“صور مقلوبة” وحداثة القصة الفكاهية العربية

صور مقلوبة أحمد رجب

عبد المنعم أديب

في عام 1969م، أتحفنا الكاتب والقاصّ الكبير/ أحمد رجب (1928 : 2014م) بمجموعته القصصية (صور مقلوبة). وهي من أفضل كتب القصص الفكاهي العربي، بل من صفوتها الخالصة .. وليس هذا تقديرًا مبالِغًا؛ فإن الكتاب قدَّم مددًا جديدًا لفن القصص الفكاهي، مثَّل “حداثة القصة الفكاهية العربية”.

أودع الكاتب الساخر في كتابه نقدًا اجتماعيًا حقيقيًا واقعيًا صرفًا، في صور ما أشد هزليتها وفكاهتها وإضحاكها! .. جمع فكرتها جمعًا مختزلًا في عنوانه البارع (صور مقلوبة). فقدم لنا عملًا قصصيًا معدودًا في مسار هذا اللون القصصي العربي، وخطا بالقصة العربية خطوة تستحق الوقوف لمطالعتها.

عالج رجب في مجموعته الكثير من جوانب نقد المجتمع، واختار صورة القصص الهزلي لها؛ لأن النفس البشرية تميل ميلًا نحو التباسط والضحك، وتتقبل النقد من باب الفكاهة أشد من تقبلها إياه من باب الجد. يطالع القارئ في المجموعة العيوب الاجتماعية والثقافية التي يشكو منها المثقفون، ويدبجون المقالات العديدة للتنبيه على أخطارها، وهذا جانب الجد. ثم يطالع القارئ في المجموعة تحويل هذه المشكلات المأساوية إلى صورة شديدة الهزل والإضحاك، فيعجب القارئ كيف حوَّل رجب نخزات المأساة إلى دغدغات إضحاك لن ينجو منها.

والسر -في رأيي- هو جمع أحمد رجب بين فنَّي القصة المكتوبة والرسم الكاريكاتوري الهزلي المنقوش. فقد حوَّل أحمد رجب شخصيات قصصه إلى شخصيات ذات طابع هزلي كاريكاتوري واضح، حيث يقوم هذا العمل الكاريكاتوري على تعظيم العيوب إلى حد يخرج عن إطار المألوف، فيُحدث للناظر فيه مفارقة صادمة، تدفعه إلى الضحك. كذا فعل أحمد رجب في قصصه. وليس هذا مستغربًا، وهو كاتب الكاريكاتور المنشور يوميًا على جريدة الأخبار، لعقود طويلة.

الكتاب جاد هازل، إن صحَّ الوصف جمعًا بين متضادين. سخر فيه أحمد رجب من أحوال الأدب والثقافة في عصره، وإقحام المذاهب الغربية الغريبة عن الثقافة العربية دون مبرر لها، ودون معرفة حقيقية لتفاصيلها، لمجرد النقل والوجود والاتباع. وامتد نقده لأحوال الثقافة في آفاق الأدب والرسم والنحت والسينما.

كما انتقد ثقافة المجتمع عامةً، مثل بعض ملامح تشدق المثقفين، وفلسفة الإعلانات الاستهلاكية التي غزت المجتمعات العربية، وبعض مظاهر الاستعلاء الرأسمالي، وبعض السلوكيات العامة على صعيدَيْ المؤسسات الحكومية والأفراد، وتغير معايير الوظائف إلى الواسطة والمحسوبية، وألوان الثقافة التي حطّت على المجتمع العربي، مثل مجتمع كرة القدم وثقافته.

ومتى اقتربنا من البناء القصصي للمجموعة؛ نلحظ أن قصصها جميعًا سُميت بصورة: صورة متحف سينما، صورة واحد فصيح،…. وجميعها اتخذت الطابع الشخصي. فجاءت في بنيتها على صورة المذكرات اليومية، تبدأ كل قصة باسم اليوم (السبت – الأحد – الإثنين…)، ثم يرد سرد ما حدث فيه من أحداث، أو ما انطبع فيه من انطباعات في نفس الشخص بطل القصة. وكل القصص -بناء على ما اختاره معمارًا لها- ذات بطل موحَّد، والبطل فيها هو الراوي. والقصص ذات شخصيات متعددة فرعية، بل تقوم على هذا العماد قيامًا؛ فيستغل رجب الشخصيات الثانوية في الإبانة عن جوانب المشكلة التي يناقشها.

والمجموعة جمعت -في مهارة- بين الفن القصصي والفن المقالي؛ حيث إيداع النقد الاجتماعي بتفصيلاته في سلسال الأحداث. واختار رجب للسرد الفصحى المخففة الصحفية، وللحوار العامية؛ لأنها الأنسب -في رأييه- لأداء غرض الإضحاك.

ومن أعجب القصص قصتان: الأولى بعنوان “صورة واحد مات”، يرويها بطلها الميت. والأخرى بعنوان “صورة حمار”، يرويها بطلها الحمار!

والكتاب مُحلَّى برسومات الرسام الكاريكاتوري الشهير/ مصطفى حسين، الذي جمعته صداقة عقود مع أحمد رجب؛ قدَّما فيها الرسم الكاريكاتوري اليومي لجريدة الأخبار .. في تعاون بارع بين الكلمة والرسم.

قد استطاع أحمد رجب بكتابه هذا -ومجمل أعماله- أن يُدخل القصص الفكاهية العربية طورًا جديدًا من التناول الواقعي للمشكلات المجتمعية الحقيقية، وهو مستوى لا يقتصر على تقديم الفكاهة، بل يتعداه إلى توظيف الفكاهة.

أحمد رجب من كبار الكتاب الفكاهيين في العصر الحديث. استطاع أن يصوغ أكثر من شكل لهذه الفكاهة. وكم هو ممتع قراءة كتابه (نُص كلمة) الذي جمع فيه كلماته الانتقادية الساخرة اليومية الشهيرة التي كانت تتصدر الصفحة الأولى في جريدة (أخبار اليوم)، وقراءة كتابه اللطيف (الأغاني للأرجباني)، الذي سمَّاه معارضةً لكتاب (الأغاني)، لأبي الفرج الأصفهاني.

كما نجح رجب في تقديم الفكاهة في الأعمال المتلفزة والسينمائية؛ فكان من بدائعه الأفلام التلفزيونية: فوزية البرجوازية، والوزير جاي، ومحاكمة علي بابا، والمجنون. ومسلسل الحب وسنينه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع