القسّ عيد صلاح
رواية “صلاة خاصة” لصبحي موسى، الصادرة عن الهيئة المصريّة العامة للكتاب عام 2019م، تقع في 555 صفحة من القطع المتوسط، وتمثل تجربة روائية فريدة، نافذة على عالم الدير، الذي غالبًا ما يُحاط بهالة من القداسة والرفض لأي نقد أو مساءلة. يستطيع القارئ من خلال هذه الرواية أن يلمس محاولة أنسنة المؤسَّسة الدينيّة، والكشف عن التباينات والصراعات الداخلية التي يعيشها الأفراد داخل فضاءات يُنظر إليها عادة على أنها معصومة من النقد.
تتميز الرواية بخليط إبداعي من التاريخ والفلسفة واللاهوت والسياسة والثقافة، في حبكة درامية متقنة تنقل القارئ بين الماضي والحاضر والعكس، لتقدم قراءة ممتعة ومقلقة في آن واحد. فهي لا تتوقف عند السرد الزمني، بل تتجاوز ذلك لتقدم قراءة طولية وعرضية للتاريخ، تكشف عن الصراعات الفكريّة والدينيّة، وتثير مجموعة كبيرة من القضايا الشائكة، من العنف ورفض الآخر، إلى العلاقات بين أصحاب الديانات المختلفة، وبين المذاهب المختلفة داخل الديانة الواحدة، وحتى بين الرهبان داخل الدير نفسه، حيث يظهر التباين والاختلاف في الرؤى والمواقف.
على صعيد السرد، يمكن القول إن الرواية ست روايات ضمن رواية واحدة، وهو ما يجعل تتبع الأحداث والشخصيات والمواقف التاريخية مهمة مجهدة للقارئ. فهي تتناول رسائل أوريجانوس، صراع أريوس/أثناسيوس، نزاع نسطور/كيرلس، هيباتيا/كيرلس، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية للشخصيات الثلاث الرئيسة: أنطونيوس، دميانة، وملاك، في علاقتها بماضيهم وحاضرهم. كما تتطرق الرواية إلى ملفات جماعة الأمة القبطية، قضية الإصلاح بين العنف والتعليم، التغيرات السياسية وعلاقة الكنيسة بالدولة، وقضايا الأحوال الشخصية مثل الطلاق، في صياغة متشابكة تجمع بين العمق التاريخي والتحليل الاجتماعي.
الرواية تضع قضية التعليم وسبل الوصول إليه في قلب المشكلات الاجتماعية، وتظهر التوتر بين التوجه الإيماني والالتزام العقائدي وحرية الرأي والتعبير، لتسلط الضوء على الصراع بين الفرد والمجتمع والمؤسسات، وبين السلطة الدينية والسياسية والتعليمية. وهي بذلك تحاكي واقعًا معقدًا دون الانزلاق إلى الخطابة، وتستفيد من فضاء الرواية الذي يمنح الحرية للنقد والتحليل والتأمل في المواضيع الحساسة.
على الرغم من كثرة الشخصيات والأحداث، ما يميز الرواية هو قدرتها على المزج بين الأحداث التاريخية الكبرى والخلافات الشخصية اليومية، ما يعطي النص ثراءً فكريًا وروحيًا، ويجعل القارئ أمام تحدٍ معرفي لكنه ممتع، حيث تتكشف القيم الإنسانية، والانتماءات، والأزمات الأخلاقية بطريقة متقنة. وحتى بعض الحرية الفنية، مثل وجود امرأة محققة في دير يضم رجالًا فقط، تُقبل ضمن سياق الخيال، وتُظهر قدرة الأدب على تجاوز الواقع لإيصال المعاني والقيم.
في خاتمة الرواية، يؤكد صبحي موسى أن كل كتابة هي صلاة خاصة لكاتبها، ما يجعل العمل كله رسالة امتنان للأدب، ودعوة للتفكير في الإنسان والدين والسلطة والتعليم والتاريخ، في نص غني بالتفاصيل والأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية. وهكذا، تظل “صلاة خاصة” عملًا روائيًا استثنائيًا، يمزج بين التاريخ والخيال، ويمثل تجربة معرفية وروحية غنية تستحق القراءة والدراسة المتأنية، وتشكل علامة بارزة في الأدب الروائي المصري المعاصر.
في الختام، تبرز رواية “صلاة خاصة” لصبحي موسى كعمل روائي متفرد، يجمع بين التاريخ والفلسفة واللاهوت والسياسة في حبكة معقدة وغنية بالأبعاد الإنسانية والاجتماعية. فهي ليست مجرد نص تاريخي، بل نافذة على عالم المؤسسات الدينية، تكشف عن التباين في الرؤى والصراعات الداخلية، وتطرح أسئلة جوهرية حول التعليم، والحرية الفكرية، والانتماء، والتحولات الاجتماعية. من خلال ثراء الأحداث وتعقيد الشخصيات، تؤكد الرواية قدرة الأدب على نقد الواقع وفضح التناقضات الاجتماعية والدينية، مع منح القارئ فرصة للتأمل في قيمه وهويته ومجتمعه. وبذلك تظل “صلاة خاصة” ليست فقط رواية للقراءة، بل تجربة معرفية وروحية عميقة، تؤكد أن الكتابة الأدبية هي بالفعل صلاة خاصة لكل كاتب، تصل صداه إلى كل من يقرأها بوعي وتأمل.















