العبقري

عبد الرحمن أقريش

عبد الرحمن أقريش

آسفي، 1984.

يبدو الأمر بعيدا الآن، بعيدا جدا.

الثانوية الجديدة.

ندخل من البوابة الحديدية، ومع الخطوات الأولى يستيقظ الخوف الذي يسكن أرواحنا، الخوف من سلطة ما، سلطة غامضة تنتشر مثل الوباء، في البيت، في المدرسة، في الشارع وفي كل مكان، سلطة الآباء، سلطة الكبار، سلطة المدرسين، سلطة السلطة…

هنا تسير الحياة وفقا لنظام من الضبط والانضباط يكاد يكون عسكريا.

لم يكن سور المدرسة عاليا، ولكنه لم يتعرض أبدا للانتهاك، فلا أحد يجرؤ على اختراقه، كنا نخشى العقاب، كنا بالخصوص نشفق أكثر على آبائنا من موقف المهانة والغبن والخضوع أمام سطوة المدير وقسوة الحارس العام.

أتذكر.

دخلت مكتب المدير مرة أو مرتين، قاعة ذات فضاء مريح وواسع، مكتب فخم، طاولة من الزجاج الرفيع، كراسي من الجلد الحقيقي، في الخلفية، مكتبة ونظام صوتيات، وأعلام وطنية، تماما كما في المكاتب الحكومية.

في ذلك الزمن البعيد كان التراتب الإداري صارما للغاية، وكان من السهل تصنيف الناس سياسيا ومذهبيا، فقد كان الصراع الفكري والإيديولوجي واضحا بين اليسار واليمين وأقصى اليسار واليمين، فالمدير مخزني حتى النخاع، والحارس العام إمعة وتابع، وبينهما أمور مشتبهات.

وطبعا هناك الآخرون.

أستاذ التربية الاسلامية بجلبابه المغربي الأنيق، عيناه الكحليتان، لحيته المشذبة بعناية، رائحة المسك التي تفوح من كفيه الناعمتين، وكلامه الغريب القادم من زمن آخر عن الفتوحات والتعادلية وغربة الإسلام، وجاهلية القرن العشرين، وشهادة المرأة، والميراث وحظ الأنثيين، والافلاس الأخلاقي للغرب…

أستاذ الفلسفة بسيجارته الأبدية، لباسه البوهيمي، حذائه المهمل، وحديثه الدوغمائي عن الشعب والماركسية والصراع الطبقي والثورة، و(المهدي) و(عمر)، والإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين…

مدرس التاريخ الدون جوان المتهتك.

ومدرس العلوم الوهابي السلفي…

أستاذة اللغة الفرنسية، التي ترتدي دوما قمصانا شفافة، تظهر من تحتها حمالة الصدر بألوان جريئة وصارخة تختارها بعناية في نوع من التحريض المتعمد، أحمر، أسود، أبيض، أصفر، بنفسجي…

الآنسة (موريسكا)، أستاذة اللغة الإنجليزية الأمريكية الأصل، بعيوننا تبدو وكأنها قادمة من كوكب آخر، تحب الحياة، بيضاء، شقراء، أنيقة، رشيقة مثل فراشة، ملابس بألوان زاهية على الموضة، تنظر إلينا بعينين مشرقتين، باسمتين.

وتقول.

 you are muslims…i m a nasrani… but i like you –       

تضع شريطا في آلة التسجيل، تفتح حقيبتها، تخرج منها ألواح الشوكلاطة وشرائح الجزر وعلبة السكاكر.

تغني أغنيتها المفضلة (I am Sailing)، ترقص، تتمايل، تنتشي، تتماهى، تنخرط كليا، وتسعد نفسها بإصرار.

تمتص السكاكر كي لا تتعب صوتها الجميل والدافئ، وعندما تشعر بالجوع تقضم شرائح الجزر، تقضمها بمتعة تماما كما تفعل الأرانب في الرسوم المتحركة.

تحتفظ ذاكرتي بصور أخرى موشومة وترفض الإنمحاء.

يوم الجمعة، الحصة المسائية الأخيرة.

نخرج من الفصل على شكل سلسلة بشرية، مثنى مثنى، يتجه الجميع نحو البوابة الكبيرة، في منتصف الساحة، تذوب السلاسل البشرية في صف واحد، يقف المدير منتصبا مثل تمثال فرعوني، إلى جانبه يقف الحارس العام وإثنين من الأعوان، يتباطأ الصف، يتوقف لحظات أمام المدير، يتلقى التلاميذ صفعتين قويتين.

نستفسر، نود أن نعرف السبب…ولكن، لا أحد يعلم السبب…

كان ملف الغياب عبارة عن سجل ضخم ينقله العون (عزوز) بين القاعات، يبدأ من القاعة رقم (1) مرورا بالجناح العلمي، يصعد إلى الطابق العلوي، ينزل، ليصل أخيرا إلى فضاء الرياضة المدرسية، (عزوز) محبوب من طرف الجميع، فهو إنسان مرح، خفيف الظل، يحب كرة القدم، أحيانا كثيرة يستيقظ الطفل الصغير بداخله، ينسى وظيفته وينخرط في شغب التلاميذ، يحمل الملف بيده اليسرى، يخترق الساحة ويوزع الابتسامات يمينا وشمالا.

يسمع صوتا يناديه.

–      راسك أ(عزوز)!!

يلتفت برشاقة، كانت الكرة قادمة في اتجاهه، وبخفة رياضية تلقاها بضربة رأسية قوية!!

سقط (عزوز) مغميا عليه، نقل إلى المستشفى على عجل، كانت الكرة من النوع الخاص برمي الجلة، بعد أسبوع عاد (عزوز) لعمله، ولكنه فقد الكثير من حيويته، مات بعدها بشهور، لم نعرف أبدا أكان موته بسبب تلك الضربة الرأسية؟ وأيضا لا أحد يعلم من قذفه بتلك الكرة الحديدية؟

ولكن البطل في مدرستنا هو شخص آخر، متفرد ومختلف تماما.

لسنوات كان (سي محمد) جزءا من المشهد التربوي للمؤسسة، جسد قوي، طويل، عريض، يكبرنا جميعا ببضع سنوات، من الواضح أنه تعثر كثيرا وأضاع سنوات في القسم الابتدائي قبل أن يعبر إلى الثانوي، والغريب أنه متعدد المواهب، يحب المدرسة، يحب الرياضة، كرة القدم، المصارعة والريكبي، وفوق هذا يعزف الكمان، وينظم الشعر في باب الهجاء، شعر عامي مكتوب باللغة الدارجة ذو نفس غنائي، فيه الكثير من الموسيقى والكثير من الإيقاع.

ولكن عبقرية (سي محمد) لا تفهم إلا في ارتباطها بظلال من الشذوذ والانزياح هي جزء أصيل من شخصيته، فهو لم يكن أبدا متفوقا في حصة اللغة والإنشاء، وفوق ذلك يعاني من الديسليكسا وعسر القراءة.

في نهاية كل أسبوع يتقمص (سي محمد) دور الشاعر، ونتقمص نحن دور الجمهور الولهان المحب للشعر والكلام الموزون، ننصت، نستمع بإمعان، ننخرط، نشجع، نصفق، نصفر إعجابا، ومقابل هذا الإعجاب يتوقف هو، يصمت بين مقطع وآخر، يبتسم، يرد التحية، يرتفع صوته، يعلو، ينخفض…

وينظر بعيدا مثل شاعر حقيقي.

كان أساتذة المؤسسة ضحايا لقصائده الهجائية، ولكنه كان يخص أستاذ الفيزياء بالنصيب الأوفر من هجائه القاسي.

في الحقيقة لم يكن (سي محمد) شريرا، فهو ولد طيب، ولا يحمل الضغينة لأحد، ولكنه يحب المرح وأجواء السخرية والتنابز بالألقاب، وفي كثير من الأحيان يندفع، يتهور، ولا يقدر العواقب.

يوم من أيام نوفمبر 1984.

توقف أمام سبورة الإعلانات على بعد خطوات من الإدارة، التفت يمينا ويسارا، بدا وكأنه يفكر أو يقرر أمرا ما، ثم عندما حسم أمره، خط عليها بخط جميل.

خبر عاجل:

(قاردين ولد القردة)، هو الذي اغتال (أنديرا غاندي)!!

وطبعا، يتعلق الأمر هنا بلقب نحته وألصقه بشخص لا يستلطفه.

ثم ذات يوم حدث أمر عجيب.

في الحافلة أضاع (سي محمد) محفظته، وكانت تضم أشياءه الخاصة، دفاتره، بطاقته المدرسية، وبطاقة النقل المدرسي، عثر عليها القابض وأعادها لإدارة المدرسة، تم تفتيش المحفظة من طرف الإدارة للتأكد من صاحبها، وعثروا فيها على القصائد المشؤومة، وبعد أيام انعقد المجلس التأديبي للبث في سلوك (سي محمد)، واتخاذ الإجراءات التأديبية في حقه، طبعا ليس لم يكن الهدف هو العقاب فقط، المجلس انعقد بنية الفرجة والاحتفال، فالجميع يعرف عسر القراءة وأمراض اللغة التي يعانيها (سي محمد)

تكونت اللجنة من سبعة أساتذة، وخمسة إداريين.

وقف (سي محمد) مترددا، خائفا لا يدري ما ينتظره.

سأله الحارس العام.

–      هاذ القصائد ديالك؟

حرك رأسه، وأجاب بصعوبة.

–       نعم آس، دييييالي…

–       لم نكن نعلم أنك تنظم الشعر!!

تدخل المدير.

–      لقد قرر المجلس أن يغض الطرف عن الإساءة التي صدرت منك بحق الأساتذة، بشرط أن تقرأ بصوت مسموع هذه القصيدة أمام السادة الأساتذة!!

جفت قريحة (سي محمد)، يلتفت، يجول ببصره في المكان، يفكر في الورطة التي أوقع نفسه فيها، بدا خائفا ومترددا.

–       يالله، اقرأ بصوت مسموع ومرتفع!!

–       الزيد الزيد الزيد الزيدو نييييييييييي

مسكييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين (الزيدوني هو أستاذ الفيزياء)

مششششا لا بيسيييييييييييييييييييييييين (ذهب إلى المسبح)

طاااح ليه الكريسييييييييييييييييييييين (سقط سرواله القصير)

الزيد الزيد الزيدوني مسكين…

أستاذ الفففففففففيزياء

له دج دج جد دجاج وبيتياااء (له دجاج وبيتياء)

وحا حا حا نووووت يبيييع فيه الشششعرياء (وحانوت يبيع فيه الشعرية)

يختنق (سي محمد)، يتصبب عرقا.

تخرج الحروف والكلمات من فمه بصعوبة.

تضج القاعة بالضحك، قهقهة، هستيريا، انفلات، ضحك مجنون لا يتوقف إلا لينطلق من جديد.

البعض يمسح دموعه، استلقى المدير على قفاه، كاد يغمى عليه.

الحارس العام يضرب الطاولة بقبضته وهو يحاول أن يتمالك نفسه.

 بقي (سي محمد) للحظات ينظر صامتا، بدا وكأنه لا يفهم الموقف، ثم في لحظة ما، انتقلت إليه العدوى، فانخرط هو أيضا في الاحتفال المجنون.

يوم الإثنين صباحا، عوقب (سي محمد)، يطوف بين الفصول وعلى ظهره لافتة تقول.

(هذا حمار ينظم الشعر)!!

بعد سنوات توقف مساره الدراسي، يقال إنه لم يندم كثيرا، فهو لم يكن يصلح للدراسة.

أصبح (سي محمد) أحد رواد فن الشارع، (حلايقي) مشهور، يتجول، يطوف بين الأحياء، ينتقل من مدينة لأخرى، يقرض الشعر، يقص الحكايات، يعزف، يرقص ويغني.

كانت عاهته قد تحولت إلى أسلوب خاص وبصمة فنية لا تقبل التقليد!!

 

كاتب وقاص من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع