سلامه زيادة
عمي مفتاح الذي لا يأكل إلا بعض العجوة برغيف ساخن كل يوم، ويشرب أكوابًا عديدة من الشاي مع علبة سجائر سوبر طويلة، والتي تشبه ماسورة مدفع، وينتظر كل ليلة مناب اللحم يرسله أحد أولاده مع طبق أرز صغير.
عمي مفتاح الذي يعي بوابات الحارات.
لن أنسى أبدًا… في بداية عملي كمدرس قابلني أحد الرجال، وكان كبيرًا بما يكفي. ساقاه طويلتان تلامس الأرض من فوق ركوبه، تكاد أن تتعثر به. سألني إن كنت أعرف بيت مفتاح النجار. قلت: أعرف، وظللت أصف له. شكرني ولم يصمت، بل قال وهو ينغز ركوبته بعصاه: “أصل أبويا بعتني ليه”. غامرني الضحك طيلة اليوم كلما تذكرت ذلك… وعندما عدت وحكيت لأخي، ضحك قائلًا: ندعو الله أن يطيل عمر “أنطوني كوين” كي يقوم بدور مفتاح النجار كما جسد سيرة عمر المختار.
عمي مفتاح الذي شارك غالبية فلاحي البلدة على بهائمهم، ويرفض شراء الأراضي رغم إلحاح زوجته عليه…
كان يقول: إن الله سخره لفتح بيوت الناس.
كان يأمرني صغيرًا كل شهر، في أول يوم منه، أن أجهز له الركوبه المطواعة الهادئة والخابرة بكل بيوت من أحبهم وأحبوه. لا تحتاج لأحد أن يدلها… في البداية كنت أسحبها من رباطها، وكان يشير علي: “بيت الحاج عبد الرحمن”… أوافقه. نصل إلى البيت وننادي على من فيه، أو ينقر بعصاه على الباب. يخرج لنا أحد ساكنيه ويتعجب قائلًا: “سلامة عقلك يا عم مفتاح”.
أغمز له كي يقول: إن الحاج عبد الرحمن ذهب لقضاء حاجة، وسنخبره عندما يأتي أن الحاج مفتاح سأل عليه… بعد ذلك الحاج لطفي، والحاج محمد، ولا ينسى المرور على بيت المقدس رسمي. نفس الإجابة. يقف على الباب، تنسال دموعه فيمسحها بكم جلبابه…
أصبح المشوار روتينيًا كل أول شهر، والركوبه تعرف طريقها من كثرة ما ذهبت. كانوا يضعون أمامها مقطفًا به بعض كيزان الذرة أو بعضًا من الفول.
لا يتذكر من سيرتهم إلا واقعة الغازية التي يحكيها لنا مرارًا، ولا أعرف لماذا… هل لأن حكيها كان يبهجه ويجعله يضحك حتى تدمع عيناه؟ ويذكرنا دائمًا أنهم حجوا صغارًا على أربعة جمال أشداء: نحن الثلاثة إلى الحجاز، والمقدس رسمي إلى فلسطين.
يومها سمع أن هناك فرحًا في “ميت كنانه”… دعاهم لذلك. خرجوا بعد العشاء. كانت أضواء الكلوبات تتلألأ من بعيد. ليلتها أخرج كل منهم جنيهًا كاملًا نقوطًا للغازية.
قرب الفجر ذهبوا إلى ميضة المسجد، بعد أن هدهم التعب من المشوار والفرجة… يتغامزون ويتضاحكون ويتذكرون مفاتن الغازية… ويكبش كل منهم على مكمنه، وكلما نادى أحدهم الآخر لا ينادي عليه إلا مسبوقًا بكلمة: “يااا حاج”.
حينها كان خادم المسجد يقترب… سمعهم، فتسلل على أطراف أصابعه، وعندما اقترب صرخ فيهم وسبهم بآبائهم. قاموا مسرعين يتخبطون، ولم ينسوا أن ينادي أحدهم الآخر: “اجري يااا حااج”، دون أن يلبسوا أحذيتهم. فما كان منه إلا أن أخذها ورمى بها في الترعة المجاورة للمسجد، وهو يصيح فيهم بأعلى صوته: “انزل يا حاج جله هات المداس”.
عمي مفتاح النجار الذي بنى أربعة أسبلة في أنحاء البلدة لعابري السبيل، لا يعرف أن الركوبه المطواعة، والتي تعرف دور من أحبهم وأحبوه، ماتت منذ زمن بعيد، وأن “أنطوني كوين” مات قبل أن يجسد سيرته.











