أسامة كمال أبو زيد
كان – السردين – يهل علينا في موعد متفق عليه مع البحر، كأن – سبتمبر – يكتب اسمه بماء فضي على صفحة الشاطئ. كنا نراه يقترب في صمت مهيب، كتلة واحدة تتحرك ترهب كل من يراها، بينما هي آلاف القلوب الصغيرة التي تنبض معا، وما أن تعرفها حتى تعرف طريقها الى ظلال روحك.
كان – السردين – كريما، بسيطا، قريبا من أيدي الجميع، حتى إننا كثيرا ما حملناه إلى البيوت بلا ثمن، كهدية من البحر لأبنائه. في موسمه كانت تتنفس عائلات الصيادين، تسدد الديون، تجهز العرائس، تشترى كل ما تحب وترغب، ويبدأ الحديث من عيون تطل على الغد. كان السردين موسما للرزق، وكان أيضا موسما للأمل.
وقبل أن يتبدل كل شيء، كانت المدينة نفسها تشبه سرب – السردين – ، متماسكة، لامعة، خفيفة الظل. كانت بورسعيد هادئة نظيفة، يحبها أهلها بشغف يشبه حب البحر. كانوا متحضرين، مرحين، مهرة، كأن البهجة مهنة إضافية لكل واحد منهم. يختلطون بثقافات العالم الوافدة اليهم، ويعودون بأحلام وألوان وعشق للحرية ورغبة فى التغيير. يلقون شباكهم في البحر، فيعودون بأصناف من النعمة. كانت الموائد عامرة، والمخابز تفوح برائحة الشوام والخواجات، كأن البحر المتوسط كله يخبز خبزه في شوارع المدينة.
نعم، كان هناك فقراء، لكن لم يكن هناك جوع. يكفي لمن ضاق حاله أن يمشي على الشاطئ، فيجمع من بقايا الرزق ما يسد أوده وأود أطفاله. كان الرزق يسقط من السماء أيضا، أسراب الطير القادمة من برد أوروبا، البط والشرشير والسمان والزرزور. مئات الكائنات التي تهبط على جزيرتنا كأنها هدية موسمية. ومن البحر كانت الأيدي تلتقط الدينيس واللوت والقاروص والجمبرى والكابوريا والوقار، ومن البحيرة ماء صاف يلمع مثل عيون الجنيات، ومن كل اتجاه كانت الطبيعة تتحالف لتصنع جنة صغيرة، لا يعرف سكانها إلا الشبع والطمأنينة. وفي موسم السردين كانت المدينة كلها تضيء، كأن الخير يمشي في شوارعها على هيئة سمك فضي.
وعلى طول شاطئ بورسعيد كان العرف القديم يرسم خرائطه الأشد صرامة من القانون. لكل عائلة بقعة صيدها ورزقها، ولكل بقعة أو مصيد حكاية، كأن الرمال تحفظ أسماء أصحابها. هنا ظل لعائلة، وهناك صوت لجد رحل، وبينهما فلوكة، قارب صغير، تستريح على الرمل كفرس عاشق ينتظر اشارة البدء لدخول الماء. يبدأ النهار بدفع الفلوكة إلى لمعة البحر الأولى عند غبشة الفجر، ويعلو صوت الريس، ويتحرك الرجال في قوس واسع، تلقى الشبكة كذراع يحتضن البحر، ثم يعود الحبل إلى الشاطئ فتشده الأيدي ببطء وصبر، كأنهم يسحبون الزمن نفسه.
وحين يقترب الضوء الفضي، حين تلمس أول – سردينة – الرمل وتلمع تحت الشمس، كانت القلوب تخفق قبل الأيدي. تتقافز الأسماك في محاولة أخيرة للعودة، ونحن الصغار نضحك، نشارك في السحب، فنكافأ بحفنة من البحر نحملها إلى بيوتنا. كانت القسمة عادلة، دقيقة، لكل رجل سهم، وللفلوكة نصيب، وللريس مكانه، وحتى الأصغر سنا كان له نصف سهم. وكانت بعض الأسهم تذهب الى حزن قائم على راحل، أو لفرح قادم لمتعثر، أو يد تحتاج بسبب الفاقة و الحاجة .
بعدها تمضي العربات في الشوارع، وينادي الباعة بصوت يعرفه القلب. يدخل السردين البيوت، فتتحول المطابخ إلى مهرجان صغير. يشوى، ويقلى، ويطهى سنجاري، ويحفظ لوجبة المساء. لم يكن طعاما فقط، بل كان طقسا يجمع العائلة حول رائحة البحر.
لكن الحزن تسلل إلى أبناء بورسعيد، لأن الفيضان احتجز السردين خلف السد العالي. كان الامر أكبر من عشقهم للسمك الذهبي، كان تغييرا في نبض الجغرافيا نفسها. لم يستطع أحد أن يجد حلا لمشكلة السردين، وكأن البحر كان ينتظر مصالحة لم تتم. ومع الوقت فهمنا أن تدخل الانسان في الجغرافيا والبيئة يجب أن يكون محسوبا، وأن كل خطوة تغير ملامح الماء قد تغير ملامح الروح أيضا. فالطبيعة تؤثر في أخلاق ناسها، وفي موسم الفيضان كان النيل يعلم شعبه التعاون والاتحاد في مواجهة الخطر، ويهمس في آذان المصريين أن الواحد للكل والكل للواحد.
بعدها بدل الزمن مواعيده. لم يعد يأتي السردين في موسمه، تأخر، ولم يعد له موعد مع البحر. ومع مرور الوقت وأمواج البحر غلا ثمنه، وابتعد عن موائد محبيه. صار ضيفا نادرا بعد أن كان جارا لكل بيت. كأن المدينة فقدت سربها، وفقدت معه خفة ظلها القديمة.
لم يكن السردين مجرد سمك نبيل، بل زمنا كاملا كان يلمع على الرمل، ثم انسحب مع الموج، تاركا في القلب فراغا يشبه البحر حين يغيب في ظلمته.













