صلاة القلق.. زمن نسي أن ينتهي

sameer nada

نور الهدى سعودي

على امتداد 353 صفحة، تدفع “صلاة القلق” لمحمد سمير ندا أسرار نجع المناسي إلى الجدران، فيما يسحب الوباء من الوجوه شعرها وحواجبها؛ ما انمحى من الملامح يعود على الحجر كتابة، وما استقر في الداخل يجد سطحا آخر للظهور. بين البينين أي الجدار والوجه يبدل الخفاء موضعه، ويفقد المرئي طمأنينته.

تدور الرواية في 1977، فيما يعيد السرد فتح العشرية الممتدة من نكسة 1967 إلى لحظة الانفجار. طوال هذه السنوات يبقى أهل النجع معلقين بحرب لا يعرفون منها سوى ما يعبر إليهم عبر المجال الذي يهيمن عليه خليل الخوجة. الخارج يمضي في تاريخه، والمناسي تحفظ الحرب في حاضرها، كأن الزمن تعثر عند عتبة القرية وترك سكانها يكبرون داخل واقعة تجاوزها مكان آخر. الخوجة هو الصلة التي تعبر منها حاجات الناس وأخبار العالم؛ وعقب صلاة الجمعة يوزع طبعة جديدة من جريدة «صوت الحرب»، فتصل أخبار الحرب إلى الأهالي مطبوعة، وتظل حقيقة ما يجري وراء حدود النجع معلقة بالطريق الذي مرت منه. هكذا يهب الخبر للحرب عمرا ثانيا.

يسمي محمد سمير ندا هذه الآلية «اختطاف العقول»، ويتحدث عن تشكيل وعي جمعي بطريقة مغايرة للتاريخ، وعن زمن حقيقي سرق من الشخصيات فأقامت في زمن مواز. داخل هذا الاختطاف يتغير موقع السلطة؛ فهي تمس الشروط التي تصير بها المعرفة ممكنة، لأن ما يصل إلى المناسي يعبر من الجهة نفسها، وما تعوزه المقارنة يكتسب مع التكرار صلابة الوقائع. تشتد الكذبة كلما ضاقت المسافة التي يمكن النظر إليها منها، ثم يألفها الوعي إلى الحد الذي يدخلها في حسابه للعالم.

حقل الألغام، كما يعيشه أهل النجع، يمنح هذه العزلة جسدا. حركة الناس تنتهي عند حدوده، وهيمنة الخوجة تضيق المجال الذي يمكن أن تتحرك فيه المقارنة. والشك يحتاج إلى مسافة؛ يحتاج موضعا آخر يرى منه الشيء الذي ألفه. سكان المناسي محرومون من هذا الموضع، فيطول الماضي داخل حاضرهم، وتستطيع الحرب أن تقيم في اللغة بعدما تغير زمنها خارج القرية. هنا يصير التقويم أقل سلطة من الخبر، وتصير السنوات العشر زمنا معيشا داخل تاريخ جرى تأجيل نهايته.

عند الشيخ أيوب يجد القلق جسدا يؤديه. يقض الخوف مضجعه بعد سقوط الجسم الغامض وانتشار الوباء، ويغذيه ضيقه من التفاف الناس حول الخوجة ورغبته في تثبيت موقعه داخل الجماعة. تنشأ «صلاة القلق» من سجدتين بلا ركوع، ويأتي الطقس مثقلا بتناقض صاحبه؛ الشيخ نفسه مأخوذ بالخوف، وبعض أهل النجع ينتهون إلى التمرد على الصلاة وجدواها. يمنح الطقس الاضطراب هيئة قابلة للتكرار، ويترك علته قائمة خارج الحركة.

تلوح الحيرة الصوفية من بعيد وقد انعكس اتجاهها. في بعض خبرات التصوف تتسع الحيرة مع اتساع ما يفيض على المعرفة، أما المناسي فتعيش حيرتها في عالم شارك البشر في صناعة عتمته. السجود هنا يحمل عجز المعنى عن اللحاق بما وقع، ويجعل الجسد يقيم لحظة داخل سؤال استنفد اللغة اليومية. وحين يصف ندا القلق بأنه : الصلاة السادسة التي يصليها العرب جماعة منذ عام 1948، يتسع العنوان خارج حدود القرية إلى زمن عربي طالت فيه الإقامة في الانتظار حتى صار للقلق إيقاع يعود كما تعود العادة.

والجسد الذي يسجد هو نفسه الجسد الذي حمل الوباء أثره على الوجه. سقوط الشعر والحواجب يجعل الكارثة مرئية قبل أن تستقر أسبابها في رواية واحدة، فتدخل الواقعة في الهيئة التي يرى بها الإنسان نفسه ويراه بها غيره. هنا تبلغ الفانتازيا قدرتها على التفكير من داخل المادة؛ الجسد يعرف أنه تغير قبل أن يحسم القارئ أي خبر عن التغير يستحق ثقته. الحقيقة لم تعد قضية ذهنية خالصة، فقد صار لها جلد يمكن أن يصاب.

في شخصية حكيم يأخذ اضطراب العلامة منحى آخر. لسان مقطوع، ثم موقع يتكشف متأخرا في كتابة الجلسات التي عبرت منها أصوات الشخصيات. يعد البناء بتعدد الأصوات، غير أن القراءة تسمع شخصيات متباعدة في خبرتها وقد اقتربت نبراتها ومعاجمها، وارتفعت إلى منسوب متشابه من التأمل.

الكشف المتأخر يعيد تأويل هذا التجانس ويمنحه سببا داخل البنية، وتظل كلفته جزءا من زمن القراءة الذي سبق الكشف. حكيم، المحروم من الكلام، يقترب في النهاية من مركز القول، حتى تصبح الكتابة أكثر من تعويض عن اللسان المقطوع؛ إنها الوسيط الذي عبرت منه ذوات الآخرين. وهنا يفتح النص سؤالا دقيقا في التمثيل: ماذا يبقى من فرادة الصوت بعدما يمر بذاكرة من يكتبه؟ الحيلة تنقذ التجانس من المصادفة، ثم تضعنا أمام سلطة الكاتب داخل العالم نفسه الذي جعل سلطة الوسيط موضوعا للريبة.

وفي لغة الرواية أثر من منشئها الأول. ندا قال أن صلاة قلقه بدأت قصيدة، ثم تحولت إلى نوفيلا قبل أن تستقر في صورتها الروائية بعد التوسيع والمحو. ذاكرة القصيدة ظاهرة في حساسية الجملة تجاه الصورة، وفي نزوعها إلى جعل المادة تفكر؛ جدار يفضح ما ستره الناس، وصمت يفيض بالكتابة. تبلغ الشعرية قوتها هنا عندما تبقى ملتصقة بالشيء وتترك فيه مساحة غير مستنفدة، فيما يثقل حضورها حين تتقارب النبرة على ألسنة شخصيات كثيرة. عندها تصير اللغة، وهي مصدر من مصادر توهج الرواية، غلالة تخفف شيئا من خشونة الفروق بين الذوات.

قرب النهاية تدخل التقارير إلى عالم عاش طويلا في الارتياب. لغة الوثيقة تأتي بإيقاع أكثر ضبطا، فيعاد ترتيب أجزاء من الفانتازيا التي عبرها القارئ من الداخل. ما يبدو كشفا يحمل معه مأزقه الخاص، لأن الرواية كانت قد جعلت الطريق إلى الحقيقة جزءا من سؤال الحقيقة نفسها. الوثيقة تسمى وتؤطر، وكل تسمية تصدر من موضع. الخبر الذي يعيد كتابة حياة المناسي من خارجها يضع القارئ مرة أخرى أمام المسافة بين ما عاشه الناس واللغة التي ستسجله عنهم.

وحاضرنا يقف في الجهة الأخرى من هذه الآلية. المناسي تعيش ندرة مصنوعة، حيث يمر الخبر من وسيط مهيمن ويضيق إمكان التحقق. نحن نقيم وسط منافذ كثيرة تتنازع الانتباه، حتى صار فرط الوصول جزءا من علاقتنا بما يحدث. التقرير الرقمي للأخبار الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أوكسفورد لعام 2026 يسجل تجنب الأخبار لدى 42%، فيما هبطت الثقة العامة بها إلى 37%. تتباعد الآليتان؛ الأولى تصنع القلق بالتجهيل المقصود، والثانية تعرف إنهاكا يولده تدفق الأخبار وتراجع الثقة في البيئة التي تحملها.

الحرب تجعل هذا الفارق محسوسا. أهل المناسي ينتظرون نهاية حرب تجاوزها الخارج، أما حروب زماننا فتصل إلى الشاشات وهي تجري، فتصير المسافة بين العين والحدث قصيرة، وتبقى المسافة بين المعرفة والقدرة على الفعل عصية على الاختزال. كان الخوجة يملك باب الخبر، وصارت الوساطة المعاصرة موزعة بين منصات وخوارزميات. تختلف هندسة الوصول، ويصل الواقع في الحالتين وقد حمل أثر الطريق الذي عبره.

العالم الذي نعيشه هو العالم بعد عبوره إلينا. في المناسي طال هذا العبور سنوات حتى صار الخبر زمنا؛ في حاضرنا يكاد يختصر إلى ومضة، ويظل الطريق داخلا في ما نراه. عندئذ يعود الجدار والوجه إلى ثقلهما الأول: حجر يحتفظ بما خرج من الخفاء، وجسد يحتفظ بما مر به.

 

كاتبة وباحثة من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع