عم أحمد

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد 

مهداة الى المبدع: أحمد عوض  (1927 – 2006)

في تباشير الصباح، يتنفس نسائم البحر المشبعة برائحة اليود، يركب دراجته السوداء العتيقة، يطير بها بين السحاب، والكائنات من حوله مشدوهة بخفته على الأرض. يصل إلى دكانه، ذلك الصالون الذي شهد تحولات الزمن، من “باندونج” أيام الحلم الوطني والثورات، إلى “صالون السلام” بعد تغيّر موازين السياسة، لكنه ظل كما هو، محض حياة وروح تنبض بين أركانه، صالون لا يحمل سوى اسم الحياة نفسها.

في هذا المكان، حيث مرآة كبيرة مهترئة تحمل رقمًا ثابتًا كأن الزمن لا يعترف به، يجد الزبون نفسه في مرآة عم أحمد، التي تقرأ مشاعره، تلمس حزنه وتشارك فرحه، تعكس روحه الطليقة التي لا ترضى ببديل عن السعادة. هناك كنبة عتيقة، خزينة لكل ما هو غريب وعجيب، تجمع قصاصات من الصحف والكتب وأدوات الحلاقة، وتخزن خبايا البحارة والمارة الذين تركوا بصماتهم في هذا الركن الصغير من العالم.

عم أحمد ليس مجرد حلاق، هو صائد حياة محترف، يتنقل بين الناس ينثر بينهم أسرار الحياة بخفة طائر يطير بين الأشجار، يكتب قصصًا قصيرة وشعرًا متقطعًا، بين زبون وآخر، بينما تتشابك الحكايات في صالونه، تزهر بين الضحك والدموع، بين فقدان الأحبة وصمود الإنسان أمام قسوة الزمن.

في كل ليلة اثنين، مع أذان العشاء، يطل عم أحمد على شارع الجمهورية، جالسًا بهدوء على طاولة بيضاء قديمة داخل مطعم أثري يوشك على الزوال. أمامه طبق الزيتون وقليل من المشروب، كأنه صورة من فيلم قديم يرتدي كاسكيت بحري وبنطلون أبيض، يدخن سيجارته بهدوء، ظهره متكئ إلى الخلف، رجل آتٍ من عمق التاريخ، يشعّ شموخًا لا يوازيه إلا رجاحة عقل وقلب مفتوح للحياة.

عاش ثمانين عامًا كعصفور يشتهي تجلّي النهار، وفي الليل يتحول إلى حكاء فذ، يحيك خيوط قصصه على ألسنة الأصدقاء والغرباء، على بساط الحياة المتهالك، حيث الجلسات الساخنة من ضحك وحديث وصراخ هادئ عن الحرية والوجود. رغم الفقد – الابنة التي رحلت ، الزوجة التي فُقدت، والأولاد الذين رحلوا – ظل يحتفظ بابتسامته، لم يرَه أحد في جنازة، لم يسمح للحزن أن يقيد روحه الطليقة.

حكى لي ذات مرة عن كتاب قرأه، عن الكون الذي يشبه قشرة بندقة، وعن رجل سقط في بحيرة تحولت إلى امرأة، عن فلسفة الحياة التي تجمع بين عبثية الوجود وجماله، حكاياته تتجدد، تزداد عمقًا، لأنها ليست فقط كلمات، بل نبض حياة وخبرة مكتسبة من دروب كثيرة. قال لي: “تفرغت للحياة، والكتابة جزء منها، وليست هي الحياة.”

لم يكن لديه ولاء لأحد إلا لقلة من الناس، لكنه كان يعشق الحياة كما هي، يخاف من الموت ويكره ذكره. حين سألته: ماذا تفعل لو أزالوا الحرية؟ ( موطن عشقه فى بورسعيد) أجاب بثقة: “سأموت قبل أن يزيلوا الحرية.” لكن القدر كان له رأي آخر، عاش بعد أن أزيلت الحرية، ومضى بعدها بأسابيع قليلة، تاركًا وراءه إرثًا من ضحك وبكاء، من حكمة ورقة إنسان نادر.

حين يغادر دكانه، لا يغادر وحيدًا، بل يظل معك طوال الليل، بما تركه من حكايات نادرة لا تجدها إلا عند جلوسك إليه. هو ليس وحده في هذا الاسم، فهناك آخرون يحملون اسمه في مدن وبلدان أخرى، يحكون ويحبون الحياة، ويغادروننا ونحن نحمل لهم حزنًا مختلطًا ببهجة الذاكرة.

هو ذاك الإنسان الذي احتضن العالم بابتسامته، وصنع من صالونه واحة للحياة، منفتحة على الحكايات والدموع والضحكات، يعيش بين الناس لكنه يبقى مختلفًا، صامدًا رغم صراعات الزمن، يغزل من تفاصيل حياته نسيجًا يحكي قصة مدينة وروحها، قصة عم أحمد، الصائد الرقيق للحياة.

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع