باسم الجنوبي
التكيّف مع مجتمع مُستبد يكون بالمرض، والثورة والتمرد عليه أولى علامات الصحة النفسية.
– فرانز فانون.
حين تُغلق الميادين، وتُطوى اللافتات، ويخفت الهتاف، ويعود المتربصون إلى أماكنهم، ويرتاح الشهداء في مقامهم، لا يعني ذلك أن الثورة انتهت؛ وإنما تنتقل من الميادين إلى الذاكرة، ومن الهتافات إلى الحكاية، ومن الأخبار العاجلة إلى الرواية. وما يعجز التاريخ عن قوله بالأرقام والوقائع، قد تقوله الرواية على لسان أحد أبطالها، بذاكرته المرتبكة، بخوفه، بغضبه، وبجنونه أحيانًا. فمن قال إن الثورات ماتت، عليه أن يراجع الأدب؛ ليجد هتافاتها ما زالت هادرة، ومطالبها ما زالت قائمة، حقوقها ما زالت مُرادة، ومصابوها وشهداؤها ما زالت دماؤهم تجري على الصفحات. مئات الروايات كُتبت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن الثورات وأسبابها ومآلاتها وخيباتها والحنين إليها.
عن الثورة الروسية كتب بوريس باسترناك «دكتور زيفاجو»، وميخائيل شولوخوف «الدون الهادئ»، ومكسيم غوركي «الأم»، ويفغيني زامياتين «نحن». وعن الثورة المصرية كُتبت أعمال كثيرة، منها «أنا عشقت: 2012» لمحمد المنسي قنديل، و«باب الخروج: 2012» لعز الدين شكري فشير، و«سقوط الصمت: 2013» لعمار علي حسن، و«ديجافونمرة تسعة: 2013» لأحمد يوسف شاهين، و«كراسة التحرير: 2014» لمكاوي سعيد، و«عطارد: 2015» لمحمد ربيع، و«باولو: 2016» ليوسف رخا، و«جمهورية كأن: 2018» لعلاء الأسواني. في هذه الكتابات تتحول الرواية إلى تاريخ طبيعي موازٍ؛ تسجل التاريخ الاجتماعي للثورة، وتحكي جرائم السلطة المتغطرسة ولا مبالاة المجتمع، تنوح على مظلومية الشهداء والمصابين والأحلام المتكسرة، ترثي المطالب الإنسانية المغتالة والآمال المصلوبة.
روايات توثّق وتؤرّخ وتتذكر، وتقيّم وتستشرف وتحذّر. ومع ذلك كله تحفظ الثورة بوصفها تجربة إنسانية مكتملة لا مجرد حدث سياسي. لكن ماذا لو لم يعد السؤال: لماذا قامت الثورة؟ بل: ماذا فعلت الثورة بمن عاشها؟ عند هذه النقطة يمكن أن تنتقل الرواية من الأدب السياسي إلى أدب الجنون؛ من مديان الثورة إلى ميدان العقل، ومن الهتاف الجماعي إلى الصراخ الفردي، ومن سؤال السلطة إلى سؤال الإنسان الذي لم يعد يعرف إن كان العالم من حوله قد جنّ، أم أنه الوحيد الذي بقي عاقلًا.
عكس اتجاه الصحب: إلى الجنون كثيرًا
هنا تعيدك السطور إلى ميدان التحرير قبل وضع مسلته، إلى صوت الثورة قبل محاولة تكميمها، وإلى ما قبل الثورة بكل وجعه وإلى ما بعدها بكل ندمه وتحسره. اختار الروائي عمرو دنقل، أن يكون بطل روايته “عكس اتجاه الصخب” هو الجنون، لم يمثله مجرد شخصية محورية (طاهر علوي) ليحكي بها قصة مجتمع مهدور وثورة مقهورة، بل كان الجنون كذلك في اللغة والأحداث العبثية المُرتبة ترتيبًا ذكيًا، ليقول ما شاء صراحة، وما لم يقله صراحة كان أكثر.
طاهر علوي؛ بطل الرواية الذي يوحي اسمه إلى ما يرمز إليه، تبدأ به الرواية كقاتل معترف، يصف جريمته بـ “الفعل الثانوي”، في إشارة إلى أن الاهتمام بالقتل والمقتول لا يتوقف على النفس التي قُتلت، لكن على الموقف الذي تم فيه القتل «مقتل شخص داخل حي سكني هادىء لن يكون له وقع إزهاق روح جندي على جبهة الحرب مثلًا.»، في رسالة ضمنية ترثي الشهداء الذين يتحولون إلى مجرد أرقام في الثورات حتى هذه الأرقام لا يتذكرها أحد حتى لا تُفضي إلى السؤال عنهم؛ لأنه جرى ويجري تحريك الجماهير واهتماماتهم وحبهم وكراهيتهم دون أن يشعروا «علل مجهولة تحرك فينا الحب والكراهية والذاكرة». لكن بداية حكاية طاهر – الطبيب النفسي – المجنون تظهر في نهاية الرواية، عندما يخبر زوجته أن عليهم تغيير محل إقامتهم لأن هناك من يطارده ولأن «الخطر أصبح قريبًا جدًا»، فيتم إيداعه مستشفى يتخيلها سجنًا يريد الهروب منه.
بنية العبث بين الأوراق والذاكرة
يقرر طاهر أن يكتب يومياته ومذكراته بما فيها من آثام ثقيلة ويعترف بها معتمدًا على ذاكرته: «كثافة الإثم ثقيلة جدًا وعند الاعتراف حتما سنتخلص من نصف هذا الثقل.»، لتظهر الرواية في فصول متتالية بين “من الأوراق” و “من الذاكرة”، يقرر كذلك أن يكتب رسائل مباشرة إلى الناس عبر قصاصات ينشرها إليهم عبر الشرفة، يخبرهم أنه المُنقذ والمخلّص لهم بما عايش وعاين من آلام لا يحتملها بشر إلا المُخلّصون، وهو مخلّص هذا الزمن، جاء ليُخرج العالم المدنس من آثامه، فكانت أول رسائله «أيها المواطنون؛ سأمنحكم الحرية كرها.»، يعرف أن مهمته شاقة لكن: «الفوضى تمنحنا الإحساس بضرورة الترتيب.». ويُؤكد ما يؤكده كل مُخلص قبله وبعده «لا أزعم أنني كنت يومًا شغوفًا بالقيادة، لكنها الأقدار، دعاني بؤسكم فاستجبت على الفور» ص26، ولا ينسى أن يُعرّف نفسه «أنا يَرقةٌ بائسة، لا تنتظرُ جناحَين، وتفضِّل المكوث على ما هي عليه. أخشى المجهول، ولا تُغريني الاحتمالات، وإن كان فيها ما يَبعث على الأمل. هكذا أنا، مختبىء في بوتقة اليأس عن آخري، ساكنٌ تمامًا؛ إن تحرَّكتُ فقدتُّ فُتاتي القليل الذي أظنُّه قد يصلُ بي إلى نهايةٍ آمنة.» ص63، ولكي يرد توهم التعارض بين وجوده كمُخلص وحياة الوحدة والزهد التي يُفضلها، يقول «عندما يعتقد الناس في مخلصهم، سيسهل عليهم التكيف مع كل ما يقول.»ص64.
من السجن إلى البؤس ثم المحكمة
في محاولته للهروب من السجن (في الواقع هو المستشفى النفسي الذي يمتلكه كطبيب نفسي) ليتمكن من مقابلة الجماهير العريضة (المتخيلة) يقتل حارسته وخادمته (زوجته التي تخيل أنه قتلها)، يخرج للجماهير ويكتب دستورًا ثوريًا أهم بنوده: فرض اختلاط الأجناس بين الجنس الأبيض والأسود والأصفر والزنوج، إلغاء الحدود والجيوش، توحيد اللغة في العالم، إلغاء الأعلام والأناشيد الوطنية، (إشارة إلى فلسفة ديوجين الكلبي)، في استغراق للأوهام أو المواءمات يصنع له صديق قريب؛ التمثال المسخ؛ الذي ينطق ويقول له «إن جاءتك الفرصة للانقضاض عليهم فلا تفوتها، ليس من أجل الانتقام وإنما لاستفزازهم، لعل أحدهم يرميك برصاصة الرحمة، عندها فقط سوف تنجو.» هنا تظهر فكرة (العداء للخلاص أو النجاة بالموت) الفكرة التي لا تظهر إلا مع سوداوية وظلامية كاحلة للواقع؛ طرحها ألبير كامو في رواية الغريب «ما كان يهم حقًا هو إمكانية الهرب، قفزة نحو الحرية… هروبًا جامحًا قد يمنحني فرصة للأمل، وبالطبع، كان الأمل يعني أن أُقتل في زاوية شارع برصاصة طائشة». استخدمها جورج أورويل في رواية 1984 «أن تموت وأنت تكرههم، تلك هي الحرية». وجاءت عند إيميل سيوران في كتابه موجز التحلل «المجتمع لا يتسامح معك إلا إذا كنت خاضعًا له؛ إنه سجن بلا حراس، لكنك لا تهرب منه دون أن تموت»، تواترت كذلك في أدب السجون. ومما تجملت به الرواية؛ هذا السرد شديد الأهمية والجمال للرؤية الأولى للمجتمع بعيون سجين مجنون، عندما خرج طاهر من السجن وصف الناس قائلًا: «أمارات العوز صارخة على الأبدان، الملامح كادحة، كانوا في السابق يذهبون إلى أعمالهم بدافع الحب.. الآن أصبحوا مسيرين بجاذبية الحاجة، حتى الملابس الملونة التي يرتدونها..ألوان كئيبة مشوهة». مستنكرًا كيف يعيش كل فرد في جزيرة منعزلة عن باقي الناس، كيف يسكر أحدهم منتشيًا بلذة الخمر، فيما يتجرع الآخر نوبات الألم المميتة للسرطان، مؤكدًا أنه لو أقدم إنسان على الانتحار؛ فكلنا مسؤولون بشكل ما، حتى لو كان بيننا وبينه آلاف الأميال، انتحار شخص هو هزيمة للجميع. هذا السرد المجمل لفكرة صدمة الاغتراب في غاية الأهمية؛ تناولها الأدب العالمي والعربي لشدة إنسانيته وعمقه، ويُذكر بالرجوع إلى صنع الله إبراهيم، الروائي والسجين السابق، الذي وثّق هذه التجربة في روايته (تلك الرائحة)، خرج من السجن ولم يجد حرية، وجد صدمة بؤس مكتملة في مجتمع سجين بأكمله.
وراثة المأساة وتدوير اللعنة
والد طاهر علوي، أستاذ الجامعة، المجنون السابق على ابنه في العائلة، أحرق بيته بكل ما فيه، وبعد نجاته من الحريق، اقتادوه إلى مبنى للعلاج، فـقفز من أعلاه منتحرًا، قبل أن تطحن عقله الأحداث، كان مُهيَّأً لذلك، فقد كان حتى مع أسرته وأطفاله حادًا، مؤذيًا، سوداوي المزاج دائمًا، زواجه كان قائمًا بالعقل فقط من أجل الطفلة الصغيرة، إلى أن انقطع بالجنون برغم وجود الطفلة وأخيها طاهر. بدأ جنونه قبل موت الزوجة، وبقائه وحيدًا أغلب الوقت والمبالغة في الحماية وقفل الأبواب والنوافذ، معللًا ذلك بأن «الخطر أصبح قريبًا جدًا». مات الوالد، وانتقل طاهر إلى بيت جده لأمه. عميد العائلة الذي يعيد صياغة أحداث العائلة بشكل يحفظ لها هيبتها ويحفظ له مكاسبه (الدولة العميقة)، في بيته الكبير تذكر طاهر أكثر المشاهد القديمة والعبثية حضورًا في رأسه يقول، مشهد تلقي خبر وفاة والده: «في البيت الكبير وجدت عدة نسخ من جريدة الأهرام، في صفحتها الأولى كُتب اسمي بين المتفوقين في امتحانات الثانوية العامة لذلك العام، وفي صفحة متأخرة خبر صغير عن تشييع جنازة أستاذ جامعي انتحر قفزًا من إحدى مصحات العلاج النفسي».
الميدان بطلًا وصدمة الفصام الجمعي
يظهر ميدان التحرير ليس بوصفه مجرد مكان في الرواية، بل كأحد أبطالها، حيث يجتمع الأحرار بلا قيادة، انتقام رجال أعمال الدولة في موقعة الجمل، تقديم القرابين بالدماء في محمد محمود. يقرر طاهر الذهاب إلى الميدان بوصفه المخلّص وبطل الجماهير الذي ينتظرونه بعد أن تلقوا رسائله، لكنه يكتشف بعد صدمات أنهم لم يروا رسائله ولا يعرفه أحد، فـيقرر السير عكس اتجاه الصخب، الاتجاه إلى حياته، ليجد حياته مرة ثانية وسط الثورة محاطة بماض ثقيل. يرجع إلى طبيبه النفسي، ليكتشف أنه نفسه الطبيب، الذي فقد عقله، وقتل وأصاب ونزل الميدان وقُبض عليه وعُرض على المحكمة؛ لكن كل ذلك كان فصامًا ووهمًا مُحكم الترتيب. لكن يبقى وهمًا منطقيًا، متسقًا وله حجته، خاصة دفاعه عن نفسه في المحكمة الذي يتسق مع قوانين المدينة الفاضلة التي وضعها بعد خروجه، يقول: «لا معنى للوطن إن انتهكت فيه كرامة المواطن، ما تصفونه بحب الوطن ما هو إلا ميل إلى الاحتماء بمجموعة من البشر، إن انتفى زالت العلة.. ما أردت للبشر إلا ما هو منصوص عليه في دساتيركم، أمنًا وغذاءً وكساء وصحة، أحكمتم عليهم الخناق ليتنازلوا بمحض إرادتهم في كل مرة عن مطلب أو يزيد، إن جاءتهم الصحة والكساء والغذاء تغافل عنهم الأمن، وإن سعدوا بالأمن جاعت بطونهم وارتعدوا من برد الشتاء على بلاط المشافي الرخيصة». هذا الاتساق في السرد هو ما يثبت أن الأدب لديه القدرة الأكبر على تحويل الفصام الفردي إلى تشريح جمعي، طاهر علوي لم يفقد عقله لأنه يعاني من خلل بيولوجي، بل لأن عقله كطبيب نفسي وكإنسان عجز عن استيعاب “الفصام الجمعي” لعائلته ومجتمعه بإعلامه وسلطته، فكان جنون طاهر هو الوسيلة الوحيدة المتاحة ليظل “طاهراً” و”علويّاً” فوق دنس الواقع وبؤسه.
الثورة: البراءة والعقاب معًا.
كذلك اتسق ظهور المادة 62 من قانون العقوبات في بداية الرواية وآخرها في المحاكمة؛ حيث تم استخدمها في الدفاع عنه، تنص على «امتناع المسؤولية الجنائية لفاقد الشعور أو الإدراك والاختيار». وفي التماسه واعتذاره عن سوء التقدير الذي قدمه بنفسه للمحكمة، أكد طاهر على أنه كان يمتهن الأمل واندفع مع موجة الحماسات القديمة، وكانت فكرة فاشلة إلى حد مأساوي، وأنه يعتذر لسجانه وكل من يهمه الأمر، لكن المحكمة حكمت بإصرار على المتهم طاهر “بالنفي داخل الوطن”. هنا نحن أمام فكرة جلد الذات الثورية بامتياز، اشتهاء الإدانة، حالة النقد الذاتي القاسي، الإحساس بالذنب، وجلد الضمير بعد فشل الثورة، أو انحرافها عن مسارها، أو تحولها إلى ديكتاتورية جديدة، أو بسبب عجزها عن التغيير الفعلي. التيمة الأدبية التي تم اُستخدمت كثيرًا بعد النكسة، خاصة عند نجيب محفوظ (ميرامار، السمان والخريف، ثرثرة فوق النيل)، حليم بركات (العصفور، عودة الطائر إلى البحر)، وتم استخدامها بعد الثورة كما في (جمهورية كأن) للروائي علاء الأسواني. لكن استدعاء الفكرة في رواية (عكس اتجاه الصخب) كان فريدًا، لظهورها في أول الحكاية وأوسطها وآخرها، مع استدعاء مشاهد محاكمة قادة الطيران بعد نكسة 1967، وتظاهرات عمال حلوان، وغيرها من الهزائم القديمة التي تلوح من وقت إلى آخر، وتُحذر من تكرار هزائم أخرى، لم تكن الهزائم فقط تتكرر، اللعنة كذلك تتكرر.
تُختم الرواية كما يليق بموضوعها، عبر نهاية مفتوحة بمثابة إعلان بفتح فصول جديدة للمأساة، وبداية دائرة جنون عابرة للأجيال. في السطور الأخيرة يظهر ابن طاهر الذي يبحث عن ثروة والده، يذهب وهو يلهث ويقول للطبيب: «إنهم يطاردونني، الخطر أصبح قريبًا جدًا». فمع ثروة الأب التي يُجمع على وجودها كل من حوله، لم يرث الأبناء أموالًا، لقد ورثوا الجنون. هكذا يظهر الأدب كشاهد أبدي على أن المأساة وإن تكررت، فإن الذاكرة لا تموت والأوراق خالدة، يسجل مرة بعد أخرى يوميات هذا الجنون المتوارث باعتباره “راية احتجاج عالية” تُرفع في وجه مجتمع قرر أن يبيع حريته مقابل أمن زائف وعيش مغشوش وحياة بلا عدالة.











