين مدعاة للنظر في هذه التجربة المختلفة عن المألوف في ادب اليوميات، ومن جهة المضمون تتنوع مواضيع المقالات، حيث كل مقال يمثل مبحثا بحد ذاته وان كان جُلها على علاقة ما بالظواهر التي نشأت عن كورونا وما خلفته الجائحة من آثار نفسية واجتماعية واسئلة تتعلق بالفرد والمجتمع.

اليوميات كمختبر للكتابة

وضع الكاتب عمله ضمن نوع اليوميات، هذا النوع من الكتابة ليس غريبا على صاحب رواية المشرط، الذي يمكن اعتباره أبرز المتخصصين العرب في هذا النوع الادبي، كتابة واهتماما، فقد صدر له كتاب في فن اليوميات بعنوان واحد صفر للقتيل ونال به جائزة ابن بطوطة العربية سنة 2018، وله اعمال اخرى في هذا الفن قيد التأليف، بالإضافة الى عدد هام من المقالات النقدية عن كتب يوميات عربية وغربية.

واهتمام كمال الرياحي بهذا النوع يعود الى ما قبل سنة 2009، السنة التي أصدر فيها كتابا في شكل حوار مع أبرز المنظرين لهذا الفن وهو الكاتب الفرنسي فيليب لوجون، وهو بعنوان: “هكذا تحدث فيليب لوجون”. اضافة الى كل هذا الاهتمام، اسس سنة 2025 في مكان اقامته الحالية في كندا الملتقى الدولي لفن اليوميات في دورته الاولى بمشاركة عدة كتاب عرب وعالميين بينهم فيليب لوجون والبرتو منغوال، الكاتب المعروف وصاحب كتاب يوميات القراءة. كما أنه درّس فن اليوميات في جامعة كارلتون وتورنتو ويدير منذ سنة 2013 دورات للكتابة في هذا الفن. يصدر له قريبا كتاب فن اليوميات من التنظير الي الممارسة، وهو مؤسس ملتقى تورنتو الدولي لفن اليوميات 2025 وهو اول ملتقى دولي مختص في هذا المجال. كما درس الرياحي فن اليوميات في جامعة كارلتون بأوتاوا وجامعة تورنتو ويتفرغ لبحث جديد فيه بمساي كولاج التابع لجامعة تورنتو حول اليوميات الكندية وعلاقة اليوميات بالفنون التخييلية الأخرى ويدرسه في دورات الكتابة الابداعية طوال السنة عبر المنصات الرقمية وبالتعاون مع المؤسسات الثقافية الكندية كمهرجان الفيلم العربي بتورنتو وبيت الخيال. فالكتاب اذن هو في سياق الاهتمامات الاساسية للكاتب.

بدأت اليوميات، في هذا الكتاب، بيوم 9 مارس 2020 وانتهت بيوم 26 اكتوبر 2020، دون ان تكون متتابعة يوما بيوم واغلبها بين مارس وافريل وماي 2020، مع يومية واحدة في اكتوبر.
تكشف اليوميات في محتواها جوانب من الحياة اليومية للكاتب في ظل واقع الكورونا والحجر الصحي، وخاصة المخاوف من الاصابة بالمرض، والغضب من سلوكيات بعض الناس الذين لا يحترمون الاجراءات الوقائية،  وتداعيات الوباء على المستوى النفسي، كما احتوت اليوميات اشارات مهمة الى عمله الثقافي في هذه الفترة من كتابة مقالات ومطالعة وتحضير لمواد قناته على اليوتيوب والتواصل مع اصدقائه من الكتاب. كما ترصد اليوميات تفاعل الكاتب مع الاخبار المتعلقة بالوباء من احصاءات للموتى والمصابين، الى اجراءات الدولة للحد من انتشار المرض، الى تفاعلات الناس مع ما يحدث. وهو اذ يورد كل ذلك في اليوميات، لا يورده بشكل تسجيلي جاف، بل بلغة ادبية فيها من الذات الكثير، حيث تحضر المشاعر المختلفة، وما يجول في الذهن من افكار وخواطر مع كل خبر او مشهد، وما تستدعيه الذاكرة من شخصيات وأحداث، وهو ما يجعل النص حيا يحرك كل من مر بتلك التجربة ويدفعه الى استعادة بعضا من تفاصيل تلك المرحلة الصعبة التي تركت أثرها على الكثيرين صحيا ونفسيا.

ما يميز اليوميات، عموما، هو أنها مساحة حرة، لا قيود فيها على الأسلوب أو الموضوع، فيها تتدفق الأفكار والمشاعر التي تنشأ تفاعلا مع أحداث اليوم. هذه الافكار يمكن ان تتحول الى مواضيع لنصوص، ودراسات تحليلية، ومشاريع كتب، وروايات. من ذلك ما يُذكر عن روايات فرانز كافكا، مثل المحاكمة والقلعة التي بدأت كخواطر في يومياته. وايضا ألبير كامو الذي استخدم ملاحظاته اليومية في صياغة مقالاته الفلسفية مثل أسطورة سيزيف.

الامر نفسه نجده في كتاب كمال الرياحي، فقد جعل اليوميات اشبه بمختبر، فيه تنشأ النواة الاولى للموضوع ليأتي المقال لاحقا ليسلط فيه الضوء على الفكرة من أكثر من جانب. فاليوميات الواردة بالكتاب لم تكن منغلقة على ذاتها، بل فتحت للكاتب نوافذ، عبرها، التقط جزءا هاما من موضوعات مقالاته الفكرية والادبية التي ضمها هذا الكتاب. هنا تصبح المقالات جزءا من اليوميات وليست منفصلة عنها. واليوميات هنا لا تعطي أفكارا للكتابة فحسب، ولكنها تكشف لنا بعضا من خفايا وطقوس الكتابة او مطبخ الكتابة كما يسميها صاحب يوميات واحد صفر للقتيل.

في هذا الكتاب يقدم الرياحي تجربة مختلفة في كتابة اليوميات وهي تجربة مفتوحة على عدة قراءات منها ان تُقرأ كمحاولة لاختبار القدرة على الكتابة التحليلية في زمن الازمة، زمن العواطف القوية والضغط الشديد، وهو زمن كتابة اليوميات بامتياز. في مثل هذه المراحل، وتحت مختلف الضغوط تصبح كتابة المقالات الفكرية والنقدية عملية صعبة وتحديا حقيقيا، وهذا ما حاوله كمال الرياحي ونجح فيه بالنظر الى عمق المقالات وثراءها بالأفكار والاحالات المتعددة الى كتب واسماء فكرية من مختلف اختصاصات العلوم الانسانية، من ادب ونقد وفلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع. في هذا السياق يقول كمال الرياحي في يومية 14 أفريل (ص162): «عقلانية المقالات ينقصها الانفعال، وانفعالية اليوميات ينقصها العقل». وزمن الازمة هو زمن الانفعالات وبالتالي اليوميات وهو ما خرقه كمال الرياحي في هذا العمل.

العنوان ومضامين الكتاب

“لا ترفعوا هذه الجثامين” هو إشارة الى احدى الظواهر التي لاحظناها زمن الوباء وتتمثل في طريقة التعامل مع الموتى، بسبب الفيروس، الذين كانت جثثهم تُرفع بالآلات، وتُشيع وتُدفن وحيدة من وراء الكمامات والملابس الخاصة التي تُذكّر بالمشتغلين في مصانع الكيمياويات والمفاعلات النووية، فطريقة تشيع الموتى هذه، تصرف شاذ وغير مألوف في التعامل مع فقدان الأحبة، ولذلك تجلت كإحدى الصور الابرز المتبقية من فترة كورونا وعلامة عليها. هذه الصورة هي عنوان للخوف الجماعي من المرض والموت، الذي سيطر على الجميع وجعلهم في اختبار حقيقي، بين النجاة بأنفسهم او المحافظة على قيم اجتماعية ودينية راسخة. وما شاهدناه ابان الازمة بين لنا ان الانسان اختار في النهاية النجاة بنفسه على حساب تلك القيم. فكرة الخلاص الفردي هذه، لم تكن محدودة بحالة الموت بسبب الكورونا فقط، وهو ما يمكن ان يكون مبررا بالآثار الصحية الممكنة، لكنها تجلت ايضا في ممارسات اخرى كاللهفة على اقتناء المواد الغذائية بكميات تتجاوز الحاجة دون التفكير بالأخرين، او محاولة الفرار من الاماكن الموبوءة، وعدم الالتزام بالتوصيات الصحية وغيرها.

وقد أشار الكاتب الى ذلك في أكثر من يومية وتناول بالتحليل مثل هذه الظواهر في أكثر من مقال منها «هل سنأكل بعضنا” و”الاستثمار في الجوع وخطر التوحش” و”الاشهار في الحجر هل يستعيد الانسان نفسه”. هنا كأن الرياحي يقول بأن الأزمة وضعت الانسان امام حقيقته وطبيعته المجبولة على حب الذات، هذه الطبيعة التي حركته وهندست سلوكه مع الاخرين بداية من أقرب الناس اليه الى بقية افراد المجتمع. وهو ما يكشف عن هشاشة الانسان المعاصر وهشاشة المقولات الكبرى حول الإنسانية والتضامن، التي لم ترتق الى ان تكون قيما متأصلة في النفس ومحركا لها، خاصة زمن الازمات. في هذا السياق لم يكتف الرياحي برصد الظاهرة، بل قام بمحاولة للإجابة عن سبب عجز المعرفة والثقافة عن حماية الانسان من طغيان نزعته الفردية، هل هي مشكلة مضمون ام الية تربية على القيم؟ تجلى ذلك في بعض النصوص، منها “الاشهار في الحجر، هل يستعيد الانسان نفسه” و”غياب الثقافي او ازمة الخطاب الاعلامي المرئي في زمن الكورونا” ليكشف لنا ان الانسان فعلا في حاجة الى استعادة نفسه لأنه في الواقع المعاصر هو مجرد لعبة، كل ما يُقدم له ليست الا وسائل استلاب للإرادة، وكل ما اكتسبه من معرفة وثقافة هو مجرد غلاف خارجي، لذلك لا يجد في نفسه شيئا من ذلك ليواجه اية ازمة، غير طبيعته، وبهدف وحيد هو انقاذ الذات اولا.

هذه النزعة قد تكون مفيدة للفرد على المدى القصير، لكنها، على المدى البعيد، ذات آثار خطيرة على الفرد والمجتمع. وقد تناول كمال الرياحي، هذه الاثار، بالتحليل والنقد في أكثر من مقال. فهي تساهم في تآكل الروابط الاجتماعية، وفقدان الثقة في الآخرين، وهو ما يساهم في عزلة الفرد التي قد تؤدي به الى امراض نفسية كالوحدة والاكتئاب وحتى الانتحار. ولا تقف الاثار عند العلاقات الاجتماعية، بل تمتد الى الجوانب الاقتصادية والسياسية، فهي من عوامل نشأة احتكار المواد والفرص، ما من شأنه خلق فجوات بين الفئات الاجتماعية، كما تساهم في ابتعاد الفرد عن الشأن العام، والعيش بمعزل عن قضايا ومشكلات المجتمع المختلفة معتقدا، خطأ، أنه بعيد عن آثارها.

يوميات الكاتب/يوميات الكتابة

من بين ما يميز اليوميات في هذا الكتاب أنها تحتوي على تفاصيل عن كتابة المقالات التي وردت فيه، وعما أنتج الكاتب من برامج ثقافية نشرها الى قناته على اليوتيوب. وردت المقالات في الكتاب متخللة لليوميات. بين مجموعة من نصوص اليوميات ومجموعة اخرى نجد مقالا تحليليا، وفي الغالب، نجد في اليومية السابقة واليومية اللاحقة للمقال تفاصيل عن الكتابة، من ولادة الفكرة الى جمع المادة اللازمة لكتابة المقال، الى الكتابة الى المراجعة الى النشر. وقد أشار الناشر الى ذلك على غلاف الكتاب بأن “الكاتب في هذه اليوميات الخاصة يدخلنا الى كواليس الكتابة ومطبخها”. على أن تفاصيل ذلك كان يمكن ان تكون اوسع وأكثر حضورا، ليكون الاطلاع على مطبخ الكتابة أكثر اكتمالا وليعيش القارئ اجواء ميلاد الفكرة والفقرة والجملة، التي يمكن أن تعاد صياغتها أكثر من مرة، والعنوان الذي كثيرا ما يتردد اي كاتب في اختياره، الى عمليات الحذف والاضافة وما يتبع ذلك من مشاعر القلق والفرح والتردد وما يدور في الذهن من افكار واسئلة، ولكن ذلك يبقى اختيار الكاتب.

تذكرنا هذه التجربة ببعض التجارب العالمية المعروفة، في تدوين يوميات الكتابة مثل اعمال الروائي الامريكي جون شتاينبك في كتابه “أيام العمل” وهي يوميات كتابة روايته الشهيرة ” عناقيد الغضب”. وأيضا في كتابه “يوميات رواية” الذي يتضمن رسائله اليومية الى محرّره باسكال كوفيتشي قبل أن يبدأ بكتابة رواية “شرق عدن”.

كتاب «لا ترفعوا هذه الجثامين» تجربة مختلفة في ادب اليوميات مسكونة بالتجريب، مبنية على جملة من الثنائيات، فهو يمزج بين اليوميات والمقالات، بين كتابة الانفعال والتحليل العقلاني، وبين قضايا الذات وقضايا الجماعة وبين ما هو حميمي شخصي وما هو عام. الكتاب يكشف هشاشة الإنسان في زمن الازمات حيث تصبح الكتابة، بالنسبة للكاتب، وسيلة المقاومة الوحيدة لكل ما تخلفه المحن من اثار نفسية واجتماعية، والشهادة الاكثر صدقا وعفوية على اللحظات الصعبة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع