هاجر مصطفى جبر
أن تنجب صبيين أي تجعل من حياتك صراعًا لا ينتهي، كلما رغب أحدهما شيئًا صعب المنال طلب أخوه الأشد صعوبة. أشعر أن أبي كان حكيمًا عندما قرر ألا ينجب سواي، تلك الرغبة التي تحولت إلى حكم عليَّ بالوحدة، بكيت كثيرًا فالجميع لديهم أخوة يشاركونهم اللعب إلا أنا، تقول أمي إن أبي أحبني حد أنه قرر ألا يُشرك معي آخر.. لكنها بذات الوقت تقول إنه أخبرها رغبته في الاكتفاء بطفل واحد مذ بداية التعارف!
الأمر لا علاقة له بي ولا بالحب، ربما اختار راحته، وربما يهرب من نفسه، فهولم يكن الابن المفضل، كان سيرى نفسه في أحدنا مما قد يجعله يكره الآخر، لذا اختار ألا ينشئ صراعًا، لكني ارتضيت.. لذا أحاول أن أجعل كليهما مفضلًا..فلا أرفض لهم طلبًا.. وهما يتصارعان على تعجيزي!
طلب الأول أن يحضر قطًّا.. هذا المستحيل الذي حدث، فكان الأكثر استحالة -وهوما نحن بالطريق لفعله- هاميستر!
نعم.. طلب ابني الثاني أن نحضر للبيت هاميستر!
لازمني شعور الغثيان حِينًا، تجاوزته بدموع طفلي وصور يحملها على هاتفه ليعرضها عليَّ كل مساء لصغار هاميستر يبدوعلى وجههم سذاجة يقول عنها براءة.
هاميستر.. رحم الله أبي لوعاش ليومٍ يراني أذهب فيه لشراء حيوان لن يراه خيرًا من الفأر لتبرأ مني وندم على اقترافه خطيئة إنجابي.
عند مكان يشبه حديقة حيوان صغيرة أخبرني الهاتف أني وصلت إلى المكان الذي اخترناه لنشتري منه.
انتظرنا الشاب لحين انتهائه من بيع هاميستر لمرأة حسناء ضحكتها جميلة.. وعندما رأت صغيري ترك كل الهاميستر الموجود وأحب الخاص بها تركته له! وراحت تساعدنا في تأثيث “عالمه” هكذا قالت.
تركت لها صغيري وتأخرت خطوتين.. جعلتني هذه الخطوات أتأملها أكثر.. وأبتسم لتعليقاتها دون حرج.
أحضرَت صندوقًا، قالت هذا عالمه، سيعيش هنا طوال حياته -أحسستُ بالضيق لكن ابتسامتها جعلت أبعاده تختفي وكأنه باتساع الكون- أحضرَت كوخًا خشبيًّا وزينته ببعض الورد وقالت هذا قصره، فرأيته قصرًا.
أحضرت مناديل كثيرة وفتات خشب ناعم وقالت هذه الأرض، فرأيت الأخشاب عشبًا، ومدت يدها لرف عال وقالت هذه العجلة!
كدت أسأل عنها لكن صغيري سبقني: عجلة؟
قالت بضحكة: ليجري على لقمة عيشه.
ضحكنا جميعا عدا الشاب البائع، لم يضحك، نظر بغضب خفي منعت المصلحة إظهاره،ربما لأنها تفعل ما كان يجب عليه فعله، وربما لأنها تختار الأجمل، وربما لأنها أنثى ساخرة، لقد اعتاد أن تكون الأنثى موضوع السخرية وعنوانه.
بعدما أنهى صغيري ضحكته قالت: الهاميستر لديه طاقة عالية لا بد من تفريغها حتى لا يفكر فيما خارج الصندوق.
صرخ صغيري: لدينا قط.
شهقت شهقة مصطنعة: إذًا يجب علينا الحفاظ على الصندوق مغلقًا دومًا حتى لا يأكله القط.. كررتها مرتين ليحفظها طفلي وتأكيدًا عليها وضعت أصبعها عند رأسه لتقول له تذكر هذا دائمًا.
سرحت في أصبعها الرشيق، وحركتها التي قد تفهم لمن ينظر من بعيد أنها تهدده، بينما هي فقط تضع الكلمة برأسه.
نظر ابني الأول لشيء يشبه المتاهة مستفهمًا، قالت هذه متاهة قد نضيفها للصندوق في حال كان الهاميستر مشاغبًا
لينشغل بها كما العجلة، لكنها شيء ترفيهي، يمكن التخلي عنه.
وعندما تعلق صغيري بشراء المتاهة، نظرت إليَّ ضاحكة: واضح أنهم جيل لا يفهم من كلمة ترفيهي سوى الحرص على إحضاره.
ابتسمت خجلًا.. كانت عيناها زرقاوين كما متاهة الهاميستر.
كان الصندوق به ممر على اليمين وآخر على اليسار، سألتها ممازحًا: هل يمشي يمينًا أم يسارًا؟
قالت: الأهم أن يظل داخل الصندوق.
للحظة سمعتها تقول شيئًا فيه “تعاسة “، لم أفهم لأني لم أسمع باقي الجملة، استغربت الكلمة وتمنيت لوكنت سمعت الباقي، فكيف لهذه الشفاه الباسمة دومًا أن تنطق كلمة قاسية كتلك!
حاولت مشاغبتها: أترينه يختار يمين الصندوق أم يساره؟
أرى أنه أذكى وألطف من أن يفعل، سيصعد أعلى العجلة، وقد يتعلق بسقف الصندوق، يلعنهما معًا.. يسخر منهما.. يبكيهما.. ويرقب الشمس.
وضعنا الهاميستر فوق مكتب صغيري، وكل يوم يبدأ ب “صباح الخير يا صديقي الهاميستر” أنظر للمتاهة فأتذكر عيونها، ثم أوقظ صغيريَّ ليلحقا بمدارسهما ثم أجري لألحق بعملي.

















