الجسد الحالم وتمثلات الذات الأنثوية في قصة «جارتي زوجة الرجل الدب» لشهيرة لاشين

art

بولص آدم

  نُشرت قصة «جارتي زوجة الرجل الدب» للدكتورة شهيرة لاشين في 20 مايو 2026 على موقع «الكتابة»، وهي إحدى قصص مجموعتها القصصية «المتجه إلى السرايا يسلك طريق البحر»، المقرر صدورها عن دار صفصافة للنشر والتوزيع.

  تبدأ الكاتبة قصتها بعبارة تؤسس البناء الدلالي للنص كله:

«وهكذا، عشقت جارتي كل أصناف الرجال الذين قابلوها، وقررت أن يكونوا أبطال قصتها.»

تضع هذه الجملة القارئ أمام وعي أنثوي يتعامل مع الحب بوصفه فعلًا تخييليًا يسبق التجربة الواقعية ويعيد تشكيلها. فالرجل يدخل حياة البطلة عبر بوابة السرد، ويتحول إلى بطل يؤدي دورًا داخل عالم تبنيه المرأة وفق تصورها الخاص. ومنذ هذه اللحظة، يتشكل أحد أهم الأسئلة التي يطرحها النص: كيف تصوغ المرأة صورتها عن نفسها من خلال علاقتها بالرجل، وكيف يمكن للرغبة في الحب أن تتحول إلى رغبة في حياة كاملة، تحمل في داخلها وعود الزواج، والإنجاب، والحميمية، والاستمرار، والحب الذي يشبه الأفلام؟

ولعل هذا السؤال يفسر طبيعة العالم الذي تتحرك فيه البطلة؛ فهي لا تبحث عن علاقة عابرة، وإنما عن صورة مكتملة للحياة. ومن هنا، تبدو الاستعانة بمفهوم «التفاؤل القاسي» الذي صاغته لورين بيرلانت مدخلًا مناسبًا لقراءة هذا النص. ترى بيرلانت أن الإنسان قد يرتبط بموضوع يمنحه الإحساس بالمعنى والاكتمال، ثم يتحول هذا الارتباط نفسه إلى مصدر للمعاناة. فالذات تواصل التشبث بصورة تعدها بالسعادة، في الوقت الذي تتضاءل فيه فرص تحققها.

في ضوء هذا التصور، يغدو الحب في قصة «جارتي زوجة الرجل الدب» أكثر من مجرد علاقة بين امرأة ورجل؛ فهو المجال الذي تبني البطلة من خلاله تصورها للبيت والأمومة والرفقة والأمان. ولهذا، فإن الخسارة في هذا النص تتجاوز حدود فقدان شخص بعينه، وتمتد إلى تصدع العالم الذي ارتبط بذلك الشخص.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدأ القصة في الكشف عن طبقاتها الأعمق؛ حيث يتحول الجسد إلى مستودع للذاكرة والرغبة، وتتحول المخيلة إلى وسيلة لإعادة بناء عالم يتعرض للتمزق مع كل تجربة جديدة.

الرجل الأول: حين تنتقل السلطة إلى داخل الذات

تتحرك القصة عبر تجربتين عاطفيتين متباينتين ظاهريًا. تبدأ الرحلة مع الرجل النحيل، الذي يمارس سلطة نفسية قاسية، ويعيد تشكيل وعي المرأة بذاتها من خلال خطاب يقوم على التحقير والإخضاع. ويتجلى ذلك في قولها:

«كيف لامرأة حمقاء مثلي أن تجاري رجلًا نحيلًا برجولة طاغية مثله؟»

تكشف هذه العبارة عن انتقال العنف من الخارج إلى الداخل؛ إذ تستبطن المرأة اللغة التي يفرضها الرجل عليها، وتعيد إنتاجها داخل وعيها. لم تعد السلطة بحاجة إلى أن يتحدث الرجل كي تستمر؛ فقد أصبحت المرأة تتحدث بلسانه عن نفسها. وتبلغ القصة ذروة كثافتها الرمزية ضمن هذه الحالة في الصورة الآتية:

«بينما تتخيّله يقصف ببلطته رؤوس النساء الساكنات جسدها.»

تمنح هذه العبارة الجسد مكانة مركزية داخل النص. فالكاتبة لا تتحدث عن امرأة واحدة مستقرة داخل جسد واحد، وإنما عن «نساء» يسكنَّ الجسد، في إشارة إلى تعدد الأصوات والرغبات والهويات داخل الذات الواحدة. ويبدو الجسد بهذا فضاءً تتجاور فيه المرأة العاشقة، والمرأة الخائفة، والمرأة الحالمة، والمرأة التي تحتفظ بذاكرة جراحها القديمة.

وهكذا لا يعود العنف مجرد فعل يمارسه الرجل على المرأة، وإنما يصبح عملية تنتقل من العلاقة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الجسد. وما كان في البداية سلطة خارجية يصبح جزءًا من الطريقة التي ترى بها المرأة نفسها.

الرجل الدب: الوعد بنسخة أخرى من الحياة

تنتقل البطلة بعد ذلك إلى تجربة جديدة مع الرجل البدين، الدب، فتبدو العلاقة الثانية أكثر دفئًا واتساعًا. وتقول بحماس:

«يا سلام ما أجمل أن تُحبَّ المرأة رجلًا ملو هدومه، سأهدي هذا الرجل اللطيف السمكة الملوّنة في قلبي، وأقصّ من أجله جناحي، وأعلّقهما بكل حبٍّ على باب بيته.»

(تحمل عبارة «ما أجمل أن تُحب المرأة رجلًا مِلُو هدومه» دلالة تتجاوز الوصف الجسدي المباشر. فالتعبير العامي المصري “مِلُو هدومه” يحيل إلى صورة الرجل الممتلئ حضورًا وهيبة ودفئًا. وتكتسب العبارة معناها الكامل من خلال وضعها في مواجهة صورة الرجل النحيل في بداية القصة. فالمرأة لا تبحث عن جسد بديل، وإنما عن إحساس بديل؛ إحساس بالاحتواء والاستقرار والأمان. ولهذا، يتحول الامتلاء الجسدي إلى استعارة عن الامتلاء الوجداني الذي تتوق إليه الشخصية. وأظن أن الكاتبة تعمدت استخدام العامية هنا تحديدًا؛ لأن الفصحى كانت ستفقد العبارة كثيرًا من حرارتها وعفويتها وحمولتها الثقافية. إضافة إلى أنها قصة للعالم، فإنها لا تُفرط بمصريتها وباختيار مكثف ذكي وفي محله.).. يبدو الوعد الذي تعلنه البطلة بحماس مُحلق بانتشاء باذخ، في ظاهره احتفاء بالعثور على الرجل المختلف، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة عميقة: البطلة لا تجد رجلًا جديدًا فقط، بل تعتقد أنها عثرت أخيرًا على النسخة الصحيحة من الوعد. فالسمكة الملونة والجناح والقلب عناصر رمزية سترافق النص حتى نهايته. السمكة هي الجزء الحميم والملون من الذات، والجناح هو القدرة على الحركة والتحليق، والقلب هو مركز الرغبة والحلم. وحين تقول المرأة إنها ستقص جناحيها من أجل الرجل، فإن الحب يبدو في لحظته الأولى خلاصًا، لكنه يحمل في داخله احتمال التنازل عن جزء من الحرية.

وهنا تتضح فائدة مفهوم «التفاؤل القاسي» عند بيرلانت. فالتعلق لا يستمر لأن موضوعه جيد بالضرورة، وإنما لأنه يحمل وعودًا يريد الشخص أن تتحقق من خلاله. البطلة لا تقدم جناحيها للرجل الدب لأن أحدًا يجبرها على ذلك في هذه اللحظة، وإنما لأنها ترى في التضحية جزءًا من الحياة التي تحلم بها. إن الوعد بالسعادة هو الذي يجعل التنازل يبدو مقبولًا، بل مرغوبًا. وتقسم المرأة أن ترافق زوجها:

«إلى السماء، إلى القبر، إلى العدم، إلى أي مكان داخل وخارج هذا العالم، كما تفعل النساء في الأفلام الأجنبية.»

تظهر السينما بوصفها واحدة من المرجعيات التي صنعت هذا الوعد. فالمرأة لا تتخيل الحب بمعزل عن الصور التي شاهدتها؛ إنها تريد علاقة تشبه تلك التي تعلمت منها كيف يكون الحب، وكيف ينبغي للمرأة أن تكون، وكيف يستمر الزوجان معًا رغم كل شيء.

السينما: حين يصبح الخيال معيارًا للحياة

تحتل السينما موقعًا محوريًا في القصة. فالأفلام لا تؤدي وظيفة ترفيهية، وإنما تشارك في تشكيل وعي البطلة بالحب والعلاقات والحياة المشتركة. ويتأكد هذا المعنى حين تصف الكاتبة حياتهما المشتركة بقولها:

«يعيشان معًا، وينجبان الأطفال، ويستمران في مشاهدة الأفلام، وتجسيدها في واقعهما.»

تتحول السينما إلى مرجعية وجدانية تستمد منها المرأة تصورها للحياة المشتركة. فالحب الذي تعيشه يحمل في داخله أثر الشخصيات السينمائية والصور التي استقرت في الذاكرة عبر سنوات طويلة. يمكن الاستفادة من تصور موراي سميث في كتابه Engaging Characters: Fiction, Emotion, and the Cinema، حين يوضح أن العلاقة مع الشخصية السينمائية تتجاوز المشاهدة إلى المشاركة الوجدانية والتماهي العاطفي. وتبدو البطلة وكأنها تحمل هذا الإرث السينمائي معها، وتعيد إنتاجه داخل تجربتها الخاصة. لكن السينما في القصة ليست مجرد مصدر للوهم، ولا يمكن القول إن البطلة «خُدعت» بالأفلام فحسب. فالأفلام أسهمت في تكوين رغبتها في الحياة نفسها؛ إنها لا تريد أن تقلد فيلمًا، وإنما تريد أن تجعل حياتها قادرة على أن تكون جديرة بالصورة التي أحبّتها. وتكتسب عبارة «أبطال قصتها» معناها الكامل. فالحياة بالنسبة إلى البطلة تصبح قابلة للفهم حين تتحول إلى سرد، والرجل يصبح قابلًا للحب حين يستطيع أداء الدور الذي يمنح هذا السرد نهايته السعيدة.

حين يستعير الرجل الدب وجه الرجل النحيل

لكن القصة لا تلبث أن تكشف هشاشة هذا العالم. فالمرض يغير هيئة الرجل الدب، ويقوده إلى الاكتئاب، حتى يصل النص إلى واحدة من أكثر جمله إيلامًا:

«بل إنَّه في أحيان كثيرة كان يستعير وجه الرجل النحيل الذي دمّرها سلفًا، ويرتديه.»

تختزل هذه العبارة المسافة بين التجربتين. فالرجلان لا يمثلان نموذجين منفصلين بقدر ما يمثلان صورتين ل “خيبة واحدة”. الرجل الدب، الذي بدا في البداية تصحيحًا لتجربة الرجل النحيل، يبدأ في استعارة وجهه “دون قصد”، وكأن الحكاية التي حاولت البطلة أن تعيد كتابتها تعود من جديد إلى النقطة نفسها. ويبدأ الوعد في الانكشاف بوصفه وعدًا هشًا. فالرجل الذي كان يفترض أن يكون بطل الفيلم الجديد يحمل وجه البطل القديم، والحياة التي كان يفترض أن تمنحها الحب شكلًا أكثر اكتمالًا تبدأ في فقدان عناصرها واحدًا بعد الآخر. وتزداد العزلة اتساعًا مع تغير الابن أيضًا:

«لم يكن يتكلّم، بل يغمض عينيه كلما قبَّلته أو تحدثت إليه، كأنه يريد أن ينسحب من عالمها، ويطفئ صوتها بحاجبيه المنقبضين.»

وتبدأ المرأة في فقدان العناصر التي منحت حياتها معناها: الزوج، والطفل، والأفلام، والفراش الواعد.

لكن المفارقة أن انهيار هذه العناصر لا يؤدي إلى انهيار الخيال. بل يحدث العكس: كلما تراجع العالم الخارجي، تقدم العالم الداخلي.

من الأبطال إلى الغرفة السرية

من هذه اللحظة، تتراجع الشخصيات إلى الخلف، وتتقدم المخيلة إلى مركز المشهد. تبحث البطلة عن وطن جديد، لا في علاقة جديدة، وإنما في فضاء خاص بها. حين تقول:

«الذين لا يملكون غرفًا سرية، لا يملكون وطنًا حقيقيًّا.»

فإنها تعلن انتقالها من عالم العلاقات إلى عالم الذات. فالغرفة السرية ليست تفصيلًا عابرًا في البناء السردي، وإنما تمثل نقطة تحول حاسمة في مسار الشخصية؛ إذ تتحول من فضاء مادي إلى فضاء نفسي يعيد تشكيل الهوية ويحفظ ما تبقى من العالم الداخلي.

ويكتسب استحضار اسم فرجينيا وولف دلالة خاصة داخل هذا السياق؛ فالإحالة إلى الكاتبة الإنجليزية تفتح باب التأويل على مفهوم المكان بوصفه شرطًا من شروط الحرية والوجود. ولهذا تبدو الغرفة السرية أقرب إلى مساحة تستعيد فيها المرأة حقها في بناء عالمها الخاص. وتصف الساردة هذا العالم بعبارات مشبعة بالصور:

«صنعت غرفة سرية بالفعل، وملأتها بأجنحة النوارس والطيور، وشيَّدت في زاويتها فنارًا صغيرًا يمكن أن يهدي سفنها في الليالي المظلمة.»

ثم تضيف:

«دقَّت وراء الباب مسمارًا، تستخدمه كشماعة تعلق عليه قلبها كلما دخلتها.»

تمثل هذه الصورة إحدى أكثر لحظات النص شاعرية؛ إذ يتحول القلب إلى شيء يمكن تعليقه مؤقتًا، وكأن الغرفة تمنح المرأة فرصة للتحرر من الأعباء التي تثقل وجودها.

واللافت أن القلب كان في مرحلة سابقة شيئًا تهبه للرجل الدب: «سأهدي هذا الرجل اللطيف السمكة الملوّنة في قلبي». أما الآن فقد أصبح القلب شيئًا تستطيع المرأة أن تحتفظ به داخل عالمها الخاص. وكأنها تستعيد، داخل الغرفة، ما سبق أن منحته للآخر.

البحر: حين يصبح الحلم وطنًا

تزداد الرموز تماسكًا مع حضور البحر بوصفه العنصر الأكثر رسوخًا في العالم التخييلي للشخصية:

«أرضية الغرفة تتماوج بهدوء تحت قدميها، والجدران تتلوَّن بلون البحر، وتزداد زرقة حين يستبد بها الحزن.»

ويبدو البحر في هذا النص صورة متعددة الدلالات؛ فهو مجال للحرية، ومستودع للذاكرة، وامتداد للحلم، ومكان تعود إليه الشخصية كلما ضاقت بها الحياة. ومن اللافت أن الكاتبة تعيد ربط هذا العالم بالسينما مرة أخرى حين تقول:

«لم يتحمل أحد أن يكون معها في فيلم حياتها الجديد؛ فقد كان صعبًا على أي شخص، حتى ابنها، أن يعيش في جزيرة وسط البحر طوال الوقت.»

تتجاور هنا ثلاثة عناصر أساسية: الفيلم، والجزيرة، والبحر. وهي العناصر التي تؤكد أن البطلة تواصل إعادة صياغة حياتها داخل بنية تخييلية متكاملة. لكن هناك تحولًا جوهريًا: في بداية القصة كانت تبحث عن أشخاص يؤدون أدوارًا في فيلمها؛ أما الآن فقد أصبح الفيلم نفسه عالمًا لا يستطيع الآخرون العيش داخله. إنها لم تعد تبحث عن بطل يكمل الحكاية، بل بدأت تبني عالمًا لا يحتاج إلى بطل.

الجسد: من موضوع للرغبة إلى وطن للذات

ومن هنا يمكن الانتقال من مستوى الرموز والبنية الجمالية إلى مستوى الخطاب الذي تنتجه القصة عن المرأة والجسد والرغبة. فالمرأة في هذا النص ذات راغبة تمتلك القدرة على الاختيار والتخيل وإعادة بناء العالم. والرغبة حاضرة في مستويات متعددة من السرد، عبر الإشارات إلى الأنوثة والجسد والعلاقة الحميمة والاحتضان والصور العارية. غير أن الرغبة الجنسية لا تمثل المحرك الوحيد للأحداث؛ لأن النص يربطها بحاجة أعمق تتصل بالاعتراف والاحتواء والانتماء. فالبطلة تبحث عن حب يمنحها الشعور بالاكتمال، ويعيد إليها صورتها عن نفسها. ولهذا تكتسب عبارة «النساء الساكنات جسدها» أهمية استثنائية؛ لأنها تكشف عن تصور للجسد بوصفه فضاء تتعايش داخله ذوات متعددة، لكل منها رغباتها وذكرياتها ومخاوفها.

وهنا يمكن القول إن مسار القصة ينتقل تدريجيًا من الجسد الذي يعاد تشكيله من الخارج إلى الجسد الذي يعيد تشكيل العالم من الداخل. ففي البداية كان الرجل النحيل قادرًا على أن يجعل المرأة ترى نفسها من خلال لغته. ثم جاءت العلاقة الثانية بوعد أكثر لطفًا، لكنها طلبت منها أن «تقص جناحيها». وفي النهاية يصبح الجسد نفسه مكانًا لاستعادة الجناحين، وحفظ القلب، وإيواء البحر. وتفتح هذه الرؤية الباب أمام قراءة القصة من منظور الكتابة النسوية، مع تجنب اختزال النص في خطاب أيديولوجي مباشر. فالقصة لا تنشغل بتقديم أطروحات حول الصراع بين الرجل والمرأة، وإنما تركز على التجربة الداخلية للذات الأنثوية، وعلى الكيفية التي تعيد بها المرأة تشكيل علاقتها بجسدها وذاكرتها وعالمها الخاص.

السرايا: حين يعجز التشخيص عن الوصول إلى الداخل

وتزداد هذه القراءة أهمية إذا انتقلنا إلى مشاهد «السرايا الصفرا». فالنص يقدم صورة مختلفة للمؤسسة العلاجية. تقول الساردة:

«ولأن نومها في السرايا لم يُزعج أحدًا -فالكل نيام، كلٌّ بطريقته الخاصة- بدت طبيعية وهادئة الملامح حين تفيق.»

ثم تنقل العبارة التي كتبها الطبيب في ملفها:

«تسكن داخلها جزيرة النعاس. لم أستطع الوصول إليها، ولا أريد المجازفة على أية حال.»

تخرج اللغة هنا من مجال التشخيص الطبي إلى مجال الشعر. فالطبيب يعترف بأن العالم الداخلي للشخصية عصي على التفسير والاختزال. فالجزيرة التي تسكن داخلها ليست مجرد عرض مرضي؛ إنها صورة أخرى للغرفة السرية التي بنتها، ومكان آخر تنسحب إليه الذات حين يصبح العالم الخارجي غير محتمل.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحلم لا بوصفه هروبًا من الواقع فحسب، وإنما بوصفه طريقة للاحتفاظ بمساحة لا يستطيع الواقع الخارجي السيطرة عليها بالكامل.

بلا أبطال

بعد مغادرة السرايا، تصل القصة إلى لحظة شديدة الدلالة:

«خرجت لاحقًا، لكنها بقيت وحيدة، بلا أبطال في قصتها. وحدها، في عالم يفيض بالأسماك الملونة، والنوارس، والسحاب، والبحر، واللون الأزرق.»

تختفي الشخصيات جميعها، بينما تبقى الرموز. ويبدو هذا الاختيار السردي مقصودًا؛ فالأبطال يغادرون، بينما يستمر العالم الذي صنعته المخيلة. وهنا يمكن العودة إلى الجملة الافتتاحية: «قررت أن يكونوا أبطال قصتها». فإذا كانت القصة قد بدأت بحاجة البطلة إلى الآخرين كي يمنحوا حياتها أدوارها ومعناها، فإنها تنتهي دون هؤلاء الأبطال، لكن ليس دون قصة. ربما يكون اختفاء الأبطال هو اللحظة التي تبدأ فيها الحكاية بأن تصبح ملكًا لها.

السمكة التي عادت إلى القلب

ثم تأتي المكالمة الهاتفية لتكشف عن انتقال البحر من الغرفة إلى القلب:

«في قلبي سمكة صغيرة ملونة، نصبوا لها الشباك، لا تخبري البحارة أن البحر في غرفتي، وأن السمكة التي يبحثون عنها تسبح في قلبي.»

ويصبح القلب موطنًا للأسماك والأحلام، وتتحول السمكة إلى صورة تختزن أكثر أجزاء الذات هشاشة وحميمية. والأهم أن السمكة كانت في مرحلة سابقة هدية أرادت البطلة أن تمنحها للرجل الدب، أما الآن فقد عادت إلى القلب. وما كانت مستعدة لتسليمه للآخر أصبح شيئًا تحميه داخلها. وتتوج الكاتبة هذا التصور بعبارة أخرى بالغة الأهمية:

«النوم المباشر على القلب يجعل الأحلام تفيض، والأبطال يتقنون أدوارهم في أفلامها.»

فالقلب ينتج الأحلام، والأحلام تستدعي الأبطال، والأبطال يؤدون أدوارهم داخل فيلم داخلي لا يتوقف.

وهنا تنقلب العلاقة بين الواقع والخيال: لم تعد البطلة في حاجة إلى أن تجد أبطالها في العالم الخارجي؛ يكفي أن يستدعيهم خيالها. وهذه ربما تكون المفارقة المركزية في القصة كلها: حين يفشل الوعد الخارجي بالسعادة، لا تتخلى البطلة عن الحلم، وإنما تستعيد حقها في امتلاكه.

البحر الذي يخرج من الداخل

تبلغ القصة ذروتها في مشهدها الأخير:

«رأيتها منذ يومين، تمشي بحذر في الشوارع والطرقات، كي لا يلاحظ الناس وجودها، ولا يلتفت أحد للبحر الذي يترسب ملحه على أطراف ملابسها.»

تكمن قوة هذه النهاية في أنها تضع القارئ أمام مفارقة عميقة؛ فما يراه الآخرون أثرًا يدعو إلى الارتياب، تنظر إليه البطلة بوصفه العلامة الأخيرة على بقاء عالمها الداخلي. فالبحر الذي ظهر في الغرفة، ثم استقر في القلب، يترك أثره أخيرًا على الملابس، وكأن الحلم أصبح جزءًا من الجسد نفسه. وهنا تكتمل الرحلة: يبدأ العالم التخييلي في الغرفة، ثم ينتقل إلى القلب، ثم يظهر أثره على الجسد الذي تمشي به المرأة في العالم الخارجي. لم يعد الحلم مكانًا تهرب إليه من الواقع، بل أصبح شيئًا تحمله معها إلى الواقع.

خاتمة: من البحث عن البطل إلى امتلاك الحكاية

إن «جارتي زوجة الرجل الدب» قصة عن امرأة أعادت بناء وجودها بالحلم كلما تعرض للهدم. لكنها، في الوقت نفسه، قصة عن الوعد الذي يجعل الإنسان يطارد صورة السعادة حتى حين تبدأ هذه الصورة في إيذائه. تبدأ البطلة وهي تمنح الرجال أدوار البطولة، وتعتقد أن العثور على الرجل المناسب يمكن أن يحقق لها الحياة التي تشبه الأفلام. ثم تكتشف، عبر تجربتين مختلفتين، أن الرجل لا يستطيع أن يضمن لها الوعد الذي حملته إليه. يتغير الرجال، ويفشل الزواج، وينسحب الابن، وتتوقف السينما عن أداء وظيفتها القديمة، لكن شيئًا واحدًا لا ينهار: قدرتها على التخيل. ومن هنا يصبح الحلم في القصة أكثر من ملاذ؛ إنه إحدى آليات البقاء. إنه المساحة التي تستعيد فيها المرأة ما فقدته في علاقاتها، وتعيد ترتيب جسدها وذاكرتها ورغباتها وفق منطق خاص بها. ولعل المفارقة الأعمق أن البطلة تبدأ الحكاية وهي تريد «أبطالًا» يشاركونها فيلم حياتها، وتنتهي وحيدة «بلا أبطال في قصتها». ظاهريًا يبدو ذلك سقوطًا نهائيًا في العزلة، لكن النص يترك احتمالًا آخر: ربما تكون الحكاية قد أصبحت ملكًا لها للمرة الأولى حين غادرها أبطالها.

بهذا المعنى، لا تقدم شهيرة لاشين حكاية امرأة فشلت في العثور على الحب فحسب، وإنما تكتب عن امرأة تتعلم، عبر الفقد، أن الوعد بالسعادة لا يتحقق بالضرورة في صورة الرجل أو الزواج أو الأسرة التي رسمتها الأفلام. وقد يكون ما يبقى بعد انكسار ذلك الوعد هو القدرة على بناء عالم خاص، عالم لا يحتاج إلى تصديق الآخرين كي يكون حقيقيًا.

وهكذا يغدو الجسد مستودعًا للذاكرة والرغبة والخيال، ويصبح الحلم أحد أشكال المقاومة التي تتيح للإنسان الاحتفاظ بعالمه الخاص في مواجهة الفقد والعزلة وتآكل المعنى. ويصبح البحر، في النهاية، أكثر من صورة للحلم؛ إنه العالم الذي صنعته المرأة حين لم يعد العالم الذي وُعدت به قادرًا على احتوائها.

بدأ البحر غرفة، ثم صار قلبًا، ثم تسرب إلى الملابس. وبهذه الحركة الأخيرة، يبدو أن الحلم لم يعد مكانًا تهرب إليه المرأة من العالم، بل أصبح شيئًا تحمله معها وهي تمشي في العالم.

 

اقرأ أيضاً:

جارتي زوجة الرجل الدب.. قصة لـ شهيرة لاشين

بولص آدم

81 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع