صورة القرن

محمد ممدوح

تعرَّفتُ عليهما فى وقت واحد منذ عشرين عاماً تقريباً، وهو عُمرى آنذاك، عن طريق «أخبار الأدب» فى عصرها الذهبىّ.

 بَدَا ماركيز بشاربه الأبيض، كفلاَّح مَرِح يستند إلى جذع شجرة سارحاً فى الأفق الممتد، يدعو أول عابر لتناول الشاى، ويحكى له عن آخر حلم رآه بالأمس؛ كى يسمع منه آخر نكتة، متجاهلاً دلالة اسمكَ بالأسبانية: لقب من ألقاب النبلاء، يأتى فى الترتيب بعد «الدوق»، وقبل «الكونت».

ساراماجو، بنظَّارة سميكة وجبهة ضيِّقة، ورأس صلعاء كجزيرة يحيطها شعرٌ أبيض كنباتات وعَرِة يصعب تخطيها، تناسب موظفاً منضبطاً يعمل ساعات ٍ محدَّدة كل يوم، لكنها لاتناسب معنى اسمكَ بالبرتغالية: الفجل البرى، من الفصيلة الكرنبية، يزيد الخصوبة عند الرجال، يقى المرأة من الأورام السرطانية.

عندما تعرَّفتُ عليهما، كان ماركيز يبلغ 79 عاماً، يعيش خَرَفه وفقدان ذاكرته التدريجىّ، متوَّجاً بنوبل: “لرواياته وقصصه القصيرة التى يمزج فيها بين الخيال والواقع فى عالم خيالىّ غنىّ التكوين، يعكس حياة القارة وصراعاتها”، فأطلَّ علينا من قبره بروايته غير المنشورة «نلتقى فى أغسطس»، بينما ساراماجو 83 عاماً، يصارع مرضه وينكب على كتابة رواياته الأخيرة «مسيرة الفيل»، «قايين»، «سيوف سيوف.. بنادق بنادق»، صدرتْ غير مكتملة بعد وفاته، ينظر بدهشة لمَا حقَّقه، وهو العصامىّ الفقير، الذى حيَّته نوبل: “لأنه من خلال الأمثولة والحكاية الرمزية التى تغذِّيها المُخيِّلة بالتعاطف والسخرية، مكَّننا من إدراك الواقع المراوِغ”.

لا أعلم، لحُسن الحظ أو سوءه، أنّ التاريخ لم يكن كريماً بين بلديكما، اللذان منحانا عبقريتكما اللتان خَطَفتا النوم من أعيننا دهشةً لمخيِّلتكما فى إعادة تفكيك العالم، عندما نَقَلَ التجَّار والبحَّارة البرتغاليون الأفارقةَ العبيدَ إلى موانئ إسبانيا الاستعمارية بكولومبيا، فى إتحاد ٍ نادر بين تاجىّ البلدين استمرَّ ستين عاماً فى رسم خرائط العالم واقتسام خيراته؛ فَفَتَحَ الباب للتجَّار والمجرمين والأطباء والحرفيين البرتغاليين للاستقرار فى كولومبيا، لكن الطريف أنكَ يا ماركيز، أحد أحفاد المستعمرين الإسبان الأوائل، وأنَّ التشابه المعجمىّ بين لغتيكما يصل إلى 89%.

الود والتقدير بينكما كان ظاهراً ومتبادلاً قبل نوبل وبعدها، تقابلتما فى مؤتمرات ٍدولية عديدة عبْرَ الأطلسىّ، وإنْ غلبكما النعاس فى أحدهما، كما شاهدتُ فى الوثائقىّ الطويل “جوزيه وبيلار” منذ عدة سنوات، كما ربطكما علاقة وثيقة بالزعيم الكوبى فيدل كاسترو وببلده المُحاصر.

فى كتابه *”المُفكِّرة: يوميات”، الصادر عن دال للنشر والتوزيع 2014م، ترجمة: عدنان حسين، بتاريخ أغسطس 2009م، كَتَبَ ساراماجو تحت عنوان “غابو”: ” لقد استعمل غبرييل غارسيا ماركيز موهبته ليفتح ويؤسس الطريق لما سمى لاحقاً (وبشكل مغلوط) بالواقعية السحرية، وبالتوازى مع ذاك الطريق تقدَّم بدورهم أعداد كبيرة من الأتباع، وكما يحدث دوماً، المنتقصونَ من قيمته. فكان أول كتاب من كتبه يقع بين يدى هو مائة عام من العزلة، والصدمة التى أصابنى بها كانت من القوة بحيث أننى توقفت عن القراءة بعد الصفحات الخمسين الأولى. كنت بحاجة لأن أستجمع أفكارى وفق ترتيب ما، وأن أضبط قلبى الخافق بقوة، و، قبل كل شئ، أن أعلم أن أتحكم بالبوصلة التى كنت آمل أن أكونَ قادراً بها على شق طريقى على امتداد العالم الجديد الذى ظهر للتو أمام عينى. فى حياتى كقارئ كان ثمة مناسبات قليلة بشكل ملحوظ برزت فيها تجربة بمثل هذه الكثافة”.

فى تعليقه لجريدة إل باييس الأسبانية، 16 أكتوبر 1998م، عن فوز ساراماجو بنوبل: “يعد خوسيه ساراماجو أحد أعظم كُتَّاب هذا القرن، وجائزة نوبل التى نالها من أكثر الجوائز استحقاقاً، إنَّ الابتهاج الذى عَمَّ البلدان الناطقة بالإسبانية، وكأنه انتصارٌ لنا، يؤكد ما قاله بعض الكُتَّاب منذ فترة: الأدب الأيبيرى الأمريكى واحد، ولهذا السبب اقترحنا مراراً وتكراراً ترشيح الكُتَّاب البرتغاليين والبرازيليين لجائزة سرفانتس”، وأضاف ماركيز تعليقاً على اعتراض البابا لمنح ساراماجو الجائزة، بسبب روايته” الإنجيل برواية يسوع المسيح”، ووصفه بالشيوعىّ المتعصِّب: ” المفارقة العجيبة هذه المرة هى أنَّ ساراماجو أدين من قِبَل البابا نفسه الذى برَّأ جاليليو بعد أربعة قرون. ربما بعد أربعة قرون أخرى، سيبرِّئ بابا ولِدَ على سطح القمر أو زحل ساراماجو أيضاً إن شاء الله”.

سلسلة الجوائز، أتاحت لى رواياتك التالية فى مكتبتى: الطوف الحجرى، البصيرة، كتاب الرسم والخط، الذكريات الصغيرة، الآخر مثلى، الكهف، مسيرة الفيل، انقطاعات الموت، والاستثناء “الإنجيل برواية يسوع المسيح”، دار الجمل. بجوارها كُتُب صديق مخيِّلتكَ: الحب فى زمن الكوليرا، سيمون بوليفار، أو الجنرال فى متاهته، مائة عام من العزلة، ذاكرة غانياتى الحزانى، حكاية إيرنديرا البريئة وجدتها الشريرة، مختارات قصصية (1947- 1992).

متأمِّلاً الصورة التى رَفَعَ فيها ماركيز ذراع ساراماجو عالياً، كأنه يشير إلى نفسه، فى إخلاص نادر بين الكُتَّاب، أعدكما أنَّ كتبكما العظيمة التى لم أقرأها، ستظل ديناً مُعلَّقاً فى رقبتى على قائمة القراءة، أوفِّيه قريباً.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع