واين شير
ترجمة: ممدوح رزق
أحضرت صورته معي لأتمكن من التعرّف عليه. كان يظهر فيها وهو يلف ذراعيه حول كتفي أمي كأنه يحميها من عدو خفي. أعتقد أن هذا ما كان أستاذ اللغة الإنجليزية في الثانوية يطلق عليه “سخرية القدر”.
أخبرتني أمي بأنه حاول خنقها ذات مرة. كانا يتشاجران حول أمر ما؛ فقبض على عنقها وضغط بقوة حتى سقطت على ركبتيها. قال لها إنه كان يمزح.
كانت أمي في الصورة نحيفة وضئيلة. لم تكن تدرك وقتئذ أنها تحمل جنينًا. قالت إنه رحل بمجرد أن أخبرته بالأمر، بعد أيام قليلة من التقاط الصورة. ذلك الحقير ترك لها مالًا كي تُجهض نفسها، إضافة لأنف مكسور.
رأته بعد ذلك صدفة. كانت في شهرها السابع. أخبرها بأنها مديونة له بنقود الإجهاض التي أعطاها لها.
أنشأتني هذه القصص. كانت أمي ترويها، غالبًا، وهي سكرانة، ثم تعتذر وتقول إنه لا ينبغي لها أن تتحدث عن والدي بهذه الطريقة. عندما كنت في الثانية عشرة تقريبًا؛ تزوجت رجلًا يطلق على نفسه “دوك”. انفصلا بعد بضع سنوات، وبينما كان يجمع أغراضه أخبرني بأن والدي قد دمرها.
قال: أمك لن تكون سعيدة أبدًا.
تفاقمت مشكلة الشُرب لديها. كانت تثمل وتبكي وتتحدث عن والدي. لم تذكر اسمه مطلقًا. ظل دائمًا “هو”.
تقابلا في المدرسة الثانوية، وبعد انتهاء الدراسة عمل هو في البناء وهي في تنظيف المنازل. انتقلا للعيش معًا وبقيا كذلك حتى توفيت أختها الكبرى في حادث سيارة.
لم يكن يسمح لها بالبكاء. قالت إنه كان ينهرها كلما غلبتها دموعها. كنت أحتويها بين ذراعيّ لكي أجعلها تبكي في أمان. وعدت نفسي ألا أكون مثله أبدًا.
كنت في السادسة عشرة تقريبًا عندما أعطتني صورة لهما. قالت إنها كانت تنظف درج مكتب قديم ووجدتها عالقة في نهايته. لم أكن قد رأيته من قبل. أدهشني كم كان يبدو عاديًا. أعتقد أنني توقعت رؤية وحش بعينين دمويتين. كان شعره داكنًا مثل شعري، وأنفه مسطح، وله نفس الابتسامة الملتوية والشفتين الرقيقتين اللتين أملكهما. أغضبني هذا حقًا.
كنت أعرف أن اسمه فرانك فحسب، وعندما سألت أمي عن اسم عائلته نظرت لي كما لو أنني صفعتها. في وقت لاحق من ذلك اليوم أخبرتني بأن اسمه فرانك بوليه.
“لا أريد أن أسمع اسمه في بيتي مرة أخرى”.
احتفظت بصورته داخل صندوق أحذية في مؤخرة دولابي إلى جانب صور التقطّها بكاميرا فورية لفتاة عارية كنت أواعدها. بين الحين والآخر كنت أتطلع إلى صورها ومن ثمّ أرى صورته أيضًا. كلما تقدمت في العمر أصبحت أكثر شبهًا به. ذات مرة تشاجرت مع أمي حول أمر ما فقالت لي إنها تخافني لأنني أذكّرها به كثيرًا. لم يؤلمني شيء في حياتي مثل هذا من قبل.
قبل أن أغادر إلى الجامعة؛ نظّفت دولابي ووجدت صندوق الأحذية. تطلعت طويلًا إلى صور “كاميرون” قبل أن أرميها. وضعت صورة والديّ في محفظتي.
حاولت أن أنساه، لكنني احتفظت بالصورة. حتى أنني لصقتها على مرآة غرفتي في السكن الجامعي، كأنما أريد أن أعطي انطباعًا بأنني عشت طفولة طبيعية.
في أحد الأيام، بدلًا من قراءة هاملت، بحثت في جوجل عن فرانك بوليه. وجدت شخصًا يُدعى فرانكلين بوليه يعيش في ألباني، على بُعد حوالي خمسين ميلًا من مكان دراستي. كان يمتلك شركة لتسقيف المنازل وفاز بعطاء لمشروع ترميم محلي. تضمنت المقالة سيرته الذاتية، وكانت التواريخ تبدو صحيحة. كرهت اكتشاف أنه ناجح.
كان شراء مسدس سهلًا. تمرنت يوميًا على استخدامه مع أحد المدربين في ميدان الرماية بعد انتهاء حصتي الأخيرة. بينما أوجّه المسدس كل مرة نحو الهدف؛ كنت أتخيّل والدي واقفًا على سطح مبنى، وأنني أطلق النار عليه ثم تتدفق الدماء من رأسه.
ذلك مجرد خيال. كنت أعلم أنني لست ماهرًا في التصويب إلى هذا الحد. بدلًا من ذلك ذهبت إلى مكتبه والمسدس في جيبي. سألت سكرتيرته إذا كان فرانك موجودًا. عرفت من نظرتها لي أنها لاحظت الشبه بيننا. شعرت بالدماء تتدفق إلى رأسي. كانت يداي ترتجفان فأبقيتهما في جيبي متحسسًا المسدس.
قالت إنه مشغول في عمل ما وسيعود بعد قليل…
قلت: سأنتظر.
نظرت حولي داخل حجرة المكتب المقبضة. الجدران تغطيها رفوف داكنة، ممتلئة بالجوائز من مكتب تحسين الأعمال[1] ونادي الكيوانيس[2]، إلى جانب صورة مؤطرة للمقال الذي قرأته على الإنترنت. كان غضبي يتأجج.
ثم رأيت صورة لصبيين توأم، في حوالي العاشرة من عمرهما، يرتديان زي دوري البيسبول الصغير. يشبهانني عندما كنت في سنهما. فكرت في كل ما فاتني بسبب غياب الأب.
كان مكتبه في الخلف. سألت إذا كان بإمكاني التطلع إلى الصور التي على الجدار والمكتب. كانت مشاهد له ولعائلته، يبدو فيها أكبر سنًا وشعره أكثر شيبًا، لكن لم يكن هناك شك في أنه الرجل الرابض في صورتي. كان يبدو سعيدًا وكذلك زوجته، حتى أنني رأيت صورًا للطفلين التوأم وهما رضيعان.
توقفت يداي عن الارتجاف فأخرجتهما من جيبي…
سألتني السكرتيرة: هل أنت ابن أخت فرانك؟
قلت: لا.. لا توجد قرابة.
أعطيتها الصورة التي ظلت ترافقني زمنًا طويلًا ثم غادرت دون كلمة أخرى.
………………………….
*واين شير: كاتب أمريكي، رُشح لأربع جوائز Pushcart وجائزة Best of the Net. نُشرت له العديد من القصص والقصائد والمقالات في المطبوعات وعلى الإنترنت، بما في ذلك “لحظات كاشفة”، وهي مجموعة من القصص القصيرة جدًا. وقد تم تحويل قصته القصيرة “الزن وفن طلاء المنازل” إلى فيلم قصير.
[1] مكتب تحسين الأعمال: يُعرف عالميًا باسم Better Business Bureau واختصاره BBB وهو منظمة خاصة غير ربحية تركز على بناء وتطوير الثقة في السوق، ويعمل كوسيط محايد بين المستهلكين والشركات في الولايات المتحدة وكندا بشكل أساسي.
[2] نادي كيوانيس (Kiwanis Club) منظمة خدمة اجتماعية تطوعية عالمية تركز بشكل أساسي على تحسين حياة الأطفال والمجتمعات حول العالم.




















