صراع الكمال: رحلة المبدع بين الرغبة والحدود

poles adam

بولص آدم

  في كل حقول الإبداع التي عرفها الإنسان عبر تاريخه، يقف الهوس بالكمال بوصفه ظاهرة محورية في تجربة المبدع، يتجاوز كونه مجرد رغبة في إنتاج عمل «جيد» أو «جيد جداً»، ليصبح حالة نفسية مركّبة تتقاطع فيها الحساسية المفرطة مع الوعي بحدود الذات، ويتشابك فيها شغف التعبير مع خوف عميق من النقص. هذا الهوس بالكمال يتخذ أشكالاً متعددة عبر الرسم والموسيقى والسينما والمسرح والرقص، إذ يبدو أن المبدع في كل ميدان يتعامل مع شكله الخاص من الصورة المثالية التي تلوّح أمامه باستمرار، فتشكّل غايةً تُطارد وتُستعاد وتمتحن في كل خطوة إنتاجية. في بعض الأحيان يكون شكلُ العمل واضحاً ومحدداً منذ البداية، وقد يرى الفنان في مخيلته الشكل النهائي الذي يرغب في الوصول إليه، لكنه حين يحاول تقريبه من الواقع، يجد الفجوة بين ما يتخيله وما يمكن أن يحصّله أكبر مما توقع، وهذا ما يولّد توتراً نفسياً مستمراً يدفعه إلى إعادة التفكير في كل تفصيلة، سواء كانت لوناً أو نبرة صوت أو عبارة دقيقة، فيمتد العمل بلا حد واضح، فيصبح المشروع الفني مساحة اختبار لا نهائية تتجاوز النتيجة نفسها.

في الرسم، على سبيل المثال، يسعى الرسّام إلى بلوغ توازن بين الواقع والرمز، بين الشكل والجوهر، فيحمل كل ضربة فرشاة معنىً مضاعفاً عن سابقاتها، ويحيل كل ظل إلى جزء من تجربة نفسية أوسع، فيتكرر العمل على اللوحة مرات عديدة في محاولة لضبط كل تفصيلة، حتى إذا نُظر إلى نفس العمل بعد فترة وجيزة يجد أن الرؤية قد تغيّرت، وأن ما كان يبدو مكتملًا في لحظة ما صار ناقصاً في لحظة لاحقة. وفي الموسيقى، لا يختلف الحال كثيراً، إذ يتسابق العازف أو الملحن نحو نغمة تبدو في مخيلته أعذب مما يُسمع على المسرح أو في الاستوديو، فيعيد الجلسات مرات متكررة لضبط الأداء، وكأن كل لحظة موسيقية تُسجَّل بوصفها انعكاساً لدرجةٍ محددة من الحساسية التي يمتلكها المبدع تجاه صوته الداخلي.

أما في السينما، فتتلاقى عناصر متعددة في آن واحد – الصورة والموسيقى والإيقاع والحركة والممثل والحوار– فينتج عن تفاعلها مناخاً خاصاً يتجاوز مجموع التفاصيل الفردية، وكل هذا يُرفع إلى مستوى الذات الداخلية للمخرِج الذي يرى في تلك العناصر امتداداً لرؤيته الخاصة، لذلك يصبح الفيلم في ذهنه تجربة شاملة لا يمكن اختصارها في مجرد تسلسل لقطات. هكذا فإن جذور الهوس بالكمال في الإبداع لا تقتصر على رغبة في إنجاز عمل فني «جيد»، بل تمتد إلى رغبة في الإمساك بصورة لا نهائية، تلك الصورة التي تصور ما هو مثالي، سواء على مستوى الشكل أو الجوهر أو كلاهما معاً، ويبدو أن هذه الرغبة متأصلة في رؤية المبدع لعلاقته مع العالم ككل، كعلاقة تمتد بين ما هو ممكن تحقيقه وما هو مستبعد الظهور.

في الأدب، تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً خاصة، إذ يتعامل الكاتب مع الكلمات كأدوات أولى وأساسية في تكوين العمل، وهذه الكلمات تمثل بوصفها وحدات بناء دالة تتفاعل مع وعي القارئ وعاطفته وخياله. في الكتابة تتغيّر الكلمة الواحدة في دلالة النص في السياق ذاته، بحيث يصبح النص مساحة ديناميكية تتوسع مع كل قراءة وإعادة كتابة، وما يبدأ كمسودة يتطوّر إلى نصٍّ أكثر نضجاً، ثم يتحول إلى مسحٍ آخر، في محاولة لإعادة صياغة الجملة أو المشهد أو الحوار أو الحكاية ككل، فيتكرر هذا المسار مرات عديدة، إذ يعيد الكاتب تفكيك الكلمات وتركيبها، باحثاً عن الشكل الذي يعطي درجة أعلى من الدلالة والجمال والصدق، وفي كل مرة يجد أن النص يحتفظ بقدر من الحضور والدلالة التي يريد تعزيزها، لكنه في الوقت ذاته يلمس فجوة بين صيغته الحالية والصيغة التي تلوح في مخيلته بوصفها أفضل تعبير عن رؤيته. هنا يتحول الكمال في الكتابة إلى وهم متحرك، صورة داخلية تُعاند كل محاولة تقريب، فيبقى النص معلقاً بين ما تحقق منه وما بقي مستعصياً على التعبير، ما يجعل رحلة الكتابة اختباراً مستمراً للذات أمام ذاتها، وليس مجرد سبيل لإنجاز قطعة أدبية جامدة.

في الأدب العالمي نلمس هذه الظاهرة في أعمال كثيرة، حين يصارع الكاتب النص بحثاً عن الكلمة المثالية التي تستطيع أن تحمل حمله العاطفي أو الفكري بمستوى كافٍ من الدلالة. تولستوي، على سبيل المثال، أمضى سنوات في إعادة تفكيك وصياغة روايته الحرب والسلام، وهو يعرف أن كل تفصيل في النص يمثّل جزءاً من رؤيته الشاملة للعالم والحياة، فتتداخل العواطف مع الفلسفة والتاريخ في بنية نصية معقدة، حين يُقرأ العمل يشعر القارئ بأن ثمة بطولات ومآسي وحركات داخل الإنسان نفسه تفوق قدرة الكلمات على التعبير الحرفي، لكن هذا ما كان يسعى إليه تولستوي في كل نقطة من نقاط السرد، في محاولة تحقيق توازن بين الشعور والعقل في أداء سردي يتجاوز حدود القالب الروائي التقليدي. في تجربة أخرى، نجد أن جيمس جويس في يوليسيس أقام نصّه على طبقات لغوية متعددة وحوّل اللغة إلى مادة فنية متحركة، ما جعل النص مجالاً لامتحان لا حدود له في وحدات اللغة والدلالة، ومع أن النص نفسه قد يُقرأ ويُحلّل ويتفصّل، فإن جوهر تجربته يتجاوز أي صياغة ثابتة، لأنه يتعامل مع اللغة بوصفها مجالاً مفتوحاً من التجاوزات والإحالات والتداخلات المعرفية، بحيث يصبح كل إعادة قراءة جديدة تفتح آفاقاً إضافية من الدلالة والمعنى.

النصوص الحديثة في الكتابة الأدبية لا تختلف كثيراً في هذا السياق، إذ يشهد الكاتب المعاصر حالة مماثلة حين يشرع في مسودته الأولى، فيرى في ذهنه صورةً شاملة لعالم العمل، ثم في عملية الكتابة والتفكيك والقراءة والإعادة يستمر في السعي نحو صيغة يراها أكثر صدقاً وتأثيراً، وكل ذلك داخل شبكة من الإحالات الداخلية والخارجية التي تربط العمل بحياة الكاتب ومشاعر القراء وثقافة عصره. في هذه الحالة يصبح النص الأدبي مسرحاً داخلياً لصراع المبدع مع لغته، لصراع المراد التعبير عنه مع حدود اللغة نفسها، وهو ما يخلق حالة من التوتر المستمر التي قد تجسد نفسها في إعادة كتابة المشهد نفسه مراراً، وفي حذف فقرات وإضافتها، وتبديل وتسوية الجمل، وهو ليس مجرد تدخل تقني في الشكل، بل هو محاولة لإعادة هيكلة الإدراك ذاته في مواجهته مع العالم.

هذه الظاهرة في الأدب تنطبع في علاقة الكاتب مع كتابته كما تنطبع في علاقته مع الذات، فيصبح النص انعكاساً لعمق الصراع بين الرغبة في التعبير عن المطلق وحدود القدرة البشرية على تجاوزه، فيظهر هذا الامتداد في نصوص تحاول أن تكون أكثر من مجرد سرد لحكاية، بل دعوة مفتوحة إلى الاستكشاف، إلى التساؤل، إلى الإمساك باللغز الذي لا يُحسَم. وفي هذه اللحظة يمكن أن نرى كيف يتحول السعي للكمال في الأدب إلى فخ يجر الكاتب إلى دوامة من المحاولات المتكررة التي تمنحه رؤى جزئية عن النص، لكنه في الوقت ذاته يحتفظ بقدر من الإحساس بأن هناك صيغة أعلى لم يتم الوصول إليها بعد.

تاريخ الأدب مليء بما يمكن وصفه بـ«الأعمال المعلقة»، نصوص كُتبت لأجزاء منها، أو تركت مسودات لم تُستكمل، ربما لأنها صورت صراع الكاتب مع رؤيته الخاصة، حيث تبقى تلك المسودات شاهدة على لحظة من الزمن الإبداعي، تحمل في داخلها سؤالات لم تُجب عنها الكلمات بعد. هنا، في الأدب كما في بقية صنوف الإبداع، يمكن أن نرى كم هو هش التوازن بين الرغبة في تحقيق الكمال وحدود الوسائط التي تعمل من خلالها، وكيف أن النص يصبح، طوال عملية كتابته، تجربة للفرد مع ذاته، تجربة خبرة وإدراك وعاطفة، تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الشكل والقالب.

حين يتحول الكمال إلى فخ في الأدب، لا يكون الأمر مجرد بحث عن عبارة أجمل أو جملة أدق، بل يصبح بحثاً عن المعنى ذاته، عن الصورة التي قد تحمل في داخلها صدقاً كاملاً عن عالم العمل وحياة الشخصيات وتفاعلاتها العميقة، ما يجعل الكلمة الأدبية تتراوح بين حضورها الظاهر وامتدادها غير الظاهر في خيال القارئ. وهذا ما يجعل رحلة الكتابة رحلة حضور دائماً، حضور الذات أمام ذاتها، حضور العالم في داخل النص، حضور اللغة في لحظة إبداعها المستمرة، فيصبح العمل نصاً مفتوحاً على إمكانات متعددة.

بهذه الطريقة يمكن أن نرى الهوس بالكمال في الأدب كامتداد لحالة إنسانية عامة تنطبع في كل شكل من أشكال الإبداع، حيث يصبح الصراع بين ما هو ممكن وما هو مرغوب تجسيداً لصراعات داخلية أعمق تتصل برغبة الإنسان في الخلود، في الدلالة، في التواصل مع نفسه والآخرين، فتكون الكتابة، كما الفنون الأخرى، مساحة اختبار مستمرة لا نهائية، تجربة حسّية وفكرية في آن، تجعل من الكمال مرآة يواجه فيها المبدع حدود قدرته على التعبير وحدود العالم الذي يحاول أن يصوره.

بولص آدم

68 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع