د. سيد ضيف الله
عماد أبو صالح في ديوانه الأول “أمور منتهية أصلا” الصادر عام 1995، يخدعنا بعنوان مشبّع باليقين؛ حيث يطالبنا نحن القراء بالتعامل مع القصائد داخل الديوان على أنها مسلّمات أو تحصيل حاصل، فقد حدث كل شيء وانتهى، ولم يعد أمامنا سوى أن نفتح الديوان باعتباره كتاب تاريخ لا يجب أن يتسرب لقارئه الشك في أحداثه.
وقد اخترت عنوان هذه المقالة على هذا النحو استلهامًا لعنوان إحدى قصائده ولأكشف تكنيك المفارقة في صناعة الشعر في هذا الديوان؛ فالعنوان مشترك بيني وبينه، ففي الديوان قصيدة بعنوان (العالم حلو)، وهو عنوان ينطوي على مفارقة لغوية ثقافية سوف تتضح بالتحليل، والقصيدة تقول ما يدلل على العنوان وتنفيه في الوقت نفسه، لتكون الحلاوة موضع شك ينتقل من القصيدة إلى عنوانها، فتتعطل حركة اليقين من العنوان إلى القصيدة. حلاوة العالم خديعة، بينما حلاوة الشعر في عنوان المقالة يقين مطلق لا يتسرب الشك إلى قاريء الديوان في استطعام مذاقها ليس في قصيدة العالم حلو وحدها وإنما في كل قصائد الديوان.
ولعل أوضح تعريفات المفارقة بالنسبة لي ما قدمته د. نبيلة إبراهيم رحمة الله عليها في كتابها “فن القص في النظرية والتطبيق”، حين عرفت المفارقة بأنها “لعبة لغوية ماهرة وذكية بين طرفين: صانع المفارقة وقارئها، على نحة يقدّم فيه صانع المفارقة النص بطريقة تستثير القاريء وتدعوه إلى رفض معناه الحرفي وذلك لصالح المعنى الخفىّ الذي غالبًا ما يكون المعنى الضد، وهو في أثناء ذلك يجعل اللغة ترتطم بعضها ببعض[1]”.
إن ارتطام اللغة ببعضها في ذاته يثير القاريء الذي لا يتنازل عن اقتطاف المعنى من حركة الارتطام، وبالتالي القاريء شريك أساس للشاعر في الخروج من أمواج المفارقة المتلاطمة بمقصد الشاعر من قول ما لم يريد قوله بشكل مباشر، ليس خوفًا من المباشرة وإنما لاستعذاب حلاوة الشعر مع قاريء تثيره المفارقة وتسعده والقاريء كسر المألوف والسخرية من اليقين الذي تُقال به الأفكار الكبرى عنا وعن عالمنا الحلو!
اللعب باللغة متعة شعرية عظيمة في ذاتها، لكن المفارقة التي ينسج بها عماد أبو صالح بعض قصائد هذا الديوان تتجاوز الاستمتاع باللعب في ذاته إلى تحويل العالم إلى دُمية يفكك الشاعر مكوناتها ويعيد تركيبها على نحو فاضح فيتشفّى وينتقم من “العالم الحلو”وهو يلعب. ويمكن أن نلمح انسجامًا بين مفارقات الديوان يسمح بتكوين خطاب استعاري مستند على المفارقة ، الأمر الذي يعني أن المفارقة لا ترد بشكل جزئي أو عشوائي تحت إلحاح تركيب لغوي طاريء على ذهن الشاعر، وإنما نميل إلى القول بأن ثمة رؤية للعالم تنبعث منها تمثيلات منسجمة لعناصر العالم الشعري من بشر وحيوانات وطيور ومدن وقرى ونساء ورجال..إلخ. ومن ثم تأتي المفارقات اللغوية شديدة البساطة مدهشة في قدرتها على تكثيف تلك الرؤية المنسجة للعالم في صور تكاد تكون مبتكرة لأول مرة فيستقطر منها القاريء حلاوة الشعر المدهشة.
إن ارتطام اللغة دون إمساك بدفة الخيال يُغرق القصيدة في الغموض ويضل الشعر طريقه ويستعصي على التأويل، فإذا كان الشاعر يفكر بالصور الشعرية ويخرق قواعد اللغة ويخرج على المألوف ثقافيًا ليبتكر صوره الشعرية، فإن الخرق للقواعد والخروج على المألوف لا بد أن يكون بحساب دقيق لأن الإفراط في الانزياح بحسب تعبير جان كوهن في كتابه بنية اللغة الشعرية يفضي إلى استعصاء على التأويل وما يستعصى على التأويل لايكون شعريًا إلا عندما يعود ويصبح قابلاً للتأويل فيعود للكلام انسجامه ووظيفته التواصلية[2].
وأزعم أن حلاوة الشعر تصل لذورتها عندما يشعر القاريء بقدرته على الوصول لتأويل منسجم للصور الشعرية ليس على مستوى الصورة الواحدة أو القصيدة الواحدة، وإنما على مستوى خطاب استعاري منسجم يلضم فيه صورة تلو أخرى بحيث يرسم في ذهنه بشكل مكثف رؤية العالم لدى الذات الشعرية. وهنا يمكن أن نستمتع بلضم مفارقات ديوان “أمور منتهية أصلا” بقدر بسيط من التأويل لنصنع منها خطابا من المفارقات اللغوية والثقافية ذات الطبيعة المجازية فنرسم بها صورة مكثفة لرؤية العالم لدى عماد أبو صالح في ديوانه الأول.
يستهل عماد أبو صالح ديوانه ببطاقة تعريف للذات الشعرية مستخدما ضمير الجماعة (نحن) التي ينتمي إليها انتماء يسمح له بالتحدث عن وعيها بذاتها. فكيف تعي الذات الشعرية المنتمية لأبناء الفلاحين ذاتها؟!
نحن
-أبناء الفلاحين-
يزرعوننا
ثم يجهزون مناجلهم
هذه الصورة الشعرية تجمع بين مجال الزراعة والتربية، لكن المفارقة في عدم الوقوف على حد الزراعة وإنما استكمال الاستعارة بربط الزراعة بالحصاد، فإذا كان المألوف في الموروث الثقافي أن منْ زرع حصد، فإن كل مزروع لابد من حصاده. وهنا تتكشف لنا أسباب الدهشة من الامتداد بالاستعارة (التربية زراعة) ليكون حصاد الأبناء بالمناجل نتيجة طبيعية لزراعتهم. فهل يكافيء الفلاحون أنفسهم على زراعتهم لأبنائهم بأن يحصدوهم بالمناجل؟! إن مثل هذا التساؤل يلفت انتباهنا إلى أن الصورة الشعرية لم تحدد لنا المشار إليه بضمير الجمع الفاعل في (يزرعوننا) واكتفت بتحديد المفعول به (نا أبناء الفلاحين)، مما يفتح الباب للتأويل لتحديد الضمير الجمعي المجهول الذي يزرع أبناء الفلاحين ليجهزهم للمناجل إذا كان الآباء لا يحصدون أبناءهم بالمناجل! أما إذا ارتضى القاريء أن يستسيغ تمثيل الآباء الفلاحين قساة على أبنائهم لدرجة حصدهم بالمناجل فذلك يفتح الباب أمامه لعلاقة أبوية قاسية متوترة تدفع الذات الشعرية لمقت ذلك العالم القروي والهروب لخارجه والارتماء في حضنه.
إن الذات الشعرية التي تجهز للحصد بالمناجل ذات غاضبة في قصيدة “الغريب”، لكن غضبها لا يتم توجيهه لعالم الفلاحين في القرية، وإنما الغضب على المدينة وتفاصيلها الحياتية لأن أبناء المدينة يعيشون حياة عادية لا يتمتع بها أبناء الفلاحين من منظور الذات الشعرية.
أريد أن أمزِّق ستارة الجيران
بقبضتي
والرجال ذوي الكروش
أن أكسِّر مصابيح أعمدة الإنارة
أن أرش المازوت على رجل معه امرأته
وطفله القذر ممسك بيديهما
وأرطم رأسي الولد والبنت
اللذين يتبادلان الحب بالمقهى
إن هذه التفاصيل العادية لحياة المدينة لا تستدعي ذلك القدر العالي من الحقد والغضب من الذات الشعرية إلا إذا كانت ذاتًا تعي نفسها مجهَّزةً للمناجل. وهنا تتضح مفارقة أن تكون الذات الشعرية ابنة الطبيعة قرينة القرية على مستوى الجغرافيا لكن سُلبت القرية فانتقلت طبيعتها إلى المدينة على مستوى حياة البشر ، فصارت المدينة جنة طبيعية تثير الحقد والإحساس بالحرمان لدى الذات الشعرية ابنة الطبيعة القروية.
إذا كان الغضب في قصيدة (الغريب) حادًا وكاشفًا عن رغبة انتقامية من الذات الشعرية، فإن وعي الذات الشعرية بنفسها لا تعبر عن هذا الغضب من منطلق الإحساس بالمظلومية أو النظر للنفس على أنها نفس ملائكية في مقابل شيطنة واعية ومتعمدة لأبناء المدينة، فمثل هذه الثنائية لا تعرفها قصائد عماد أبو صالح في هذا الديوان لأنها ثنائية تستند ليقين خادع لا يتسق مع تقنية المفارقة التي يعتمد عليها الشاعر كثيرًا في هذا الديوان لتفجير مستودع اليقين الثقافي في ذاكرته وهو يصوغ رؤيته الشعرية للعالم.
ثمة رغبة في الاعتراف بالشر الكامن في النفس، وأن الغضب والرغبة في الانتقام ليس مجرد منبع للشعر لذاتٍ ترى نفسها في معاناة أبدية تستعذب آلامها لتستحلب منها الشعر، وإنما يصدمنا عماد أبو صالح في قصيدته(ديدان شهية يا حبيبي) ٍ باعترافٍ عن الذات الشعرية ويدعونا لأن نراها خلافًا للمالوف في الموروث الشعري والثقافي ذاتًا سيئة شريرة، مما يُعطي الشر جمالاً يليق به ولا يُنتقص منه عدم توفر الفرصة بعد أمام الذات الشعرية التوّاقة للانتقام والممتلئة بالحقد الوجودي على العالم الذي زرعها وجهّزها للمناجل.
أنا سيئ جدًا ولست طيبًا أبدًا
فقط أنتظر فرصة مناسبة.
اعترافات الذات الشعرية بالشر دفاع عن النفس أمام نفسها لمواجهة قسوة العالم من حولها، ويتطور هذا الاعتراف بالاستعداد لممارسة الشر إلى ممارسة تخييل الشر باحترافية يستحق عليها بطولة سينمائية حين يرسم مشهد تفاصيل مشهد سقوط أولئك الذين يُخاطبهم منذ مفتتح الديوان بالضمير أنتم (تزرعوننا) ويخاطبهم في مشهد الانتقام المتخيل في قصيدة (سأميل برأسي إلى الخلف وأضحك)، لا يحتاج الشاعر أكثر من تخيل مشهد سقوط على السلالم، لكي يسمع اسمه حين يرجونه أولئك الذين زرعوه ليجهزوه للمناجل أن يرحمهم.
قلوبكم التي ستنفرط فجأة
حينما ستسقطون على السلالم
لن ألفها لكم في المناديل
سأفقأ فقاعات دمائكم بجزمتي
وأشير إلى وجوهكم بسبابتي وأنا أضحك
أضحك وأنا أقلد الحشرجات:
“ناولني قلبي يا عماد
ناولني قلبي والنبي”
لا تكتفي الذات الشعرية بالتخييل الانتقامي من عالمٍ زرعها ليجهّزها للمناجل، وإنما تخلص في التفتيش في الذاكرة لتعثر على أسرار البدايات الأولى لميلاد شرير فطري يدافع عن حقه في حنان أمه التي يشعر بالغيرة من الإوزات؛ فالأوزات تحظى برعاية ودفء أم يكتم ابنها احتياجه لحنانها ربما خجلاً من التعبير عنه في عالم القرية. تعترف الذات الشعرية بقتل إوزة أو إوزتين فيبرأ عالم المدينة من أن يكون السبب الوحيد لجعل الذات الشعرية ذاتًا مجرمة؛ إذ تبدو للقرية فضل زراعة الذات الشعرية على الإحساس بالحاجة للانتقام من أسباب اغترابها منذ الطفولة، وإقامة علاقات غير مألوفة مع ما هو مألوف وموروث ثقافيًا؛ فرعاية الأمهات لطيور البيت من مألوفات الثقافة الريفية لكن توليد هذا المألوف لعلاقة غيرة بين الطفل وهذه الطيور تخييل شعري يستدرجنا لاستطعام ملمح فريد للاحتياج العاطفي للطفل باعتباره بذرة لن تثمر سوى ذات شعرية مغتربة.
انظروا لها هذه الخضراء الرقيقة
لكم أود أن أقبض عنقها الجميل
هذه التي سرقت منهي أمي صغيرًا
(وبيني وبينكم لقد قتلت بالفعل
إوزة أو إوزتين)
كانت تنيمها معنا في حجرتنا الصغيرة
تدفئها وتطعمها في موعد محدد تمامًا.
إن العلاقة غير المألوفة التي تولّدها الذات الشعرية (الغيرة من الإوز) بقدر ما تجسد احتياج عاطفي وبذور اغتراب فإنها تجسّد مدى تأثر تلك الذات الشعرية بالعلاقات غير المألوفة بين الإنسان والكون المختزنة في ذاكرته طقوسًا يومية تمارسها الأم، فالحسد معتقد جمعي ثقافي لكن تحويل القمر لحاسدٍ تخاف منه الأم على دجاجاتها
صورة شعرية مبتكرة وفريدة لا تصل إليها إلا ذات شعرية تجسدت الميثولوجيا أمام عينيها وتألمت باغترابها الفردي في عالم جماعة يندمج إنسانها مع عناصر الكون من وحيوانات وطيور وقمر وشمس ..إلخ. ففي قصيدة بعنوان “حسد” ترسم الذات الشعرية مشهدًا غرائبيًا بامتياز لا نستطيع أن نتخيل حدوثه دون ضحك أو الشك في جنون تلك الأم التي تهش القمر بعصا المقشة كي لا يحسد دجاجاتها.
أمي تصعد سطح منزلنا
تمسك يد المقشة
وتزجر القمر بعيدًا
كي لا يعرف عدد دجاجاتها
لا شك أن الذات الشعرية التي ترسم صورة الأم وهي تهش القمر وتدفيء الأوز وتنيمه في حجرتها هي ذات شعرية مشبّعة بجينات قدرة تخيلية لعوالم لا يمكن حسم انتمائها للواقع أو للخيال، بالأحرى للنقطة التي تولد عندها الدهشة وتبقى دون زوال. إن العالم الذي يستمد منه عماد أبو صالح صوره الشعرية لا يحتاج لجهد في التخيل بقدر ما يتطلب الإنصات لطبيعة العلاقات بين أركان هذا العالم، المرئي منها واللامرئي، وهو مايفعله عماد باقتدار. إنه ليس راويًا لعلاقات هذا العالم من خارجه، إنه بمثابة راوٍ يلتقط الصور بعين الكاميرا ولا يطلقها إلا بعد أن يعرضها على ذاته المغتربة فتخرج لنا مزيجًا مدهشًا من البوح والرصد، إنه مزيجٌ يولِّد المفارقات من منطقة توهمنا لثنائيات (المرئي – اللامرئي)، (الذاتي- الموضوعي).
إن الذات الشعرية ابنة شعرية لعائلة شديدة العادية لكن حركة الزمن وتقلب الأنساق الثقافية عبر الزمن جعلت صورها شديدة الغرابة؛ فالأب مثل آبائنا تربينا على خشية سماع صوته ونحن في وضع لا يليق أن يرانا به، لكن وراثة صوت الأب تحيل الخوف من صوت الأب إلى خوف من صوت الذات الشعرية في وحدتها
نبرات صوتي كنبرات صوت أ بي تمامًا
أحيانًا أطفي سيجارتي في كفىّ
حين أتحدث فجأة
وكذلك الأم في هذه العائلة العادية بإفراط، مثل أمهاتنا شديدة الحنان، لكن تقبيلها يحتاج لخطةٍ وإرادة قوية من طفلٍ يعشق الوحدة ويخجل من المشاعر.
انظروا لأخي الذي تقبّله أمي
أليس يشبهني تمامًا
ويمكن أن أغافلها
فتقبّلني أيضًا؟
إن الذات الشعرية تتجاوز ثنائية القرية والمدينة حين تنجح في رسم صور شعرية بالحفر في الذاكرة لتكشف لنا عن دور القرية في زراعة ذات مهيأة للعب أدوار جارحة للمشاعر في المدينة، لا تبريء الذات الشعرية المدينة من القسوة والزيف وإنما تفضح إضافة إلى ذلك استعداد الذات الفطري لاستقبال الذل والتكيف معه بحكم التنشئة. ومن الملفت أن التقاط التدريب على التكيف مع الأدوار المرسومة للقروي في المدينة التقاط لا يمكن تطبيق ثنائية ذاتي وموضوعي للحكم عليه شعريًا، بل الأرجح أن اختلاط الذاتي والموضوعي هو ما يُضفي على الصور الشعرية حيويتها وفرادتها، فما يتم التقاطه متكرر وعادي ومألوف لكن لا يمكن إدراكه وقراءة أبعاده إلا بعد أن تقدمه ذات شعرية تحمِّل العادي بدلالات مكثفة وفق رؤية للعالم تدعم الشك في المرئي واليقيني وتنفي عن القصائد الوقوع في شرك اليقين الذي نصبه عماد أبو صالح للقاريء باختياره عنوان هذا الديوان “أمور منتهية أصلا”.
نشير هنا إلى صورتين شعريتين تجسدان التقاط الذات الشعرية لتكيف القروي مع تقاصيل الحياة في المدينة؛ الأول تدريب القروي على أن يكون بوابًا ومنحه هوية هجينة!
البواب القروي
ينزع يد المقشة ويضع يد فأس مكانها
إن الغضب الشعري هنا يطول الهجنة باعتبارها حصاد المناجل لأبناء الفلاحين الذي تمت زراعتهم مجهزين لها، فالهوية الهجينة للبواب القروي لا تحيل المقشة فأسًا بل أفسدت المقشة وأفسدت الفأس معًا، والهجنة هنا لا تعيد البواب فلاحًا وتبقيه ذاتًا تعاني في عالمين لا يعترفان بوجوده، ولا تكتمل هوية أي ذات إلا بالاعتراف به من ممن يحيطون به، والاعتراف بهويته الهجينة اعتراف بنجاح زراعته وتجهيزه للمناجل.
أما الصورة الشعرية الثانية، فهي أشد قسوة وأكثر ذكاءًا في التقاطها لأن الذات الشعرية تعيد تأويل طقس قروي متكرر باستعادته من ذاكرة الطفولة لكن بعد تقديم قراءة جارحة للذات القروية في سياق السعي لنيل اعتراف المدينة بوجودها.
بكل أسف
عملنا قوادين
-نحن الأولاد القرويين الصغار-
الذين حملنا بطاتنا
ليضاجعها ذكور بطات الجيران
إن تفتيش الذاكرة للقول بدور القرية في تدريب أبنائها على القوادة بشكل طقوسي عفوي، يجعل من الذات الشعرية الغاضبة على المدينة والساعية للانتقام من شخوصها وتفاصيل عالمها بالتخيّل ذاتًا جارحة ومجروحة؛ حيث تغدو هي الذات والموضوع في آن، ويتداخل في جيناتها الشعرية المرئي واللامرئي، ومن ثم لا يمكن لمثل هذه الذات الشعرية أن تقدم رؤية متسقة منسجمة منحازة لأي طرف من أطراف أي ثنائية مطروحة عليها، بل إنها تعي أنها متورطة في نسق ثقافي وجمالي يعيد لتجاور المتناقضات قيمته ويعلي من صدقه الفني والحياتي.
ويمكن أن نلتمس ذلك الملح بوضوح من المفارقة التي تنبني عليها قصيدة العالم حلو، فالعنوان دليل خادع يقودنا في خريطة مزيفة لاكتشاف أسباب تحتاج إليها الذات الشعرية بعد أن فقدت القدرة على الغضب وربما بعد اكتشاف أن التخييل الانتقامي بالقتل لشخوص هذا العالم لم يعد يحقق له هدوءًا نفسيًا يكفل له الاستمرار في العالم. وهنا تقرر الذات الشعرية زاوية رؤية للعالم تكفل لها رؤيته بجدية من موقع الجلاد لا من موقع الضحية لكنها الضحية التي استسلمت ولم تعد قادرة على الغضب بقدر ما هي راغبة في إظهار قدرتها على السفسطة كطقس من طقوس الحياة اليومية في العالم.
اللصوص يسرقون الأغنياء لئلا يفسدوا
والمحاربون يهدمون المنازل
لننسقها بطريقة أفضل
الشحاذون لا يجبروننا على شراء الحسنات
الأصدقاء يخدعوننا
ليدربونا على أن نكون أكثر رجولة
إن السفسطة التي تمارسها الذات الشعرية لإثبات حلاوة العالم تتجاور مع تسريب الذات الشعرية لقدرتها على الرؤية وهي ترصد حلاوة العالم، فتصبح حلاوة العالم مثبتة ومشكوك في صحة رؤية الرائي لها، أو على الأقل رؤية ما لا يراه الآخرون الذين يطالبهم بالنظر إلى هذا العالم من زاويته الخاصة.
العالم حلو
انظروا كم هي رائعة هذه البنت هناك
لا، هذا رجل.. ركِّبوا نظارات
ومع ختام القصيدة وبعد أن أقنعت الذات الشعرية باحتمالية الاقتناع بسفطسته العقلية رغم ضعف قدرة أو قدرتنا على الإبصار، فإنه يتخلى عما بناه من أساب للإقناع بحلاوة العلام ليقدم لنا يقينه الشعري في سطر مكثف وكأنه الشهادة الأمانة التي يحملها لابنته أو حبيبته حين يناديها بـ”ماما”.
يا ماما
ناس حزانى!
وبذلك تصبح القصيدة استطرادًا طويلاً عن حلاوة العالم يتشكك فيه القارئ بل تتشكك الذات الشعرية نفسها في وضوح الرؤية وهي ترصد هذه الحلاوة،وتكثيفاً قاسًا لحزن الناس في هذا العالم فلا يخالج القاريء شكٌ في أنه اليقين الشعري.
لقد جرّبت الذات الشعرية في هذا الديوان التخييل الانتقامي الغاضب من العالم، وجرّبت بناء صور شعرية لخداع نفسها بإمكانية التعايش والتكيف مع هذا العالم، وجرّبت التفتيش في الذاكرة الجرثومة الموجودة في أصل الشجرة منذ النشأة لتقبل بقدرية الوجود ذاتًا مغتربة أو هوية هجينة مثيرة لازدراء الذات لنفسها أو مثيرة للشفقة، ومع تعدد محاولات تجريب الحياة المألوفة على نحو غير مألوف لم تنجح في اتخاذ قرار حاسم بالتخلي عن العالم رغم رتابته وقسوته. إنها ذات شعرية لا تعرف الحسم لأنها لا تروِّج ليقين ما، بقدر ما تبني العالم على صورتها في القصيدة ليظهر بوضوح على أنها متناقضات متجاورة، مثلها مثل نيرمين -في قصيدة باسمها- حيث تشك الذات الشعرية في أن الله سيحاسبها أصلا، و تثق في الوقت نفسه أن الله سيقذف بها حتمًا في الجحيم!
نيرمين
وهل سيحاسبها الله مهما ارتكبت من آثام؟
(إن ارتكبت أصلاً)
….
وهي
كذلك
شهوانية جدًا
يوهو هووه
…
والله
حتمًا
سيقذف نيرمين في جهنم
يا إخواني
إن صورة العالم “الحلو” تناقضات متجاورة متعايشة تعايش تمثيلات نيرمين في قصيدتها، وتعايش تمثيلات الذات الشعرية لأيامها في هذا العالم الرتيب.
حساء مندلقة على قمصان بيضاء
هذه هي أيامي
ملامح الوجوه الوسخة التي تلتصق بعينيّ
تسد حوض الغسيل كل صباح
الجمعة الماضي هو الثلاثاء القادم
لا طرق جديدة لطبخ الفاصوليا
إن الوعي الشقي بالعالم باعتباره طبخة تقليدية لا يمكن الوصول لطريقة جديدة لطبخها، بل عليك أن تتناولها بطبختها التقليدية لأنه لا بديل لهذه الطبخة سوى الانتحار، فإن التفكير في الانتحار بالخروج من العالم حين يكون واردًا فإن الذات الشعرية تتعامل معه بالرؤية نفسها التي أدركت بها العالم وهو عدم الترويج لليقين حتى لو كان هذا اليقين هو الرغبة في الخروج من العالم الرتيب القاسي.
كيف سأكمل الثالثة والستنين؟ أنا خائف
من فضلكم ابتعدوا
أكره ما علىّ أن أكون ذاهبًا لأموت
ويمنعني أحد
سأنتحر يعني سأنتحر
فقط أمسكوا أطراف ملاءة وقِفوا قريبًا
ربما أغيِّر رأيي عند الطابق السابع
لا صفوة للقول مع عماد أبو صالح، فالقول الصافي قول غير شعري حين يكون الشعر يكتسب حلاوته من ارتطام اللغة ببعضها ليصنع مفارقات لغوية وثقافية تنبع من رؤية للعالم “الحلو” على طريقة عماد أبو صالح فترتسم صورة العالم على الذات أو تنقش الذات صورتها في عين العالم ذاتًا مغتربة تستطعم الشعر من نسق جمالي وثقافي لا حدود فيه بين المرئي واللامرئي والذاتي والموضوعي، ولا نقاء فيه بل هجنة، ولا أحادية فيه بل تنوع وتعدد، ولا حقيقة فيه بل مجازات.
…………………………..
[1] نبيلة إبراهيم: فنّ القصّ في النظرية والتطبيق، مكتبة غريب، (د.ط)، (د.ت)، ص 198
[2] جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986. (ص6).




















